استخبارات في البطن تغير علاقة المريض بالدواء

لم يعد مسموحا في عصر التكنولوجيا التساهل مع نسيان المرضى لتناول الدواء في موعده. فالحبوب الرقمية، التي اعتمدتها الأجهزة الصحية الرسمية في الولايات المتحدة، صارت تعمل كمنبهات للمرضى بموعد تناول الدواء، وهو ما يوفر بين 100 و300 مليار دولار على برامج الرعاية الصحية في العالم. لكن المعارضين للتكنولوجيا الجديدة يقولون إن بيانات المريض صارت مستباحة من قبل هذه الأجهزة الصغيرة التي تزرع في جسم الإنسان، فيما يشبه جهاز “استخبارات في البطن”.
الأربعاء 2017/11/29
تناول الدواء بالقوة

نيويورك- لا يشعر غالبية المصابين بأمراض مزمنة أنهم توقفوا بالفعل عن تناول الدواء بعد فترة معينة من المواظبة عليه. وينعكس هذا السلوك اللاشعوري تدريجيا على حالة الجسم بشكل عام، إذ يبدأ المرض في ملء الفراغ الذي تركه الدواء خلفه بمجرد توقف المريض عن تناوله.

ولم يكن متوقعا أن تقف التكنولوجيا مكتوفة اليدين أمام تلك المعضلة، لكن الباحثين كانوا مقتنعين في الوقت نفسه أن التدخل التكنولوجي هو مسألة وقت فقط. وبالفعل فاجأ باحثون العالم بابتكار حبوب رقمية.

وتعمل هذه الحبوب كمنبه متصل يطلق تحذيرا من داخل الجسم إلى المريض كي يذكره بموعد تناوله الدواء. وتكون عادة أداة التحذير هي الهاتف الذكي، الذي تمكن مؤخرا من قلب حياة البشر رأسا على عقب. وعندما اعتمدت الأجهزة الحكومية الأميركية الدواء الرقمي الأول في العالم، احتل مرتبة بين الأجزاء الأكثر إدهاشا في التعطيل التكنولوجي الذي يصيب صناعة الأدوية.

وبالنسبة إلى المؤيدين له، قرار الموافقة على إدراج السيليكون والبرمجيات ضمن منتج صيدلاني يبشر بعصر جديد. ويقول هؤلاء إن ذلك سيضمن أن يتناول المرضى الدواء كما هو منصوص عليه في وصفة الطبيب “الروشتة”. وهذا في رأيهم لمصلحة المصنعين، والنظم الصحية الواقعة تحت ضغط كبير، والمرضى أنفسهم.

علاج إجباري

لكن بالنسبة لآخرين فإن القدرة على تتبع الجرعة والاستهلاك- عن طريق وضع جهاز استشعار داخل حبوب الدواء وترحيل البيانات إلى تطبيق على الهاتف الذكي عن طريق رقعة يمكن ارتداؤها- تستحضر رؤية أكثر بؤسا بكثير تتصور وجود “جهاز استخبارات في البطن”. ويخشى هؤلاء من إمكانية وقوع بيانات المريض في أيدي أشرار، أو أن العقاقير يمكن أن تستخدم كأداة للإكراه أو السيطرة.

هذا الشهر أعطت إدارة الغذاء والدواء الأميركية شركة “أوتسوكا” للأدوية الضوء الأخضر لتسويق نسخة من عقارها المضاد لأعراض الذهان “أبيليفاي” الذي يحتوي على جهاز استشعار يشكل جزءا لا يتجزأ من قرص الدواء، ويكون قابلا للهضم.

لكن جهاز الاستشعار الذي وضعته شركة “بروتيوس ديجيتال هيلث”ـ ومقرها في الولايات المتحدةـ قيد الاستخدام منذ فترة، وإن كان مقترنا بحبوب داخل غطاء من الجل، بدلا من إدراجه في الدواء نفسه.

ويشير تريفور جونز، أحد المخضرمين في صناعة الدواء في المملكة المتحدة، إلى بيانات تظهر أن ما يصل إلى 60 في المئة من المرضى الذين يعانون الاكتئاب لا يتناولون الأدوية كما ينبغي. وينطبق الشيء نفسه على أكثر من نصف المصابين بالربو وثلثي المصابين بفيروس الإيدز.

ويرى جونز أن إنترنت الأشياء يوفر إمكانية معالجة هذه المسألة. ويقول “حقيقة أننا جميعا بدأنا في ارتداء فيتبيتس وما إلى ذلك، ومراقبة أنفسنا، هي في قلب هذا الأمر، وستستمر في النمو”.

وتعبر دون هاثاواي عن ارتياح المستهلكين لاستخدام هذا النهج. حين تم إبلاغ هاثاواي (50 عاما) من ساوث ليك تاهو، في ولاية كاليفورنيا الأميركية، أنها يمكن أن يكون لديها جهاز استشعار مقترن بدواء ضغط الدم الذي تتناوله، بدت لها الفكرة غريبة. لكنها الآن تؤيد التكنولوجيا التي ترسل إشعارا إلى هاتفها المحمول، عبر رقعة ترتديها على جسدها، عندما تنسى أن تأخذ دواءها، أو رسالة تحفيزية عندما تتذكر تناوله.

وتقول هاثاواي إن النتيجة كانت تحسنا ملموسا في صحتها. وأضافت “عندما يكون ضغط الدم مرتفعا، يصيبني صداع سيء للغاية في مقدمة الرأس وآخره، ولكن عندما أتناول الدواء لا يصيبني ذلك الصداع. إنه علاج فوري جدا”.

في عصر يكون فيه البرهان على قيمة الدواء أمرا بالغ الأهمية من حيث إقناع الممولين بتمويل إنتاجه، يمكن أن تسمح التكنولوجيا لشركات صناعة الأدوية بأن تتقدم

ويوضح جاك سكانيل، وهو محلل في شركة “يو بي إس”، التأثير الذي يمكن أن تحدثه التكنولوجيا في ديناميات الصناعة عندما يقول “إذا نظرتم إلى التباين في نتائج المرضى، فغالبا ما يكون الأمر أكثر ارتباطا بالامتثال والالتزام مما هو مع فاعلية الدواء. إذا أعطيت شخصا ما دواء بديلا قديما ورخيصا ويتناوله فعلا، فإن هذا أكثر فعالية بكثير من دواء جديد رائع لا يتناوله”.

وتتراوح تقديرات تكاليف عدم الالتزام بتناول الدواء بين 100 مليار دولار و300 مليار دولار سنويا في الولايات المتحدة وحدها. ومن غير الواضح إلى أي مدى يمكن أن تعمل الحبوب الرقمية على تغيير هذا الوضع. وفي حيثيات منح موافقتها، قالت إدارة الغذاء والدواء “من المهم أن نلاحظ أنه لم تتم إقامة الدليل على قدرة المنتج على تحسين التزام المريض بنظام علاجه”.

ومع ذلك، في عصر يكون فيه البرهان على قيمة الدواء أمرا بالغ الأهمية من حيث إقناع الممولين بتمويل إنتاجه، يمكن أن تسمح التكنولوجيا لشركات صناعة الأدوية بأن تتقدم بحجة أكثر إقناعا لأنظمة الرعاية الصحية.

بيع الفكرة للممولين

يقول جو جيمينيز، الرئيس التنفيذي لشركة “نوفارتيس” التي تستثمر في “بروتيوس”، “إذا كنت تفكر في الأمور التي ستقف النظم الصحية في مواجهتها، فلن تكون هذه فقط هي التكنولوجيا الجديدة التي تُحدِث فتحا كبيرا. هذا أمر مهم جدا. لكن إذا كان يمكنك أن تجد وسيلة لتحسين نتائج المريض من خلال تحسين الالتزام، فإنك ستخفض تكاليف النظم الصحية في مختلف أنحاء العالم، لأن كثيرا من المرضى يتوقفون عن تناول أدويتهم بعد ستة أشهر”.

ويتوقع جيمينيز أن ينشأ وضع يمكن أن تستخدم فيه “ساندوز”، وحدة الأدوية البديلة التابعة لـ”نوفارتيس” التي تتعرض لضغوط كبيرة في ما يتعلق بالتسعير في الولايات المتحدة، تكنولوجيا من هذا القبيل من أجل “إضافة قيمة إلى ما يُعتبر أدوية قديمة (…) من حيث أنها تساعد على تحسين امتثال المرضى، الأمر الذي يقلل من إجمالي تكاليف الرعاية الصحية”.

على نطاق أوسع، يمكن للتكنولوجيا أن تسمح للشركات بالحصول على براءات اختراع جديدة على العقاقير التي فقدت براءاتها الحصرية، أو في سبيلها إلى فقدانها. وهذا كما يشير أندرو تومسون، الرئيس التنفيذي لشركة “بروتيوس”، يمكن أن يجعل من المفيد لشركات صناعة الأدوية استكشاف استخدامات جديدة للأدوية الموجودة.

يقول تومسون، الذي استثمرت شركته أكثر من 500 مليون دولار في منصة التكنولوجيا وتطوير المنتجات، “إذا كان يمكنك فرض براءات اختراع على الحلول (الرقمية) فإنك تكون قد فتحت نافذة على الاستفادة من مكتبة رائعة من الأدوية المعمول بها يحتمل أن تكون قيمتها تريليونات الدولارات”.

التكنولوجيا توفر المليارات على برامج الرعاية الصحية

وسط مخاوف أوسع حول الطرق التي يمكن أن تُستخدم بها المعلومات الطبية، تقول “بروتيوس” إن منتجها يتوافق مع “جميع القوانين والمعايير المعمول بها” بشأن حماية البيانات، مشيرة إلى أن المريض يمكنه إيقاف النظام في أي وقت.

ويقول جلين كوهين، أستاذ الأخلاقيات الطبية والحيوية في جامعة هارفارد، الذي تعاقدت معه شركة “أوتسوكا” لدراسة القضايا الأخلاقية المحتملة المحيطة بالتكنولوجيا، إنه لا علم لديه بخطط لاستخدامها في مواقف إكراهية، مثلا كشرط لإطلاق سراح أحد السجناء. ويضيف “ليس فقط أنني سأشعر بأمان أكثر في هذا الشأن مما أشعر به بخصوص بياناتي على فيسبوك، وإنما بشأن أشياء أخرى كثيرة أخزنها إلكترونيا، بما في ذلك رسائل بريدي الإلكتروني في هارفارد”.

بالنسبة إلى مايك أنديريس، كبير الإداريين الابتكاريين والرقميين لدى أحد الأنظمة الصحية في وسكنسن، في الولايات المتحدة، فإن الأدوية الرقمية هي وسيلة لإقناع المرضى بأن يصبحوا أكثر انخراطا في إدارة أمراضهم بأنفسهم، إلى جانب السماح للأطباء بتخصيص كل جرعة للمريض وفقا لحاجاته. ويعمل أنديريس لدى شركة “فرُويدتيرت” وكلية الطب في وسكنسن، التي تقدم الرعاية الطبية إلى نحو 700 ألف مريض سنويا.

وتبنت المنظمة تكنولوجيا بروتيوس فقط قبل أكثر من سنة بقليل، ويستخدمها أكثر من 100 مريض من المصابين بأمراض من بينها السكري، واحتقان القلب، والتهاب الكبد الوبائي “سي”. وهو يرى أن هذه العملية “تعطي قدرة كبيرة للمريض، وهذا أحد الأمور التي أعجبتنا”. لكنه يقول إن التكنولوجيا تنطوي على أمور تفوق كثيرا مجرد تعزيز معدلات الالتزام.

وأكد “في الواقع نحصل على جرعة أفضل وأكثر دقة من الدواء تتم معايرتها لكل مريض على حدة بطريقة ليست ممكنة حين تعطي المريض زجاجة من الحبوب وتقول له إنك تريده أن يراجعك بعد 30 يوما”. بعد استخدام النظام على مدى 13 شهرا فقط، لم يتم حتى الآن تجميع بيانات قطعية حول أثره. لكن العلامات الأولى مشجعة.

ويقول أنديريس “بالنسبة لمرضى التهاب الكبد الوبائي ’سي‘ لدينا نسبة التزام تفوق 99 في المئة من حيث تناول الدواء، ونسبة شفاء بلغت مئة في المئة”. وتعتزم “فرُويدتيرت” توسيع استخدام الدواء الرقمي ليستفيد منه مرضى الإيدز. ويؤكد أنديريس أنه وزملاءه ينظرون إلى التكنولوجيا على أنها وسيلة مساعدة للمرضى على الأمد القصير نسبيا.

ويقول “لا نعتقد أن الناس سيستخدمونه لفترة تزيد على ثلاثة أشهر. كل ما في الأمر أنك تصبح معتادا على الجرعة الصحيحة والدواء الصحيح. بعد ذلك نعتقد أن سلوك تناول ذلك الدواء سيتعزز بما يكفي لأن يستغني المريض عن استخدامه”.

12