استخدام الأطفال للهواتف الذكية يتزايد مع تساهل الآباء

العزل المنزلي يجبر الأسر على ترك الأبناء ساعات طويلة أمام الشاشات لكن ذلك يزيد احتمالات تعرضهم للخطر.
الأربعاء 2020/04/08
فقدان للسيطرة

في الوقت الذي تدق فيه الدراسات والمنظمات العالمية المختصة ناقوس الخطر حول استخدام الأطفال المفرط للإنترنت وخاصة الألعاب الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي نظرا إلى التهديدات النفسية التي يواجهونها، والدعوات المتواصلة لتقليص عدد الساعات التي يقضيها الأطفال أمام الشاشات، وجد الآباء والأمهات أنفسهم مجبرين على ترك الأطفال لساعات طويلة أمام الشاشات، وذلك لعجزهم عن توفير الحلول لجعل الأبناء يقضون أياما بلياليها في المنزل بسبب جائحة كورونا.

تونس - أجبر العزل المنزلي الذي فرضه فايروس كورونا الآباء والأمهات على تقبل تزايد إقبال أبنائهم على تصفح الإنترنت رغم المحاذير التي ما انفكت تسوقها مراكز الدراسات والمنظمات العالمية ومن بينها منظمة الأمم المتحدة للطفولة التي صنفت الإدمان على الألعاب الإلكترونية مرضا نفسيا.

ووجد الآباء والأمهات أنفسهم أمام معادلة صعبة؛ إما حرمان الأبناء من الإنترنت ووضع وقت محدد لتصفحها، مما يقابله وقت فراغ طويل أمام أطفال لا يملكون وسائل متنوعة لملئه وسط الهلع والخوف الذي يسود العالم بسبب كورونا، وتأثيره المضاعف على الأطفال الذين حرموا من المدرسة ولقاء الأصدقاء، وإما التساهل والتغافل عن تمضيتهم أوقاتا طويلة أمام الشاشات ونتائجه الوخيمة.

وعبر الكثير منهم عن تخوفهم من تزايد الوقت الذي يمضيه أبناؤهم أمام الشاشات خلال الحجر الصحي الذي فرض في جميع دول العالم للحماية من مخاطر تفشي الفايروس، إلا أنهم في الوقت ذاته يرون أن شبكة الإنترنت ساهمت في خفض نسب القلق والتوتر والضجر لدى الأطفال في هذه الفترة العصيبة التي تمر بها جميع الأسر التي وجدت نفسها حبيسة المنازل.

قالت وداد نصري أم لطفلتين، إنها أمام هذا الوضع الكارثي وجدت في الإنترنت مخرجا للكثير من المصاعب التي كانت ستواجهها، واعترفت بأنها تتساهل كثيرا مع أطفالها في هذه الفترة، وتتعمد تركهم يلهون بالهواتف الذكية على عكس الأيام العادية، حيث كانت أكثر شدة في هذا الأمر من قبل.

وسائل التواصل الاجتماعي في ظل كارثة جائحة كورونا، باتت مع سوء استخدامها أخطر حتى من المخدرات والخمور، لأنها لا تخضع لقواعد أو ضوابط

وأشارت إلى أنها كانت أكثر حرصا على إبعاد أطفالها على تصفح الإنترنت، مضيفة أنها تفكر كثيرا في ما ستؤول إليه الأمور بعدما تنتهي هذه الظروف الاستثنائية، وهل ستتمكن من السيطرة على علاقة أطفالها بالإنترنت مثلما كانت تفعل قبل العزل الصحي.

كما اعترف زهير الحاج علي أب لثلاثة أطفال تتراوح أعمارهم على التوالي 10 و14 و18 سنة، أنه لا يدري ماذا كان سيفعل لولا وجود الإنترنت في هذا الوقت العصيب، وكيف سوف يقنع أبناءه بالمكوث في المنزل دون دراسة أو أي وسائل للترفيه ودون خروج للتنزه، مؤكدا أنه رغم محاولاته الكثيرة للسيطرة على استخدامهم لمواقع التواصل الاجتماعي إلا أن هذه المحاولات تتسم بالتساهل بسبب قناعته بأنها الوسيلة الوحيدة القادرة على جعل الأطفال لا يعبرون كثيرا عن ضجرهم ومللهم من البقاء طيلة هذا الوقت حبيسي جدران المنزل.

وأكد أنه لولا وجود الإنترنت عند غالبية الأسر، في جميع أنحاء العالم لكان الوضع أكثر سوءا وكانت علاقة الآباء والأمهات والأبناء أكثر توترا، ولاكتست بالكثير من الصعوبات والمشاكل في ظل عجزهم عن توفير حلول بديلة بسبب فايروس كورونا.

وقالت لبنى سالمي إنها في حيرة أمام الوقت الطويل الذي يقضيه أبناؤها في تصفح الإنترنت، مؤكدة أنها في صراع يومي معهم لأنهم استغلوا هذا الظرف لمضاعفة الأوقات التي يقضونها أمام شاشات الهواتف الذكية، ورغم حرصها على تقسيم أوقاتهم بين المطالعة ومساعدتها في أعمال المنزل ومراجعة الدروس إلا أنه على الرغم من ذلك أصبحوا يقضون وقتا مضاعفا في تصفح الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي وخاصة تيك توك الذي باتوا يجدون فيه وسيلة للترفيه، ونسيان العزل المنزلي الذي يعيشونه مما قلص من طلباتهم وتذمّرهم من الضجر.

استخدام الأجهزة الذكية تؤثر سلبا على نمو الأطفال
استخدام الأجهزة الذكية تؤثر سلبا على نمو الأطفال

وقالت بسمة بن يونس الموظفة بشركة خاصة إنها تعيش خلافا مستمرا مع ابنها البالغ من العمر 12 سنة بسبب تعلقه المتزايد بالألعاب الإلكترونية وخاصة لعبة الفري فاير، وذلك خوفا من تأثير ذلك على دراسته وعلى نفسيته بعد عودة الحياة إلى طبيعتها وانقضاء هذه الفترة العصيبة.

وأشارت إلى أنها لاحظت أن ابنها لا يسعى إلى اكتساب المعرفة والتعلم اللذين توفرهما الإنترنت بكل بساطة، بل يحرص فقط على اللعب أو مشاهدة الفيديوهات السخيفة على يوتيوب وتيك توك.

كما أكدت أن هذا الأمر بات يقلقها ويشعرها بالتوتر نظرا إلى أنها أصبحت غير قادرة على السيطرة على سلوكياته، في الفترة الأخيرة حيث لاحظت تزايد شعوره بالتوتر والقلق بمجرد التلميح له بأنها سوف تحرمه من الهاتف.

ولفتت إلى أن تساهلها في وضع حدّ له منذ بداية العزل المنزلي فاقم تعلقه بالإنترنت، مشيرة إلى أنها أصبحت تخشى عليه من بلوغه مرحلة الإدمان إذا طالت فترة العزل التي لا يعرف أيّ أحد مدتها.

ويتفق جميع الأولياء تقريبا على أنهم مدركون لمخاطر تعلق أبنائهم بالإنترنت والتي قد تصل إلى حد الإدمان الذي لا يختلف عن إدمان المخدرات والكحول والسجائر، إلا أن تساهلهم في هذا الأمر جاء نتيجة لفقدانهم إلى السبل التي تملأ وقت فراغ الأبناء الطويل جدا، وأشار الكثير منهم إلى أن هذا الأمر يقلقهم جدا وذلك خوفا من تأثيراته المستقبلية على صحة أطفالهم النفسية وعلى دراستهم.

وأكد علماء النفس أن وسائل التواصل الاجتماعي في ظل أزمة جائحة كورونا، باتت مع سوء استخدامها أخطر حتى من المخدرات والخمور، لأنها لا تخضع لقواعد أو ضوابط.

لا وجود لبدائل للتخفيف من وطأة الحجر الصحي
لا وجود لبدائل للتخفيف من وطأة الحجر الصحي

ونبهوا إلى أن الحجر الصحي للتوقي من الفايروس ساهم في ارتفاع معدلات الإقبال على الإنترنت في مختلف دول العالم خاصة لدى الأطفال، حيث لا تجد الأمهات وسيلة أنجع لتفادي طلبات أبنائها المتكررة مثل تركهم أمام الشاشات لساعات طويلة وهو ما يزيد احتمالات تعرضهم للخطر.

وأكدت دراسة سابقة أجرتها رابطة الأطباء الألمان في برلين حول استخدام الأطفال للأجهزة الذكية، أن كل ثلاثة أطفال من بين أربعة بعد عمر العاشرة يملكون هاتفا ذكيا لا يستخدمونه لأغراض الاتصال، كاشفة أن جميع المراهقين تقريبا في عمر الـ12 يبحرون في شبكة الإنترنت.

وأبدى توماس فيشباخ رئيس الرابطة، قلقه البالغ من السماح للأطفال في سن مبكرة من استخدام الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية، ويعتبر فيشباخ، أن تهاون أولياء الأمور في هذا الموضوع والسماح للأطفال في سن مبكرة باستخدام الأجهزة الذكية له عواقب وخيمة تؤثر سلبا على نمو الأطفال.

ولفت فيشباخ إلى أنه كلما تم إبعاد الأطفال عن استخدام الهواتف اللوحية كلما كان ذلك أفضل لهم، لذلك يعارض شراء الأجهزة الذكية للأطفال قبل سن الـ11.

ويشتكي فيشباخ من العادات السارية عند الآباء والأمهات بأن يتركوا أجهزتهم الخلوية في أيدي أطفالهم بقصد الإلهاء وإسكاتهم عن إحداث الضوضاء والبكاء، ويحذر هنا من حالات تمرد الأطفال على أوليائهم في حال منعهم من استخدام هذه الأجهزة، لذلك تنصح رابطة أطباء الأطفال الألمان بتحديد الوقت اليومي للطفل على الأجهزة اللوحية، وأن يقوم الأهالي بتعليم الطفل في هذه المدة كيفية استخدام الهاتف المحمول للحصول على أقصى فائدة ممكنة، لأن المنع البات من هذه الأجهزة قد يكون له أيضا عواقب نفسية وخيمة على الطفل؛ من شعوره بالنقص تجاه باقي الأطفال أو إبعاده عن التواصل مع أصدقائه.

ونبه المختصون إلى أن الآباء والأمهات سيواجهون صعوبات بالغة في تعديل وتغيير السلوكيات التي اكتسبها الأبناء في فترة العزل المنزلي، نظرا إلى أن هذه الإجازة الإجبارية المطولة لم يتم التخطيط لها وإنما جاءت بصفة فجئية وأربكت روتين الأسر، وأفقدتهم السيطرة على الكثير من الأمور ومن بينها السيطرة على وقت ولوج الأطفال إلى الإنترنت والألعاب الإلكترونية.

21