استراتيجية إيرانية لتصدير التشيع إلى موريتانيا

الجمعة 2015/02/27
المال الإيراني أحد مقومات نشر التشيع في موريتانيا

نواكشوط - دفعت زيارة رجل الدين الشيعي اللبناني محمد قانصو إلى موريتانيا مؤخرا بموضوع التشيع في بلاد شنقيط إلى واجهة الأحداث، ما فتح الباب مجددا لتساؤلات حول دور إيران في هذه الاستراتيجية، وهل أن مسألة توجه فئات من المجتمع الموريتاني نحو التشيع هي أمر لا علاقة له بطهران ورغبتها في تصدير ثورتها ومحاولة تشييع المغرب الإسلامي المعروف بسنيته وأشعريته، أم أن الأمر يدخل ضمن مشروع إيران في بث الفرقة العقدية في غرب أفريقيا بين المسلمين.

التشيع أصبح ظاهرة ملموسة داخل المجتمع الموريتاني رغم أنه بكافة فصائله سني المذهب أشعري العقيدة منذ قرون، وأصبح نشطاء الشيعة يسعون لتنظيم أنفسهم مستفيدين من العلاقات التي تربط إيران مع موريتانيا خلال السنوات الماضية.

ومع أن زيارة قانصو اقتصرت على لقاءات مع بعض مسؤولي أحزاب سياسية صغيرة معروفة بعلاقتها بالنظام السوري، مثل محفوظ ولد أعزيزي، رئيس حزب الوحدوي الديمقراطي، إلا أن إشرافه على تدشين مدرسة قرآنية صغيرة باسم الزعيم الروحي لشيعة غرب أفريقيا، اللبناني عبدالمنعم الزين، فجر غضبا كبيرا لدى الأوساط الدينية.

ومن خلال ردود الأفعال حول هذه الزيارة فإن سيدي أحمد ولد باب، وهو إعلامي موريتاني متابع لقضايا التشيع، يعتبر أن زيارة قانصو لموريتانيا ذات طابع “استكشافي” للتعرف على المنافذ التي قد تساهم في اختراق الشيعة لموريتانيا، مؤكدا أن الحديث عن وجود التشيع في موريتانيا هو “أمر مبالغ فيه”.

واتهم ولد باب، وهو المدير الناشر لموقع “زهرة شنقيط” الإلكتروني، أطرافا موريتانية، لم يسمها، بانتهاج “سياسة فبركة الوجود الشيعي” بموريتانيا من أجل “الحصول على مكاسب مادية من قبل الحوزات الإيرانية والبعثات الدبلوماسية المقربة من دول التشيع”، وفق قوله.

وقال إن “الحديث عن الوجود الشيعي في موريتانيا هو بمثابة فقاعة إعلامية، حيث لا توجد معطيات على الأرض تسند هذا الأمر”.

وأضاف ولد باب أن “الشيعة لا توجد لديهم أنشطة دينية وتعليمية بموريتانيا كما لا توجد أماكن عبادة خاصة بهم (حسينيات)، ولا استثمارات اقتصادية تابعة لهم كما هو الحال في الدول التي يوجد فيها نشاط للتشيع”، حسب قوله.

التشيع يصبح ظاهرة ملموسة داخل المجتمع الموريتاني رغم أنه بكافة فصائله سني المذهب أشعري العقيدة منذ قرون

وفي الوقت الذي تتحدث فيه بعض المصادر الإعلامية عن وجود حوالي 30 ألف شيعي بموريتانيا وهناك من يعتبر أن هذا العدد يتجاوز الـ45 ألفا في بلد لا يتجاوز سكانه الـ3 مليون نسمة، تنفي وزارة التوجيه الإسلامي وجود هذا الرقم، معتبرة أن معتنقي المذهب الشيعي بالبلاد “لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة”

وقال رجل الدين الشيعي اللبناني محمد قانصو في مقابلة مع وكالة أنباء “الأخبار المستقلة” أثناء زيارته لموريتانيا مؤخرا، إن عدد الشيعة بموريتانيا لا يتجاوز العشرات، معتبرا أن الحديث عن وجود عشرات الآلاف من الشيعة في موريتانيا “كلام يراد منه التخويف والتهويل”.

في الجهة المقابلة دعا عمر الفتح ولد سيدي عبدالقادر، إمام مسجد “شجرة الأنبياء”، إلى تكثيف الجهود للتصدي لما يسميه مخاطر التشيع بالبلاد.

وأضاف عبدالقادر أن “ذلك يجب أن يتم من خلال العمل على وضع برنامج دعوي متكامل يتم فيه التركيز على خطاب دعوي يحذر من مخاطر التشيع والتفرق المذموم ويركز على وجوب الوحدة الإسلامية”.

واعتبر أن ذلك يجب أن “يوازيه عمل إعلامي قوي ومؤثر يهدف إلى كشف المخطط الشيعي، وتعريته وفضح أهدافه الآنية والمستقبلية”. وقال إن البلاد بحاجة إلى إنشاء مرصد لمتابعة أخبار التشيع وغيره من الدعوات المؤثرة في السلوك والمعتقدات.

ودعا ولد سيدي عبدالقادر، المؤسسات الدعوية والثقافية، إلي “القيام بدورها المنوط بها في تحصين المجتمع عقديا وتوعيته ثقافيا بالمخاطر المحدقة به، والمتمثلة في ما ينشره دعاة التشيع من أباطيل تستهدف النيل من الصحابة والتشكيك في أصول الاعتقاد ومصادره”.

إيران ومن خلال محاولتها تعزيز وجودها في موريتانيا وغرب أفريقيا تسعى منذ سنوات لتجعل من موريتانيا منطلقا للترويج لسياساتها وتركيز مذهب التشيع في المغرب العربي وغرب أفريقيا، ذلك أنه وبعد قطع الرباط وداكار لعلاقتهما مع طهران استغلت الجمهورية الإسلامية ما عانته موريتانيا من انقلابات عسكرية، وخاصة انقلاب 2008 الذي قام به الرئيس الحالي محمد ولد عبدالعزيز، ومن أزمة اقتصادية عاشتها نواكشوط، حيث منحت للنظام الموريتاني في ديسمبر 2008 مبلغ 100 مليون دولار أميركي من أجل دعم الخزينة الموريتانية التي كانت في حالة عجز بسبب انقطاع القروض والمساعدات المالية العربية والأوروبية كرد فعل على الانقلاب في أغسطس 2008.

توسع المد الشيعي ونفوذ إيران في موريتانيا تم باستخدام المال في مناطق يعاني سكانها شدة الفقر والجهل

موريتانيا كانت الوجهة التالية لإيران من أجل نشر التشيع وذلك بعدما اتهم العاهل المغربي محمد السادس طهران باستخدام المال في نشر التشيع داخل المجتمع المغربي السني المالكي بهدف “خلق بؤر للفتنة المذهبية”، كما خسرت إيران السنغال أيضا التي كانت تمثل أهم مراكز نفوذها في غرب أفريقيا، بعد ضبط باخرة تحمل شحنة أسلحة إيرانية كانت موجهة إلى متمردي إقليم “كازامانص” السنغالي الذين يريدون حكما ذاتيا في السينغال ويقاتلون الحكومة المركزية من أجل ذلك.

بسبب ذلك تحولت إيران نحو موريتانيا، لتتخذ منها مركز نفوذ بديلا تنطلق منه في مواصلة مساعيها لخلق موطئ قدم لها في المغرب العربي وأفريقيا السوداء بحثا عن حلفاء في تلك الدول الفقيرة، مما يمكنها من فك عزلتها الدبلوماسية وخلق أسواق لمنتجاتها ومصادر لتموينها بالمواد الأولية، فضلا عن نشر المذهب الشيعي.

ونتيجة للمال والدعاية الإيرانيين، إضافة إلى تطور العلاقات بين طهران ونواكشوط، ظهرت في موريتانيا نواة للمذهب الشيعي الذي لم يكن له وجود في السابق في المجتمع الموريتاني السني المالكي، حيث أعلن رجل دين يدعى بكار بن بكار، عن إنشاء “حسينية” هي الأولى من نوعها في تاريخ موريتانيا في أحد أحياء العاصمة نواكشوط.

ورجح بعض المتابعين للشأن الموريتاني أن توسع المد الشيعي والنفوذ الإيراني في موريتانيا بل وتصديره إلى بلدان أفريقيا الغربية تم باستخدام المال في مناطق يعاني سكانها شدة الفقر والجهل، مما سيوجد بعد فترة بؤرا جديدة للتوتر والصراع المذهبي في بلدان المغرب العربي وغرب أفريقيا.

13