استراتيجية التوازن الخارجي.. أميركا تخطط للعودة إلى سياسة ما قبل 1990

الأربعاء 2013/11/06
من أجل النفط.. أميركا لن تفكر يوما في التخلي على الشرق الأوسط

فكرة «شرق أوسط جديد» قديمة، فمنذ سقوط الاتحاد السوفياتي كثرت التساؤلات حول النظام الجديد الذي سينشأ في هذه الزاوية من العالم. ومن خلال متابعتي لبعض تلك التساؤلات لاحظت نوعين من الجدل، الأول يركّز على تطور أو تراجع كل دولة على حدى تأثرا بالتحوّلات الحاصلة، والثاني يهتم بالمنظومة أكثر ويركز على نوع التحالفات التي ستظهر وخطوط التماس للنزاعات الآتية. أحداث 2011 أنعشت الجدليْن ولكن بالتركيز على سلوك الدول الفردي كل على حدى. أما الآن وبعد القلق المتصاعد من «تراجع» دور الولايات المتحدة العالمي فإن الاهتمام اتجه نحو التغييرات المنظومية المحتملة.


محنة الشرق الأوسط


الحقيقة التي لا مفر منها: العامل الأساسي الذي شكّل نظام الشرق الأوسط خلال القرن كان – وسيبقى – التنافس بين القوى العظمى من أجل الهيمنة على الإقليم. وأية مساحة للحركة توفرّت لدول الشرق الأوسط، إنما تم تحديدها من خلال ذلك التنافس. وكانت قدرة الدول على الحركة خارج تلك المساحة مقيّدة، بل ونوعا من مغامرة ذات عواقب. ومنذ الحرب العالمية الثانية وحتى 1990 كان التنافس بين مصالح الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة هو المكوّن الأساسي للمساحة المتاحة لنا. ولكن منذ 1990 وحتى الآن فإن منظومة الشرق الأوسط تكونت بصورة كلية تقريبا على شكل الإستراتيجية الأمنية العالمية التي اختارتها الولايات المتحدة الأميركية. ولا يوجد أي مؤشر يدل على أن انفراد الولايات المتحدة سيتغير قريبا. فروسيا ليست في وضع يسمح لها بالمنافسة على مساحات تحت هيمنة أميركا.

بل أحسن ما يمكن لروسيا عمله اليوم هو الحفاظ على مكاسبها الإقليمية التي تتناقص بشكل مستمر. قطعا هذا قد يتغير، ولكن ليس في أي مستقبل منظور.

لكل ذلك فإن السؤال الأساسي الذي يجب طرحه لكي يمكن تخيّل شرق أوسط جديد هو: ما الذي تعمله أميركا فعلا؟ ولابد من التأمل بعمق في هذا السؤال، ففي جوابه تكمن غالبية الإجابات حول مستقبل الشرق الأوسط.

غالبية الإجابات التي نسمعها اليوم تدّعي بأن الولايات المتحدة تنسحب من المنطقة، أو تعود إلى سياساتها الانعزالية، أو توجّه اهتمامها نحو آسيا. ومن بين الأمثلة العديدة التي يتم ذكرها لتأييد هذه الدعوة هي مواقف الرئيس أوباما منذ 2011. فقد تخلى عن حسني مبارك، وسمح لسوريا بأن تسقط للإيرانيين، والآن يرتكب الخطيئة الكبرى ويغازل إيران. فوق هذا كله صرف اهتمامه نحو الصين. في كلمة واحدة، إن أغلب ما نسمعه اليوم هو أن الشرق الأوسط سيكون بغير الولايات المتحدة. وبالتالي فإن على الدول توفير أمنها وذلك بخلق حرب باردة جديدة قطباها الأساسيان هما السعودية وإيران، وإسرائيل حليف محتمل مستقبلي للسعودية.


أمن أقل.. تدخل أقل


مختصر ما سبق هو أن الولايات المتحدة تنسحب. علينا توفير الأمن لأنفسنا. الحرب الباردة مقبلة لا مناص منها.

من الجميل تخيّل منطقتنا دون تأثير الولايات المتحدة، ولكن للأسف فإن هذا ضرب من الخيال. وإن لم تكن الولايات المتحدة فستكون غيرها. هذه مأساة الدول الصغيرة التي تملك موارد ذات قيمة عالمية. الرئيس الأميركي أيزنهاور قال قديما إن «الشرق الأوسط أهم منطقة إستراتيجية في العالم».

هذه الأهمية لا زالت مستمرة، وإلى أن تزول فسيكون لدينا قوة عظمى أو أكثر تحشر أنفها في شؤوننا. ولا شك في أن الأفضل هو أن توفر دول منطقة الشرق الأوسط أمنها بنفسها ولكن، للأسف، فإن النظر إلى خلل موازين القوى يقول لنا إن ذلك لن يحصل قريبا. الولايات المتحدة ستبقى، وستظل ركيزة أساسية لأمن منطقة الشرق الأوسط.

ولكن حتى لو كنت مخطئاً في كل ذلك، حتى لو بمعجزة قررت الولايات المتحدة ترك منطقة الشرق الأوسط لشعوبها، وحتى لو فرضنا أن دول الشرق الأوسط استطاعت توفير أمنها بنفسها، أقول حتى لو حصل هذا وذاك فإنه لا يعني أبداً أن الحرب الباردة ضرورية الحصول. فهناك خيارات واقعية أخرى. الحرب الباردة ليست إلا خيارا يلح عليه الباحثون ويقدموه على أنه الخيار الإستراتيجي الوحيد. وأعتقد بأنه من الضروري تحدي هذا بل وإظهار خطئهم.

أولا إن الولايات المتحدة لن تعود إلى إستراتيجيتها الإنعزالية، إنما ستعود فقط إلى مرحلة ما قبل 1990. ففي ذلك الوقت كانت الولايات المتحدة حاضرة بقوة في المنطقة، ولكن كقوة توازن خارجية (off-shore balancer) تسعى إلى منع بروز أية قوة تهيمن على المناطق الحيوية لأمنها القومي ولكن بغير وجود فعلي – ما أمكن – في تلك المناطق. بعد 1990 اتجهت الولايات المتحدة نحو إستراتيجية الهيمنة العالمية وهي في عمقها سياسة تدخُّل في شؤون دول أخرى بغرض خلق العالم على صورة أميركا. مثل هذه الإستراتيجية استنزفت الولايات المتحدة حتى بلغت مداها خلال إدارة الرئيس أوباما. وما يعمله أوباما هو إعادة الولايات المتحدة إلى المرحلة السابقة من التوازن الخارجي.


الحرب على الإرهاب


إستراتيجية التوازن الخارجي تتطلب دورا أمنيا أكبر من الدول الحليفة لأميركا والمستفيدة من حمايتها. الولايات المتحدة لن تتحمل كل متطلباتهم الأمنية كما كانت خلال عقدين، وهذا بطبيعة الحال استفز حلفاء أميركا التي اعتادت على خدمة أمن كامل وإلى حد ما مجّاني. وبالتالي فما يشكو منه البعض ويسمونه انعزالية هو في الواقع عودة إلى السياسات الواقعية لما قبل 1990. الولايات المتحدة باقية، ولكن المطلوب الآن من دول المنطقة أن تقوم بدور أكبر.

أيزنهاور الرئيس الأميركي الـ34: «الشرق الأوسط أهم منطقة إستراتيجية

لذلك فعندما أعلن أوباما نهاية الحرب على الإرهاب فإنه من المهم ألا نختزل ذلك على أنه إعلان نهاية حرب الولايات المتحدة ضد القاعدة. لقد أعلن أوباما عن نهاية إستراتيجية أميركية استمرت أكثر من 20 سنة كانت خلالها الولايات المتحدة تجول العالم بناء على حربها على ما سمته إرهابا. ووفق هذا يمكن تفسير تردد أوباما نحو مصر وسوريا. فمن منظور الموازن الخارجي إن ما يقع داخل تلك الدول لا يهم، بكل بساطة. ما يهم هو شيء واحد: أمن النفط. وبالتالي فالموازن الخارجي يراقب ما يجري في تلك الدول لا من أجلها وإنما لضمان ألا تتأثر صادرات النفط. التراجع الأميركي لمرحلة ما قبل 1990 يفسّر أيضا التقارب الإيراني-الأميركي. فلكي تعود إلى دور الموازن الخارجي من مصلحة الولايات المتحدة أن تكون لديها علاقات «طبيعية» مع إيران. ومن البديهي أن أميركا لا يهمها أن تُحكم إيران من الملالي، كما لا يهمها أن يحكم مصر العسكر. الشأن الداخلي لتلك الدول لا يهم أميركا.

أي إن الولايات المتحدة ستستمر في الهيمنة على الشرق الأوسط. كما ستستمر في توفير أمنه، ولكن بدرجة أقل من السابق. وفي مقابل تقليل دورها الأمني فإنها ستتدخل بدرجة أقل في سياسات المنطقة.


إستراتيجية قديمة


عودة الولايات المتحدة إلى إستراتيجيتها القديمة ستخلق خيارين لدول الشرق الأوسط. الأول ينطلق من اعتبار أن تلك العودة ستخلق فراغا أمنيا يهدّد الأمن القومي لدول المنطقة ويتطلب منها معالجة هذا التهديد بخلق تحالفات أمنية جديدة لتعوّض النقص جرّاء تغيير الإستراتيجية الأميركية. الخيار الثاني ينطلق من اعتبار أن هذا الموقف الأميركي فرصة ستخلق «فراغ تدخل» – وليس فراغا أمنيا – يفسح المجال لاندماج إقليمي بغرض الحفاظ على الأمن الإقليمي، ولكن أيضا بغرض الرفاه الإقليمي. الخياران لا يهددان ولا يتحديان الولايات المتحدة. الخياران سيضمنان تدفق النفط. الخياران أيضا سيضمنان أمن إسرائيل. وبالتالي يمكن القول إن الخيارين سيكونان مقبولين من وجهة نظر أميركية.

لكن الولايات المتحدة لن تفرض خيارا منهما على دول المنطقة. هذا متروك لنا. أمر علينا نحن القيام به. وحيث أن الدول الفاعلة اليوم هي السعودية وتركيا وإيران وإسرائيل فأتصور أنها هي التي ستحدد توجه المنطقة. مصر والعراق مهمان ولكن أوضاعهما الحالية حيّدت دورهما الإقليمي. بقية دول الخليج والأردن ستلعب أدوارا دبلوماسية مهمة في خدمة أحد الخيارين ولكن لن يكون لها دور أساسي في القرار النهائي.

الأسئلة إذا ستكون: هل ستختار تلك الدول إستراتيجية التوازن العسكري والحرب الباردة أو سياسة الاندماج؟ وهل من الواقعية أن يتم وضع تلك الدول الأربع في جملة واحدة فضلا عن تصوّر أنها يمكن أن تعمل معا لأجل استقرار إقليمي؟

لا شك في أن لكل دولة من تلك الدول الأربع أسبابها الكثيرة لعدم العمل معا. فالسعوديون والإسرائيليون يخشون النزعة التوسعية الإيرانية. النظام الإيراني يبدو أنه ينفر من فكرة السلام مع إسرائيل. الشعب السعودي ليس مستعداً لاعتبار إسرائيل شريكاً إقليمياً حتى لو عملت حكومته على ذلك لاعتبارات كبرى. الإسرائيليون يتجهون غرباً ويعتبرون أنفسهم جزيرة قُبال شواطئ أوروبا وليست قطعة أرض في الشرق الأوسط. الأتراك لا يزالون يأملون في الدخول إلى الاتحاد الأوروبي … إلخ من الأسباب العديدة والتي يمكن سردها من أجل رفض فكرة الاندماج أو على الأقل من أجل عرقلتها. ولكن في مقابل كل تلك الأسباب هناك أسباب كثيرة تدفع نحو التفكير في خيار الاندماج والبُعد عن خيار توازن القوى والمواجهة والحرب الباردة. بعض هذه الأسباب هي: الاقتصاد، ونقل التقنية، والرفاه، وأهم شيء السلام الإقليمي. كما أن الحرب الباردة ستكلفنا أرواحاً كثيرة، وتفويت فرص للأجيال المستقبلية، وضياع موارد. الحرب الباردة لن تقدّم شيئاً لأحد، لن تفيد أحدا، بل قد تكون خطوة نحو إنهيار الشرق الأوسط في مستقبل قريب، بل نحن من الآن نواجه مشاكل وجودية عديدة مثل ندرة المياه، والزيادة السكانية، والتلوث، ونضوب الطاقة، وانكماش الاقتصاد. مشاكل تتطلب منّا تخصيص الموارد لأجلها، بل توحيد الموارد للتعامل معها.

ببساطة لا نستطيع أن نتحمل الحروب الباردة أو الساخنة.

أنا أعرف أن مجرد التفكير في هذا يُعتبر سذاجة، ولكن السذاجة في السياسة صحية في بعض الأحيان. لقد تم خلق اتحاد أوروبي بين دول تحاربت لعدة قرون. فقط تخيلوا معي الفترة بين الحروب النابليونية في بداية القرن التاسع عشر والحرب العالمية الثانية في منتصف القرن العشرين. ما يقرب من 150 سنة من الحروب وعشرات الملايين من القتلى. وأنا على يقين من أنه كان هناك الكثير ممن اعتقد بأن فكرة الاتحاد الأوروبي سخيفة للغاية وساذجة. لذلك، قد يكون من الأفضل أن نتحلى بالسذاجة ولو لمرة، إن لم يكن لنا فلأجل أبنائنا.

7