استحقاق 17 ديسمبر يدخل ليبيا في مأزق شائك ومعقد

الثلاثاء 2017/12/05

تتدحرج الأزمة الليبية بسرعة نحو مأزق جديد بدأت تعقيداته تتراكم على وقع أجندات محلية وإقليمية ودولية متناقضة استغلت ضبابية المشهد لتعيد فرض أولوياتها في تحديد سقف الطرح السياسي ارتباطا بالملفات التي يتعين مناقشتها قبل وبعد استحقاق 17 ديسمبر الذي ينهي شرعية المجلس الرئاسي وبقية الأجسام المنبثقة عنه وخاصة منها حكومة فايز السراج.

ويبدو أن التحركات السياسية والدبلوماسية التي تسارعت على أكثر من صعيد خلال الأيام القليلة الماضية، التصقت بهذا الاستحقاق الشائك والمعقد الذي لم يعد يفصلنا عنه سوى عدة أيام، رغم المحاولات العديدة لإفراغه من محتواه، وتحاشي تداعياته، وصولا إلى استبعاد عوامل ضغوطه القانونية والدستورية العديدة والمتنوعة.

وبدأت تلك التحركات بزيارة مثيرة للجدل قام بها فايز السراج إلى واشنطن، ثم تلتها زيارة المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة إلى القاهرة، فيما كثف وزيرا خارجية تونس خميس الجهيناوي، والجزائري عبدالقادر مساهل من اتصالاتهما الدولية بشأن الملف الليبي، حيث اجتمع الأول في روما مع نظيره الروسي سرغي لافروف، بينما اجتمع الثاني في روما أيضا مع وزير الدولة البريطاني للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أليستر بورت.

وتكشف هذه التحركات عن خشية ليبية وإقليمية ودولية من إمكانية انزلاق الأوضاع نحو مربعات الفوضى التي تبدو ضاغطة بقوة بسبب الفراغ القانوني والدستوري المرتقب حدوثه عندما يحل موعد استحقاق 17 ديسمبر.

وهي تنطوي بذلك على مفارقات حادة تستدعي إعادة قراءة المشهد الليبي من زوايا متعددة لرسم خارطة جديدة لمفاعيل الفهم في سياق التطورات العاصفة التي لم تنته فصولها بعد، بالنظر إلى ضبابية المشهد التي ينتظر أن تتفاقم بسبب حجم التغييرات في المقاربة السياسية على ضوء المستجدات الميدانية التي أفرزت موازين قوى جديدة.

ويجد الفرقاء الليبيون أنفسهم الآن أمام مأزق قانوني جديد باعتبار أن تلك الاتفاقية لم تنص على إمكانية تمديد العمل بها لمدة عامين، ما يعني أن الأجسام التي أفرزتها، أي المجلس الرئاسي برئاسة فايز السراج وحكومة الوفاق الوطني المنبثقة عنه، والمجلس الأعلى للدولة، وكذلك البرلمان، ستفقد شرعيتها قانونيا ودستوريا، لتصبح بذلك غير شرعية مثلها مثل بقية الهيئات الأخرى الناشطة في غرب وشرق البلاد.

وأمام تضاؤل فرص تحقيق اختراق يمكن البناء عليه لتجاوز هذا المأزق القانوني والدستوري، يرسم السياق الذي أنتج ذلك إلى حد بعيد ما يجري تداوله حاليا من مقاربات سياسية تبدو محاورها محكومة بهاجس الانزلاق نحو المواجهة بأشكالها المختلفة التي ستحدد نتائجها سقف العملية السياسية، والملفات التي ستتناولها في قادم الأيام.

وبما أن العملية السياسية التي بدأها المبعوث الأممي غسان سلامة، متعثرة، ولم تتجاوز بعد مرحلتها الأولى المتعلقة بتعديل المواد الخلافية في اتفاقية الصخيرات، كان لا بد عندها من الأخذ بمجمل تلك المعطيات التي لا تزال تدور حولها الشكوك، وفي مقدمتها السياق المرتبط بتطورات المشهد الإقليمي والدولي.

وتتسلل من خلف هذا المشهد جملة من التساؤلات المشروعة حول أبعاد لعبة التسخين والتصعيد الإقليمي والدولي، التي وجدت انعكاسها على الواقع الليبي الذي ينظر بكثير من التوجس إلى مآلاتها التي تتراكم على وقع التلويح بنشر قوات عسكرية وأمنية أجنبية في ليبيا تحت عناوين إبتعدت عن جوهر الأزمة لتركز على أخرى جانبية، أي التصدي للهجرة غير الشرعية.

ولعل الكم الهائل من التصريحات والمواقف الإقليمية والدولية التي تناولت هذا العنوان خلال الأيام القليلة الماضية، يكشف حجم الشكوك المتزايدة في جدوى الدور الإقليمي والدولي في معالجة الأزمة الليبية، بالنظر إلى غياب الموضوعية حينا، وانعدام الإرادة الحقيقية لفرض حل مناسب حينا آخر، دون أن يعني ذلك تجاهل الإرادات الليبية المتصارعة، التي ساهمت بانخراط بعضها في أجندات لا وطنية، في هذا الشلل السياسي وغياب الأفق الواضح للحل.

ورغم ذلك، مازال البعض يرى أن فرصة التوصل إلى حل لم تصل بعد إلى طريق مسدود، وأن مأزق 17 ديسمبر سيتم تعويمه، على نحو يجنب الأطراف المحلية والإقليمية والدولية تحمل مسؤولية إجهاض تلك الفرصة، أو تحمل نتائج وتداعيات فشل العملية السياسية.

لكن قراءة مساحة المتغيرات وحجم التبدلات في المقاربة السياسية على ضوء هذه المنعطفات، تدفع إلى الجزم بأن الرهان على تلك التحركات أو التعويل عليها، لم يعد مجديا ولا مقنعا، بل إنه لا يستقيم أصلا.

لذلك، لا يمكن البناء على تلك التحركات لإيجاد حل للمأزق الليبي، خاصة وأن الكثير منها تحكمها الصراعات بين أقطاب الإرادة السياسية الدولية، والخلافات الدائرة بين الأطراف الليبية على المهمات الوظيفية في سياق الأجندات المتناقضة، ما يعني أن استحقاق 17 ديسمبر سيعيد المشهد إلى حالة من العبث التي لا يمكن تجاهلها أو القفز فوق تداعياتها.

كاتب تونسي

4