استخدمه وإلا فقدته

بالرغم من الصعوبات التي قد تواجهنا ونحن في سن الثلاثين أو الخمسين أو حتى التسعين، تظل أدمغتنا تعمل إذا عرفنا كيف نستخدمها بشكل جيد، وقد نتمكن من تعلم وإتقان العديد من المهارات الجديدة، مهما تقدمنا في العمر.
الجمعة 2019/08/16
المداومة على المطالعة تقلل التوتر وتعزز وظائف الدماغ المعرفية

يتبنّى الناس في معظم مجتمعاتنا العربية فكرة راسخة عن العمر الذي يجب أن يبدأ فيه أي فرد التعلّمَ والسنّ التي ينبغي أن يتوقف فيها عن طلب العلم، رغم أن هناك الكثير من المسنين في العالم استطاعوا أن يثبتوا العكس بتحدي عائق السن، وإعادة البريق للمقولة المأثورة “اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد”.

وتحمل أحدث الدراسات في علم النفس وعلم الأعصاب الكثير من التفاؤل بشأن الإنجازات الرائعة التي يمكن تحقيقها في مراحل متقدمة من العمر. فبالرغم من الصعوبات التي قد تواجهنا ونحن في سن الثلاثين أو الخمسين أو حتى التسعين، تظل أدمغتنا تعمل إذا عرفنا كيف نستخدمها بشكل جيد، وقد نتمكن من تعلم وإتقان العديد من المهارات الجديدة، مهما تقدمنا في العمر.

لو ألقينا -على سبيل المثال- نظرة على الجامعات وقطاع التعليم العالي في البلدان الغربية خصوصا، فسنرى أساتذة يستمرون في إلقاء المحاضرات بكفاءة وهم في العقد السابع من العمر.

وتزخر البحوث العلمية حاليا بدراسات أجريت على حالات لكبار السن تمكنوا من تحقيق نجاحات باهرة في اختبارات قوة الذاكرة، من بينهم رجل سبعيني تمكن من حفظ نحو 10 آلاف و565 بيتا من الشعر، وهي الأبيات التي تشكل كتاب “الفردوس المفقود” للشاعر الإنكليزي جون ميلتون.

وهناك العشرات من العلماء الذين توجوا بجائزة نوبل تراوحت أعمار معظمهم بين 65 و72 عاما، مثل هؤلاء العلماء المتقدمين في السن لم يشتكوا أبدا من أداء عقلي سيء، رغم أنه من الصحيح أن بعض القدرات العقلية قد تتراجع كلما هرم المرء. لكن ما يعرف بـ”الذكاء الراسخ” -أي المعرفة والمهارات التي تتراكم عبر السنين- يستمر في النضج بصورة جيدة في مراحل متقدمة من الحياة، غير أن ذلك يتعلق بمدى قدرة المرء على تطوير معارفه وتحسين عمل دماغه، عبر السير على درب التعلم وقراءة الكتب.

لعل هذه الأدلة تبرهن على فكرة أن فرص تعلم المهارات الجديدة لا ترتبط بأوان معين، وبشكل عام تمنحنا كل مرحلة عمرية ميزة معينة تهيئنا لمعرفة الكثير من الأشياء الجديدة، وخصوصا بعد أن فتح التطور التكنولوجي والعولمة آفاقا أوسع وسبلا أسهل للوصول إلى المعلومات، ومن شأن ذلك أن يسهل عملية اكتساب مهارات وتجارب جديدة في مجالات مختلفة.

يتساءل بعض الناس أحيانا عن الفائدة التي ستعود عليهم من قراءة الكتب؛ كأن يقول أحدهم مثلا “هل سأجني أموالا؟”، لكنهم لا يدركون أن الفائدة الكبرى التي سيجنونها لا تقدر بثمن.

وأثبتت الدراسات العلمية أن المداومة على المطالعة تقلل التوتر وتعزز وظائف الدماغ المعرفية، وتزيد قدرتك على التعاطف مع الآخرين، هذا بالإضافة إلى اكتساب معلومات غزيرة في ثنايا الكتب.

هنالك مقولة شهيرة للكاتب الأميركي من أصل نمساوي بيتر دراكر تفيد بأن “الثقافة تأكل الاستراتيجية على الإفطار”؛ ويقصد بذلك أن أي تخطيط في الحياة يصبح بلا قيمة إذا لم نمتلك القدرات المعرفية والثقافية لتنفيذ ما نطمح إليه.

المعضلة الكبرى بالنسبة إلى معظم الشباب العرب الحاصلين على شهادات عليا من العاطلين عن العمل، تكمن في أنهم لا يحملون نظرة متفائلة بشأن قدرتهم على تعلم مهارات جديدة، وهذا الأمر يعيقهم عن استكشاف مجالات جديدة أو خوض تجارب قيّمة يمكن استقاؤها من مطالعة الكتب وقد تسهم أيضا -خلال فترات محدودة من الزمن- في اكتسابهم مهارات رائعة وتجارب اجتماعية وثقافية قادرة على أن تفتح لهم أبوابا أرحب في سوق الشغل.

21