استراتيجيات التحالف عند الإخوان.. "أنا وبعدي الطوفان"

الجمعة 2013/08/30
الإخوان عاودا إلى الحضن السلفي بعد إقالة مرسي.. وللتحالف دواع تتغيّر

أعلن حسن البنا في المؤتمر السادس للإخوان عام 1941، إستراتيجيته من خلال غايتين: غاية قريبة يبدو هدفها لأول يوم ينضم فيها الفرد للجماعة، أو تظهر فيه الجماعة في ميدان العمل، وغاية بعيدة لابد فيها من ترقب الفرص وحسن الإعداد وسبق التكوين.

وإذا كانت الغاية القريبة قد حددتها أفكار خطاب الدعوة لاستقطاب أكبر عدد من الأعضاء للجماعة، فإن الغاية البعيدة تبدو ماثلة في الاستيلاء على السلطة، وفي محاولة جاهدة للرد على الانتقادات حول الدعوة التي بدأت دينية وإصلاحية ثم ما لبثت أن أسفرت عن وجهها السياسي الباحث عن السلطة، فإن البنا يعالج الأمر بالتمييز بين ما هو وطني وما هو سياسي على نحو غامض وغريب في آن معا.


التفرقة بين الوطني والسياسي


إذ يقول: «ومن كل هذا الذي تقدم يبدو الفرق الواسع بين الوطني والسياسي، فالوطني يعمل لإصلاح الحكم لا للحكم ولمقاومة المستعمر للحصول على الحرية لا ليرثه في السلطة، ولتركيز منهاج وفكر ودعوة لا لتمجيد شخص أو حزب أو هيئة ولهذا يحرص الإخوان المسلمون على أن يكونوا وطنيين لا سياسيين ولا حزبيين».

وعلى هذا النحو من التفرقة بين الوطني والسياسي يسقط البنا من حسبانه هذا الارتباط بين الوطنية والمشاركة السياسية؛ وكأن الوطنية نقيض العمل السياسي، وعلى المنوال نفسه مع استبدال مصطلح «الوطنية» بمصطلح «الثورة» يتحدث القيادي الإخواني محمد البلتاجي فيقول: «البعض منا يرى أن نقبل بما يتاح لنا من مكاسب، وأقول أن هذا غير صحيح ولو كنا قبلنا بهذا المبدأ ما كنا حققنا رحيل مبارك ولا عمر سليمان ولا أحمد شفيق. ولا كان تحقق لنا حل الحزب الوطني، فكيف نسينا درس الثورة، وكيف تناسينا حديثنا عن احترام الإرادة الشعبية، نحن أصحاب قضية عادلة وهي حقنا في استكمال ثورتنا وفي حماية الثورة من أعدائها».


التنسيق مع «الفلول»


ترتبط المسألة السياسية لدى الإخوان بالمبدأ، وهذا ما يحدده البلتاجي حين يتحدث عن عدالة القضية، واستمرارية الثورة، غير أن هيثم أبو خليل يطالعنا قبل شهور من حديث البلتاجي فيكشف لنا وهو من جبهة المعارضة الإخوانية عن لقاء سري عقدته قيادات من مكتب الإرشاد مع نائب رئيس الجمهورية السابق عمر سليمان.

وقال أبو خليل إن لقاءً سريا سبق مع كل القوى السياسية تحت مسمى الحوار مع المعارضة، وقد أعلن أبو خليل أنه تقدم باستقالته من الجماعة بعد علمه بهذا اللقاء، وقال: «كان الهدف من لقاء سليمان التفاوض لإنهاء المشاركة في الثورة مقابل حزب وجمعية للإخوان».

وبدلا من أن يثور مجلس الشورى العام عليهم فور علمه ويقيل مكتب الإرشاد أقسم أفراده على عدم البوح بهذه المصيبة حسب تعبيره. ويستطرد أبو خليل: «إن من بين أسباب استقالته التي أوضح أنه يكشف عنها للتاريخ، هو تأكده من تفاوض قيادات بالجماعة مع جهاز أمن الدولة في انتخابات مجلس الشعب عام 2005 على نسبة معقولة من التزوير تتيح لأفرادهم النجاح»

بعد ثورة 25 يناير وصل الأمر إلى محاولة تنفيذ استراتيجيات لا ترتبط بوحدة الهدف، كما مع الجماعات الأصولية الأخرى وأحزاب ليبرالية (الوفد) تختلف جذرياً مع الجماعة في الهدف (أو الدولة المدنية الخالصة).

وفي المقابل أثار هذا الأمر حفيظة بعض قيادات حزب «الوفد» رغم تحالفات الوفد مع الإخوان في الانتخابات البرلمانية أعوام 1984- 2005، لكن ترددت شائعات داخل الحزب تقول إن إصرار السيد البدوي رئيس حزب الوفد على التحالف مع الإخوان رغم الاعتراضات الداخلية سببه رغبة البدوي في أن يصبح رئيساً للوزراء حال حصول جماعة الإخوان على أغلبية في البرلمان هذا في حال تطبيق النظام البرلماني.

من الجدير بالذكر، أن الوفد حين فتح أبوابه للإخوان عام 1984 ليخوضوا الانتخابات على برنامج الوفد؛ لكن بمجرد أن أبطل المجلس، في 1987، خرج الإخوان من التحالف لينضموا إلى حزبي العمل والأحرار، وفي 2005 تشكلت الجمعية الوطنية التي ضمت كل الأحزاب السياسية كتحالف انتخابي في مواجهة الحزب الوطني إلا أن الإخوان، على لسان مرشدهم العام السابق مهدي عاكف، أكدوا أنهم عقدوا تحالفا مع الداخلية يمكنهم من الحصول على 150 مقعدا، وبذلك فشل التحالف.

ونعود إلى التحالف بعد 25 يناير بين الإخوان والوفد لنجد أنه سرعان ما انفض ونشرت جريدة الشروق المصرية التفاصيل الكاملة لفض هذا التحالف. وقد أرجعت مصادر قرار البدوي رئيس حزب الوفد إنهاء التنسيق الانتخابي مع أحزاب «التحالف الديمقراطي»، الذي يتزعمه حزب «الحرية والعدالة»، فالوفد «كان قد طرح أن تشارك في قوائم التحالف في الانتخابات بنسبة 35 بالمئة وطرح الحرية والعدالة في المقابل أن يشارك في القوائم بـ35 بالمئة وهو ما يعني أن تقدم باقي أحزاب التحالف مجتمعة (44) حزباً نحو 30 بالمئة من المرشحين موضحة أن الوفد عرض على التحالف ضم عدد من الأحزاب الليبرالية فردت قيادات الحرية والعدالة بأن تشارك تلك الأحزاب الوفد حصته من القوائم الانتخابية الـ35 بالمئة وهو ما رفضه البدوي».


استخدام «الورقة السلفية»


من أجل السلطة تتغير استراتيجيات التحالف عند الإخوان، فمن تحالف أصابه الفشل مع الوفد إلى تحالف مع السلفيين من أجل استخدام كتلتهم التصويتية في الانتخابات مع إدراك أن ثمة حزباً للسلفيين تحت اسم حزب النور، لكن أيقن الإخوان أنهم أمام واقع ثوري متمرد بنكهة ليبرالية منفتحة يحتاج للانفتاح على خزان سياسي جديد واسع يمتلك كتلة تصويتية عريضة كالسلفية.

وتظل العلاقة الأخطر بالنسبة لجماعة الإخوان هي العلاقة مع سلطة النظام القائم فهي علاقة معقدة يكتنفها الغموض؛ وربما يعود ذلك إلى هذا الكم الهائل من المناورات والمقايضات التي تقوم بها الجماعة، خصوصاً في الظروف السياسية الحرجة حتى يصل الأمر في أحيان كثيرة إلى حالة من الارتباك والتضارب في الأقوال والأفعال.

وعندما نستقرئ تاريخ الجماعة، فإنها منذ نشأتها مثلت وجه الصراع مع حزب الوفد أيام الملكية في مصر، فقد كانت الرد الديني الأصولي على الممارسة الليبرالية التي تبناها الوفد عدو الملك والإنكليز في آن؛ ولذا جاء احتفاؤهم بالملك فاروق إلى درجة أن مجلة «الإخوان» نشرت إثر حضور فاروق احتفالات ذكرى الهجرة، «إنه أعاد صورة سالفة، صورة الرسول الكريم حينما طلع على أنصاره طلوع البدر».

كما نشرت «الأهرام» عام 1937، أنه عندما اختلف النحاس مع القصر خرجت جماهير الوفد تهتف «الشعب مع النحاس» فسيّر البنا رجاله يهتفون «الله مع الملك».

بعد ثورة يوليو 1952 حاول الإخوان أن يبسطوا نفوذهم على الثورة، فقد طلب الهضيبي من عبد الناصر بشرط استمرار تأييد الإخوان للثورة أن تعرض عليه قراراتها قبل إصدارها؛ ولكن عبد الناصر رفض هذه الوصاية.

وفي المقابل يصل الحد بالتيار القطبي إلى التمركز حول فكرة «جاهلية المجتمع» وقد استخدم للإشارة إلى النظم السياسية والاجتماعية الحديثة التي لا تلتزم بمبادئ الإسلام المستمدة من كل ما هو إلهي ومطلق، «إن هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض.. نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام'. وهكذا بلغ «قطب» الحد الفاصل في التمييز بين السلطة بوصفها جوهرا والسلطة بوصفها علاقة، فقد قدم نظريتين في السلطة:

الأولى نظرية السلطة في المجتمع الإسلامي تقوم على أساس الحاكمية لله بوصفه مصدراً للسلطات، الثانية: نظرية السلطة في المجتمع الجاهلي ومنه تكون نظرية السلطة علمياً وواقعياً بمثابة اعتداء على سلطان الله وحاكميته، لأنها تقوم على حاكمية البشر.

* خلاصة من بحث ياسر قانصوه الإخوان ونظرية السلطة'، ضمن الكتاب 61 (يناير 2012) 'مصر وإسلاميوها بعد ثورة 25 يناير' الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

13