استدعاء آليات علم النفس في صوغ استراتيجية مضادة للإرهاب

مجالات محاربة الإرهاب استدعت مؤخرا العلوم الاجتماعية لفهم الظاهرة الإرهابية ومحاولة تفكيك بناها العميقة. في هذا الباب يقدم علم النفس عموما، وعلم نفس الإرهاب على وجه التحديد، مدخلا مفيدا وعميقا يساعد على تفكيك الظاهرة الإرهابية والتصدي لها، إذ يُمكّن علم النفس من الكشف عن السلوكيات البشرية العنيفة وكيفيات اشتغالها، ويمكن له أيضا أن يتمثل صلة تلك الأفعال بالجوانب الدينية والسياسية للتوصل إلى تحديد الجذور النفسية للإرهاب والعوامل الاجتماعية المؤدية له.
الأربعاء 2017/07/12
فهم الشخصية الإرهابية كفيل بالمساعدة في التصدي للظاهرة

يُعرف التحليل التبادلي بنظرية الفعل الاجتماعي ويستند إلى تحليل صيغ التواصل التي يقيمها الفرد مع الآخرين (الغير)، أي التبادل المتكرر الذي يركن إلى الحالات الداخلية للأفراد. ويُمثِل مقاربة تداولية للسلوك والبنيان النفسي من خلال تحليل العلاقات الاجتماعية. وبالنتيجة، يمكن استخدام الطريقة كشبكة قراءة لإضفاء الانسجام على الصلات بين الفرد ومحيطه، وتحقيق إعادة توازن للعلاقات الإنسانية، وذلك بإثارة حس المسؤولية عند الفرد ضمن بيئته، وبتغيير سلوكه إزاء الآخرين.

لا شيء يمنع من استخدام طريقة التحليل التبادلي، لصوغ استراتيجية نفسية مضادة للإرهاب، ومحاولة إقناع الإرهابيين بتغيير طريقة “التواصل”، أي طريقة الضغط للحصول على “الاعتراف” الذي يبحثون عنه بشدة. ويضيء التحليل التبادلي لنا وجوه تواصلنا، مما يتيح تحديد ومعالجة مشاكل التواصل، في “الأنا” المتكلمة و“الأنا” المستمعة.

“سيناريو الحياة النفسية” هو مخطط غير واع يُشبه المسرحيات ويستند إلى قرارات اتخذت أثناء الطفولة من أجل البقاء والرد على الحاجات المباشرة من الحب والأمن والحماية، ويتعزز هذا المخطط من الأهل وتبرره الحوادث لاحقا، ويصل إلى نهاية متوقعة ومختارة.

الطفل الذي أصبح راشدا يُتابع حياته على نحو غير واع، وفقاً لهذه القرارات، حتى ولو كانت مُضِرة وتعوق تطوره وتفتحه. فعلى سبيل المثال كل شخص يُقرر منذ نعومة أظفاره طريقته في العيش (مُغامر، أو أم عزباء، أو رب عائلة، أو راهب، إلخ.)، وطريقة موته (في سريره، أو في حادث إطلاق نار، إلخ.). وهذا المخطط الشخصي للمستقبل، حتى ولو لم يجر غالبا كما هو متوقع، يمكن أن يشكل “سيناريو حياة” للفرد. وغاية العلاج بالتحليل التبادلي هو شفاء “سيناريو الحياة” (الذي يقوم على الأدوار المتعاقبة ومحاولة قلبها وأدائها، أي: مضطهِد، منقذ، ضحية متمردة أو خاضعة) وترجيح الاستقلالية التي تعني استخدام الشخص لقدراته من الوعي والعفوية والحميمية. والشخص المستقل يتحكم بتجربة عيشه ويقبل بتحمل مسؤوليتها، ويُقرِّر حسب معاييره الشخصية وليس من أجل التكيّف مع معايير الآخرين، وكلما كان الشخص حرا في “سيناريو” حياته، أصبح مستقلا.

الإرهاب من جهة، وقمعه من جهة أخرى، يعطي طرفي الصراع تبريرات شرعية للاستمرار والتصرف في كل مرة ومع المزيد من العنف

يستخدم الإرهابي عنف الطفل المتمرد الذي فيه، كي يُمرِّر رسالة إلى السلطات، حيث يماهيها مع هيئة الأهل. وفي تحديها وإنشائه مجتمعا سريا مضادا بقيم مختلفة، فإن الإرهابي ومن خلال فعله وتعقب السلطة له، والرد عليها مجددا، يصل إلى فتح قناة تفاوض معها، في حين أن السلطة تتحاشى مثل هذه المفاوضات، لكنها ولأسباب عملية ولصالحها (أو لعجزها) تجد نفسها تفاوض الإرهابيين بعد وقت طويل في محاربتهم من دون جدوى. والإرهابي يرى في السلطة صورة الأهل المُضطهِدين: النمط السلطوي، المسيطر، الناقد، والذي يُصدِر أحكاما قيمية، ويُحدِد قواعد السلوك، ويُملي المبادئ، ويُمثِل على نحو عام الآداب والأخلاق الاجتماعية.

يقيم الإرهابي مع السلطات علاقة تبادلية مكملة، نمط الطفل المتمرد/ الأهل المُضطهِدين. وعلى هذا النحو، يبحث الطفل المتمرد عن كيفية زعزعة السلطة، وضرب صدقية وشرعية “الأهل” المضطهِدين، وذلك أمام عيون تلك الفئة من الناس الذين اختاروهم ممثلين لهم، وذلك بإظهار عجزهم عن تأمين الأمن لهم ولبلادهم.

إن التبادلات المكملة الخاصة بالطفيلية (العيش على حساب الآخرين)، والهادفة إلى جلب الانتباه إلى “علامات الاعتراف”، تجد مكانها في سياق الإرهاب، في صلة المنظمات الإرهابية بالإعلام. إذ يستغلون قنوات البث التلفزيونية والفضائيات، كي يضاعفوا من وقع أعمالهم الإرهابية ونشر الرعب والذعر بين السكان، وتستفيد القنوات الإعلامية بدورها من تناول هذه الحوادث وتداعياتها لزيادة عدد مشاهديها. وهذا النمط من الصلة يمكن أيضا أن يقوم مع سلطات الدولة. فالإرهاب من جهة، وقمعه من جهة أخرى، يعطي طرفي الصراع تبريرات شرعية للاستمرار والتصرف في كل مرة ومع المزيد من العنف، وذلك في حلقة مفرغة من الفعل وردود الفعل التدريجية.

يعيش الناشطون وفي أذهانهم، عموما ودوما، فكرة كونهم “ضحايا” وبهم توق إلى الانتقام، ويحمل الإرهابي رغبة في مغادرة هذا الدور والتحول إلى ضحية تنقذ نفسها بنفسها، وبالتالي الجماعة الممثلة لها. وحين ينفذ الإرهابي عمله الدموي يصبح مُضطهدا من خلال عشرات الضحايا الذين يعاقبهم، ويُرعِب بقية السكان، ويُحرِج السلطات والدولة في الوقت نفسه.

واستنادا إلى التشخيص النفسي للإرهابي من خلال التحليل التبادلي، يمكن اقتراح استراتيجية مكملة لمكافحة الإرهاب، بغية الحد من حدوث الأعمال الإرهابية وإمكان معاودتها.

المجتمع المدني أن يبادر إلى تصحيح العلاقة التبادلية، المتقاطعة بين الأهل والطفل التي يقيمها الإرهابيون، برد العلاقة إلى حالة راشدين مع راشدين، وبوضع حد لـ"طفيلية" التبادلات

كما يجب بيان أن المسلمين لم يكونوا يوما موحدين، بل منقسمون في مجرى التاريخ، وعلى غرار المجتمعات الدينية إلى مذاهب. ويجب إبراز الفارق، أمام عيون الناشطين الإسلاميين، بين الأمس واليوم ببيئته الاجتماعية والسياسية، وجعل الشباب المسلم يُدرِك أن القتل والموت في سبيل أيديولوجيا دينية، لا أساس تاريخيا لها، ليس عملا بطوليا، ولكنه وهم أشخاص غير مُدرِكين للوقائع التاريخية الفعلية، وهم منفصلون تماما عن الواقع (سلب الدافع)، وأن زعماء هذه المنظمات ليسوا مؤهلين فكرياً لقيادتهم (نزع الشرعية عن الزعماء) أو قيادة المشروع الجهادي.

هذا الهجوم النفسي المضاد في التواصل، طريقة تقليدية في محاربة الإرهاب، مُستخدمة على نطاق واسع، ويعود إلى المؤرخين نفض الغبار عن الماضي الحدثي لخدمة الحاضر، والتخفيف من غلو الاعتقادات المتشددة. والمسألة تتعلق بتطبيق هذه الطريقة التقليدية، بالتفكير في كيفية التواصل مع الإرهابيين.

التعديل في التبادلات ووقف “الطفيلية”: الإرهابيون ينسجون مع السلطات الدولية علاقة تبادلية مُكمِّلة للطفل المتمرد مع الأهل المُضطهَدين، ويستخدمون التفجيرات الإرهابية وسيلة لإجبار الأهل على الدخول في اتصال معهم من خلال علامات اعتراف سلبية. وعليه، يجب على السلطات الوعي بهذا الأمر، وأخذ التدابير الكفيلة بقطع تكاملية هذه الصلة التبادلية، بالتعامل مع الإرهابيين لا كأهل ضد الأولاد، ولكن كراشدين يتوجهون إلى راشدين، وهذا يزيل ما يمكن عده سلطوية هيئة الأبوين. وكتدبير ملموس، يفترض عدم إيلاء أعمال الإرهابيين أهمية على المستوى الإعلامي، ويجب الطلب من المحطات التلفزيونية عدم إعادة بث شريط العمل الإرهابي المرتكب. والهدف هو وضع حد لـ“طفيلية” التبادلات، بحرمان الإرهابيين من الصدى الإعلامي وزرع الرعب، ويجب أن يفهموا، إلى جانب قمعهم، أن اعتماد الإرهاب ليس وسيلة لبلوغ المطالب.

وعلى المجتمع المدني أن يبادر إلى تصحيح العلاقة التبادلية، المتقاطعة بين الأهل والطفل التي يقيمها الإرهابيون، برد العلاقة إلى حالة راشدين مع راشدين، وبوضع حد لـ“طفيلية” التبادلات. ويجب على الإرهابيين أن يدركوا أنهم لا يُمثلون الجماعة ولا يُدافعون عن مصالحها، ففي دولة القانون، وحدها اللعبة السياسية الشرعية وتصويت المواطنين، يمكن أن يُحدِث تغييرا سياسيا.

يجب إنجاز حملات اتصال وتوعية مخصوصة على شكل مؤتمرات صحافية، وندوات تلفزيونية وإذاعية، ومداخلات في وسائل التواصل الاجتماعي، ولوحات الإعلانات، والرسائل القصيرة على الهواتف المحمولة. ويجب الاستفادة من كل المناسبات الرياضية والاجتماعية، بحيث يغزو المجتمع المدني بنفسه وسائل الاتصال، بهدف القدح في ادعاءات الإرهابيين النطق باسمه. كما أن على السكان التزود بوسائل الحماية وجمع المعلومات، مثل وضع كاميرات المراقبة في الأماكن الأكثر تعرضا وفي المجمعات السكنية.

تغيير الثقافة مشروع طويل الأمد، يضع في الاعتبار المحيط الاجتماعي والثقافي للمنظمة الإرهابية والذهنية الجمعية المؤطرة لها، ويشدد على المساهمة غير المباشرة لهذا المحيط في تشكيل شخصية الإرهابي وعنف فعله. ويتعلق هذا الجانب خصوصا بوسائل الاتصال، وبالأوساط التربوية والأكاديمية المنكبة على الترويج للثقافات الجماعاتية من خلال إدارتهم التصورات الفردية والجمعية.

خلاصة بحث عثمان “الإدارة النفسية لمحاربة الإرهاب”، ضمن الكتاب 125 (مايو 2017) “علم نفس الإرهاب الأفراد والجماعات الإرهابية” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

13