استراتيجيات الحرب على الإرهاب تفشل في احتواء الإسلام الحركي العالمي

الإرهاب ظاهرة لا يمكن حصرها جغرافيا، فقد أثبتت سلسلة الهجمات الأخيرة في بيروت وباريس ومالي وتونس أن هذه الظاهرة مرتبطة بمفاهيم مشوهة للدين الإسلامي منتشرة في العالم. فقد قتل الإرهاب أكثر من 32600 شخص في السنة الماضية، أي بزيادة بلغت 80 بالمئة مقارنة بسنة 2013 وهو أكبر ارتفاع سنوي على الإطلاق حسب مؤشر الإرهاب العالمي. وقد شهدت الأيام الأخيرة لوحدها هجمات إرهابية جهادية في أماكن بعيدة عن بعضها البعض، لذلك وجب احتواء عالمية الإرهاب.
الجمعة 2015/12/04
فشل السياسات لا تعالجه سياسات فاشلة

حاول صانعو السياسات في الغرب التعامل مع التحدي الجهادي منذ تنفيذ القاعدة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، فتزعمت الولايات المتحدة حلف الناتو في الحرب على أفغانستان، ذلك البلد الذي انبثقت منه تلك الهجمات، ليجدوا أن الإرهابيين الذين سعوا للقضاء عليهم في أفغانستان كانوا قد ظهروا من جديد في بلدان أخرى.

وبعد القضاء على جزء كبير من القاعدة في العراق بفعل العمليات العسكرية الأميركية المتواصلة، تحول ذلك التنظيم إلى ما يسمى الدولة الإسلامية، بالضبط مثلما تحول المجاهدون في أفغانستان (الذين دربهم وسلحهم الغرب لمحاربة الاتحاد السوفييتي في الثمانينات) إلى طالبان. وتقوم الطائرات دون طيار بقتل المعروفين لدى وكالات الاستخبارات الغربية لدورهم في الهجمات الإرهابية السابقة، لكن ليس من السهل توقع الهدف الجديد أو تحديد مرتكبيه المحتملين بدقة.

في سنة 2002 طرح دونالد رامسفيلد، أول وزير دفاع لدى الرئيس جورج بوش، السؤال التالي: هل نحن نأسر أو نقتل أو نردع ونثني كل يوم عددا من الإرهابيين أكبر من العدد الذي تجنده المدارس الدينية وتدربه وتستخدمه ضدنا؟ وبعد أكثر من عقد من الزمن يبدو أن الجواب على السؤال كان بالنفي، وزيادة على ذلك، لا يأتي الإرهابيون من المدارس الإسلامية فقط، بل وكذلك من الناس العاديين من المسلمين الناقمين من كل أنحاء العالم.

الغربيون الباحثون عن حل بسيط وسهل للتهديد الإرهابي تثبط عزمهم المعطيات الديمغرافية، إذ يوجد 1.6 مليار مسلم في العالم ليسوا كلهم إرهابيين، ومن المستحيل على الغرب إعلان الحرب على جميع المسلمين دون تبعات وخيمة، كما أن الحد من السفر من وإلى البلدان الإسلامية أو غلق الهجرة لن يحل مشكل الجهاديين الناشئين في الداخل في أوروبا وأميركا الشمالية.

يبدو أن فقه الجهاد العالمي هو رد الإسلاميين المتطرف أمام تدهور النفوذ الإسلامي وخاصة في القرنين الماضيين. لقد انبثق التيار الإسلامي المعاصر من عدم رضا المسلمين المحافظين دينيا على الحداثة السريعة التي أتت في أعقاب الحكم الاستعماري.

الحرب على الإرهاب تتطلب استقرارا في دول التوتر وحكومات غير طائفية تمكن من تحقيق التجانس وعدم تصدير التطرف

وبينما كافح بعض الزعماء المسلمين من أجل الانعتاق من الاضطهاد الاستعماري عبر تأكيد النزعة القومية، تحدث الإسلاميون عن إحياء عهد الأمجاد الإسلامية التليدة. وتوافق صعود التيار الإسلامي خلال السنوات الأخيرة مع تدهور أو ضعف التيار القومي في الشرق الأوسط، أو نتيجة للرجوع إلى الإسلام لتعزيز الهوية الوطنية في بعض البلدان.

أربع من كل خمس هجمات حصلت في سنة 2014 تمت في واحدة من البلدان التالية: سوريا والعراق ونيجيريا وأفغانستان وباكستان. ومن بين هذه البلدان نجد أن سوريا والعراق يمران بفترة إزالة الضغط بعد عقود من الأنظمة القومية العربية يتزعمها أفراد من أقليات دينية، إذ قمع الدكتاتوريان البعثيان في بغداد ودمشق دين الطائفة ذات الأغلبية في كل بلد مما مهد للصراع الطائفي عندما تعثرت الأنظمة. والآن يقوم داعش باستغلال ذلك الاختلال في التوازن الطائفي للدعاية لفائدة نسخته القروسطية من نظام الخلافة.

يجب أن تتضمن الإستراتيجية الغربية في التعامل مع هذا الجهاد، دون حدود، خطة سياسية خاصة بالبلدان الخمسة التي حصلت فيها أربعة أخماس مجموع الوفايات نتيجة الأعمال الإرهابية في سنة 2014.

وهذا يتطلب استقرار سوريا والعراق تحت حكومتين غير طائفيتين وتضمان الجميع، وجهودا جادة في نيجيريا لتثبيت سلطة الحكومة المركزية في مناطق تقع حاليا تحت سيطرة بوكو حرام، وحملة مماثلة ضد طالبان في أفغانستان.

كما يفترض أن تتضمن هذه الاستراتيجية ضمان تخلي باكستان عن التفرقة بين التنظيمات الإرهابية حيث تساند بعضها بينما تستهدف بعضها الآخر.

وإضافة إلى احتواء الجهاديين في البلدان الخمسة التي ينشطون فيها أكثر من الضروري أيضا فضح زيف نظريات المؤامرة المتوحشة والروايات المشوهة التي تساهم في تجنيد الجهاديين بشكل أسرع من القضاء عليهم، ومن الضروري كذلك بذل جهود فكرية لإظهار خطأ الجهاديين من أجل الحيلولة دون ظهورهم بشكل جديد في مكان آخر بعد أن يتم القضاء عليهم في مكان ما.
13