استذكار محمد فاضل الجمالي في زمن سياسي عراقي رث

الأحد 2013/08/18
سياسي مبدع

هل تبدو العودة إلى سيرة السياسي العراقي محمد فاضل الجمالي متأخرة، أو غير جديرة بالوفاء اليوم، بعد سنوات طويلة على اغترابه عن وطنه والعيش في تونس، وبعد 15 عاما من رحيله حيث أطلقت الحكومة التونسية اسمه على أحد شوارع تونس حيث مات ودفن هناك.

لا يبدو الأمر كذلك حين نتأمل واقع الأمم المتحدة اليوم والجدل المتصاعد على ميثاقه والمطالب بتعديله، فيما الجمالي كان الشخصية العربية الوحيدة التي أسهمت بالتوقيع على هذا الميثاق.

الجمالي الذي غادر الصخب السياسي وبقي يتأمل تاريخه من على ضفاف المتوسط حيث عاش أكثر من نصف عمره ضيفا على البلاد التونسية.

ولكي لا يبدو التاريخ كمن أغمض عينه عن شخصيات عراقية مخلصة لوطنيتها في زمن سياسي عراقي رث صعد إليه "أميو السياسة" و"رجال دين"، تبدو الحاجة ملحة لاستذكار أسماء مثل الجمالي اليوم.

شدّني، وأيضا الكثير من المؤرخين في العراق، اعتذار المرحوم الدكتور محمد فاضل الجمالي عندما تلقى في عام 1995 دعوة من عمدة نيويورك لحضور الحفل الذي أقيم بمناسبة مرور "50" سنة على توقيع ميثاق الأمم المتحدة حيث كان الجمالي ربما من القلائل من بقي على قيد الحياة وممن أسهم في التوقيع على الميثاق في عام 1945، إذ كان يعمل في وزارة الخارجية العراقية في تلك الفترة.

الدكتور محمد فاضل الجمالي رفض حضور الاحتفال على الرغم أن مثل هذه الدعوة يحلم بها أي سياسي أو دبلوماسي في العالم. وكتب رسالة مبررا اعتذاره عن المشاركة في ظل السياسة الأميركية التي فرضت حصارا قاسيا على الشعب العراقي في عقد التسعينات من القرن العشرين بسبب سياسات النظام السابق الكارثية، وكان هذا موقفاً عُـّد وطنياً وعروبياً في رفض السياسة الغربية تجاه العرب.

يعدّ الدكتور محمد فاضل الجمالي واحدا من أبرز رجال العهد الملكي في العراق للفترة بين "1921-1958" في مجالات السياسة والدبلوماسية والتربية والتعليم في العراق، وهو بذلك يستحق الكتابة عنه برؤية موضوعية غير منحازة بالاستناد إلى المراجع التاريخية.


ابن الكاظمية المعتدل


ولد الجمالي في بغداد بمدينة الكاظمية عام 1903، وتوفي في 24 مايو 1997 في تونس، وقد نشأ في بيئة دينية يغلب عليها الالتزام والمحافظة. درس الجمالي في مدرسة الإمام الخالصي ثم أكمل دراسته إلى أن عيّن معلما في الكاظمية ثم أرسل في بعثة إلى الجامعة الأميركية في بيروت حيث عرف باعتداله الفكري والأيديولوجي وتفوقه العلمي أثناء دراسته.

لم يكن للجمالي في هذه الفترة صلة بالسياسة، حيث ذهب في البعثة الأولى 1921-1922، بعد أن كان الأول في المدرسة في دار المعلمين الابتدائية، إذ سافر من بغداد في عام 1921، وعاد إليها في عام 1927، ثم غادرها مرة أخرى في عام 1929 وعاد إليها عام 1932.

حصل الجمالي على شهادة البكلوريوس في التربية من الجامعة الأميركية في بيروت ونال شهادة الدكتوراه في التربية من جامعة كولومبيا وكتب أطروحته للدكتوراه بعنوان "معالجة مشاكل التعليم لأبناء الريف والعشائر في العراق"، وعين مدرساً بعد عودته في دار المعلمين العالية، وتدرج إلى إن حصل على المرتبة العلمية الأستاذ، وأصبح مديرا عاماً للمعارف، ورئيساً لجهاز للمفتش العام.

وأخيرا اختير عضواً في المجمع العلمي العراقي في عام 1949، وأصبح وزيراً في وزارة أرشد العمري في حزيران1946 واختير وزيراً للخارجية، وأصبح وزيراً سبع مرات بين 1946/1952، ورئيساً للوزراء بين 1953/1954، ورئيساً لمجلس النواب في عام 1952 مرتين، وممثلاً للعراق في هيئة الأمم المتحدة عام 1945.


مساهمات في التربية والتعليم


أسهم الجمالي في تطور التعليم الوطني الحديث في العراق حيث دفع الحكومة العراقية لاستقدام "لجنة دابول مونرو" من جامعة كولومبيا الأميركية بهدف دراسة واقع التعليم في العراق، والتي ضعت تقريراً مهماً عن توجهات الولايات المتحدة تجاه التعليم في العراق على الرغم من انتقادات ساطع الحصري مدير المعارف العام آنذاك لهذا تقرير. لكن توصيات اللجنة وضعت موضع التنفيذ وانعقد المؤتمر الأول ببغداد بين 9-15 أبريل 1932 لإعادة النظر في مجمل النظام التعليمي في البلاد، ثم تأسست " كلية بغداد" في 30 حزيران 1932، ثم "جامعة الحكمة" واللتان كانتا تداران من لدن الأميركان. لكن التوجه القومي الذي برز في الثلاثينيات من القرن الماضي واستمر حتى قيام ثورة 14 يوليو 1958 أدى في النهاية إلى تغيير في الواقع التعليمي في العراق بعيدا عن التوجهات الأميركية والغربية.

عرف عن الجمالي انتماؤه الوطني واتجاهه العربي القومي إذ دعا إلى استقلال الدول العربية وخاصة دول المغرب العربي أثناء مشاركاته في المحافل الدولية والدبلوماسية، وشارك في مؤتمرات دولية ودبلوماسية عدة في هذا الاتجاه.

حكم عليه بالإعدام بعد أحداث ثورة 14 يوليو 1958، ثم عُفي عنه وسافر إلى تونس ليعمل أستاذاً في جامعة تونس الأولى ويقيم مع زوجته الكندية الأصل. وقد توفي الجمالي في عام 1997 عن عمر يناهز 97 سنة حفلت بالإنجازات والعطاء السياسي والدبلوماسي والتربوي وأنجز خلالها العديد من المؤلفات القيمة.


مؤلفات بين السياسة والتعليم


ترك الدكتور الجمالي العديد من المؤلفات في السياسة والتربية والتعليم خاصة في العراق والبلاد العربية، منها "دعوة العراق للاتحاد العربي" و"دعوة إلى الإسلام" و"العراق بين الأمس واليوم" و"وجهة التربية والتعليم في العالم العربي وخاصة العراق" و"ذكريات وعبر عن العدوان الصهيوني وأثره في العراق العربي"، و"مذكرة العراق عن قضية فلسطين"، و"التربية لأجل حضارة متبدلة- مترجمة" و"آفاق التربية الحديثة في البلاد النامية" و"الأمة العربية الى أين؟" و"فلتشرق الشمس من جديد على الأمة العربية" و"دروس في تفوق اليابان في حقل التربية والتعليم" و"دور التربية والتعليم في تعريف الإنسان بحقوقه وواجباته" كانت ولازالت مكانتها العلمية والتربوية والسياسية في الكتابات التاريخية والسياسية في العراق.


نمط مختلف من السياسيين


تدرج الجمالي في العمل السياسي والدبلوماسي بحيث أصبح من إعلام السياسة في العراق والبلاد العربية لاسيما أن له خبرات وصلت إلى "80" عاماً في الحياة العامة. وكان يمثل نمطا مختلفا من السياسيين لأنه دعا الى الإصلاح السياسي والاقتصادي والدعوة لتغيير الرؤى المتطرفة المحافظة. لكنه كان يتقاطع مع رئيس الوزراء نوري السعيد الذي ترك بصماته على السياسة العراقية في العهد الملكي، وربما كان هذا أحد الأسباب فضلا عن توجهات الجمالي القريبة من التجربة الأميركية في حين أن نوري السعيد كان رجلا محسوبا على السياسة البريطانية في العراق والشرق الأوسط.

وكانت مواقف الدكتور الجمالي تتقاطع أحيانا مع موقف السياسة العراقية لاسيما في حرب العرب وإسرائيل عام 1948، ثم العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، ودعمه لحركات التحرير العربية وغير العربية ضد الاحتلال الأجنبي، ومواقفه في جلسات هيئة الأمم المتحدة والجمعية العامة لها، ودعمه دول المغرب العربي "المغرب وتونس خاصة" من أجل نيل استقلالها.

واجه الجمالي أزمة بعد ثورة 14 يوليو 1958، والحكم عليه بالإعدام ثم العفو عنه حيث عاد للعراق عام 1961 متوجهاً إلى سويسرا.

لكن الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة، طلب إليه الانتقال إلى تونس وظل يعمل في الجامعة التونسية سنوات طويلة، وأطلقت الحكومة التونسية اسمه على أحد شوارع تونس حيث مات ودفن هناك.

كان الجمالي في دفاعه عن حق تونس في نيل الاستقلال وجلاء القوات الفرنسية عنها لم ينس الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة ذلك، وعندما اعتقل الزعيم عبد الكريم قاسم الدكتور الجمالي وتمت إحالته لمحكمة فاضل المهداوي "محكمة الشعب" بذلت الحكومة التونسية جهوداً كبيرة وتوسطت لدى الزعيم قاسم لإطلاق سراحه واستضافته في تونس ونجحت في ذلك.


رئيس الحكومة في الخمسينات


أسندت رئاسة الحكومة لمحمد فاضل الجمالي في الخمسينات من القرن الماضي، وكان أول سياسي يحمل شهادة الدكتوراه يتولى رئاسة الحكومة العراقية، وقد حرص على تقديم نخب من الجامعيين والمثقفين للمناصب العليا في الحكومة الجديدة، وهذا انعكس على مواقف أخرى محافظة خاصة من أعضاء مجلس النواب ورجال العشائر والريف في المجلس، أو ممن تعلموا في العهد العثماني تعليماً محافظاً تقليدياً وصفوا فيها وزارات الجمالي بأنهــــا ليبرالية وغربيــة الاتجاه وعدوا معارضين له.

يعد الدكتور محمد فاضل الجمالي من أبرز أعلام السياسة والتربية في العراق المعاصر وهو من الموقعين على ميثاق الأمم المتحدة في عام 1945، وعمل ممثلاً للعراق في الأمم المتحدة والسياسة الخارجية العراقية، وعضوا في مجلس الأعيــان ومجلــس النواب، ورئيساً للوزراء، تم اعتقاله ومحاكمته بعد عام 1958، إلى أن أمر الزعيم عبد الكريم قاسم في الذكرى الثالثة للثــــورة عام 1961 بإطلاق سراح الجمالي ومعــــه سياسيون آخرون إذ غادر العراق بلا رجعة إلى سويسرا ولم يعد إليه ثانية، وانصرف للتدريس والمحاضرات في الجامعة التونسية لسنوات طويلة.

لا يختلف اثنان على أن الدكتـــور محمد فاضل الجمالي شخصية مميزة عراقياً وعربياً وعالمياً، خدم بلاده بإخلاص ولم تنته حياته بعد عام 1958 بل استمرت بعدها وكتب عنه في الرسائل الجامعية المستمدة من الوثائق العراقية والبريطانية والمقابلات الشخصية لمعاصرين له من السياسيين العراقيين، وفي الغالب أشادت بإنجازاته ووطنيته وحبه للأمة العربية ودفاعه عن استقلالها ووحدتها على الرغم من تصنيفه ضمن التيار الليبرالي في العراق.

9