"استدانة الحب" رواية فرنسية تستعيد دانتي شاعرا وعاشقا

الثلاثاء 2014/03/11
صوفي خان تقرأ مقاطع من كتابها في حفل توقيعه

الدار البيضاء - رواية “استدانة الحب” لصوفي خان، الصادرة عن دار “لاريمير ليبر” الفرنسية، هي رواية متأججة وصعبة الإرضاء، تذكرنا بأن هذا النوع الأدبي هو أيضا تجسيد للحرية. تقول الناقدة سيسيل بيلران: “أحب هؤلاء الأدباء الذين يحسنون هكذا استغلال تلك الحرية، قد يكون عملهم نوعا ما جنونا أدبيا لكنه أفضل جواب عن الدراسة التسويقية وعن عمليات المسح المفرطة التي تنتشر في عالم الأدب كالطاعون، منذ زهاء قرنين من الزمن”.

رواية صوفي خان، هي عبارة عن كتاب في التحولات والمتغيرات، حيث يبدو النثر والشعر وكأنهما في حوار مستمر وخلاق ومبدع وغرامي. بنية المؤلَّف كلوحة جدارية، ليست مستوحاة من الخيال بل على شاكلة لوحات النهضة بطبقات متوالية. كل طبقة تمثل عنصرا حكواتيا وخيطا من التاريخ.

الشاعر والحب


علاقة الأدب بالفن التشكيلي، الحسية، الحساسة، تجد أيضا مبررا لها في الغلاف، لا يتعلق الأمر هنا بصورة الغلاف بل بشكل من أشكال المصاحبة، يحث القارئ على سماع رنين الإبداع الأدبي. الغلاف هو استنساخ للعمل الفني لـ”باسكالين بورا” بعنوان “حرف صغير” المنجز بورق الحرير وعجائن تلوين جافة، إنها تذكرنا بتسفير وتجليد الكتب القديمة. زمن العمل الجميل، المتقن والغاية في العناية. لكنه أيضا الزمن الذي يمرّ على القرطاس، وأيضا على الإنسانية. اكتشفت صوفي خان أعمال باسكالين بورا بمحض الصدفة بعدما كان النص الأدبي الذي ألَّفته قد اكتمل، فشاءت بكل بساطة أن تجعل من أحد تلك الأعمال غلافا لمؤلفها. ألا يبدو هذا تماما كصدى للعلاقة بين دانتي (Dante) وجيوطو (Giotto )؟ تدور الرواية بالفعل حول شخصية دانتي: إنها تجسد في نفس الآن الشاعر والحب، إنها تجسد البحث عن الجمال، ذلك القاسم المشترك لكل الفنون. بحث أفلاطوني.

بنية الرواية كلوحة جدارية، ليست مستوحاة من الخيال بل على شاكلة لوحات النهضة بطبقات متوالية

لكنه بحث مضن وشاق كما تحكي صوفي خان، لأنه حسب قولها، فلا المنطق ولا الرب يُعينانك أو ينصفانك. بحث يعيد النظر في كل شيء، وهو مليء بالشراك والمكائد: نحن بصدد معراج لكننا نرتفع ونسمو. في خضم تلك المعاناة التي يتمّ التعبير عنها بتوالي الصفحات، فيض الغيظ الغرامي والوجداني تصاحبه دائما حرارة الرغبة رغم كل شيء، في بلوغ الاكتمال.

برودة الخلود

دانتي ليس وحيدا، في “استدانة الحب” بطبيعة الحال، هناك بياتريس، آلهة الفن، “استعارة ولا أجمل”، لكنها باردة شيئا ما، تكاد تكون لا واقعية بشكل مفرط. هناك أيضا أنطونيا، ابنة الشاعر، التي تعيش في دير تحت اسم بياتريكس، اسم مكتسِح. أنطونيا/بياتريكس هذه، تثير المشاعر بتلاشي شعورها وأحاسيسها المنهكة، في علاقتها بأبيها التي ستشكل جزءا كبيرا من مصيرها، بليونة ولطافة أحلامها الغرامية. جميلة تلك المقاربة التي تسوّغها الكاتبة مع أديل هوغو. تذكرنا صوفي خان بتلك اللقطة من فيلم ترفو حين سُئلت أديل هـ. عن اسمها فـ”رسمت بطرف سبابتها المتعرقة حروف اسمها العائلي على مساحة عاكسة…”. شابتان فاتنتان، لأنهما مغمورتان تحت الصورة الأبوية، المحبوبة. لا وجود لحب سهل. شابتان فاتنتان تسمحان، كما تكتب المؤلفة، لـ”المخيلة أن تدور”.

هذه الرواية مسكونة أيضا بـ”جيوطو”، وكأنه “دانتي” بالرسم الجداري. إليه يرجع الفضل في تشكيل الصورة المفعمة بالحياة لـ”دانتي”، حيث تهمز النعومة ولكن أيضا الحزن، بعيدا عن الواقعية الباردة للصورة المرسومة التي أنجزها بوتيشيللي بعد وفاة دانتي بمدة. في اللوحة الأولى توجد الحياة حتى في ما لم يكتمل، وحتى في ما غابت عنه الدقة والإتقان، أما في الأخرى فبرودة الخلود تماما كـ”البانثيون”(مدفن العظماء).

نحن بصدد معراج لكننا نرتفع ونسمو. فيض تصاحبه دائما حرارة الرغبة رغم كل شيء

لوحة دانتي

امرأتان أخريان تحيطان بالشاعر: مارغريت بوريت، زاهدة صادفها بباريس، وفرانسيسكا داريميني. نتتبع لحظات من حياة تلك الشخصيات، لكن أيضا لحظات من الذاكرة توقظ الضمير، لأرواح تخيلتها صوفي خان حيث تنمّ أهداب خيوط اللغز عن أنها انعكاسات لما يوجه الكاتبة بشكل عميق. مارغريت بوريت تمّ الحكم عليها بالحرق حية. سابقة لعصرها أكثر من اللزوم، ملتهبة أكثر من اللزوم في كتابها مرآة الأرواح البسيطة. “اقرؤوا لها، انتشوا بالثمالة معها! وستفهمون إذن أن الحب لا يخضع إلا لنفسه ولا لشيء آخر، ولا للأخلاق، ولا للعقيدة، ولا حتى للرب. أحِبوها: اجعلوا من أنفسكم امرأة مثلها! وإن كنتم كذلك، أثبتوا ذلك!” شتيمة وعار بالقرن الرابع عشر، شيء بديهي بعد مرور عدة قرون، لكن هذا الشيء البديهي يتطلب قوة بطولية ليكون صادقا مع نزواته.

تقول الناقدة سيسيل بيلران عن النهضة:” هي كلمة راودتني مرات عدة وأنا أقرأ “استدانة الحب”، حتى لو كانت هذه النهضة تأخذ أحيانا شكل عذاب سيزيف لكن من دون يأس أبدا”.

في عهد تتحدث الكثير من الروايات عن سوداوية العالم، علاقة الأزواج، في عهد يتم فيه تشكيل الإبداع حسب مقاس الطلب بشكل كبير، حيث تفتقد الجملة لأيّ لحن، استدانة الحب بهذا العنوان الذي يرن كرواية لطيفة، تحملنا إلى مكان آخر، تُسائل مبدعي الأمس البعيد ولكن أيضا القريبين منا بشكل كبير. نحن لسنا في المـــاضي، لكـن في حاضر آخر.

14