استراتيجية الدولة المصرية تقتضي دعم الجيوش الوطنية

محاولات لجر الجيش المصري لقتال عناصر داعش في ليبيا كشفتها تحقيقات القضاء المصري تنبه لاستهدافه بغية النيل منه خاصة وأن مصر تلعب دورا إقليميا هاما في التصدي للإرهاب، إلا أن الاستراتيجية الدفاعية للجيش المصري وفق مراقبين تركز على مواجهة خطر التطرف في الداخل أولا وأن رغبة قياداته تتمثل في لعب أدوار دبلوماسية بعيدا عن الحل العسكري في ما يخص قضايا وتطورات المنطقة العربية المتلاحقة.
الاثنين 2016/11/28
الأولوية للأمن القومي المصري

القاهرة- كشفت تحقيقات القضاء المصري، في قضية تكوين خلية إرهابية تابعة لتنظيم داعش، بمحافظة مرسى مطروح (غرب مصر)، عن محاولات لاستدراج الجيش المصري لقتال عناصر التنظيم داخل ليبيا، من خلال ارتكابهم واقعة ذبح 21 قبطيا في مدينة سرت الليبية، مطلع العام الماضي. وأشارت التحقيقات، التي تجريها نيابة أمن الدولة المصرية، وتم الإعلان عن نتائجها الأحد، إلى أن المتهمين التحقوا بمعسكرات تدريبية، تابعة لتنظيم داعش بليبيا وسوريا، وتلقوا تدريبات عسكرية، وشاركوا في ثلاث عمليات عسكرية، قام بها التنظيم داخل الأراضي الليبية، قبل أن ينتقلوا إلى الأراضي المصرية، في محاولة لجر الجيش المصري إلى هناك.

ويأتي ذلك، في الوقت الذي نفت فيه مصادر عسكرية مصرية، ما تردد عن مشاركة مصر في الحرب السورية، من خلال إرسال وحدة طيارين مصريين، لمساعدة الجيش السوري. وأعلن الكرملين في روسيا، أنه لا يملك معلومات عن مشاركة عسكريين مصريين بالقتال في سوريا، أو عن وصول طيارين مصريين إلى هناك لمساندة قوات النظام، أو عن زيادة متوقعة في هذه المشاركة، خلال الشهور المقبلة.

هناك جهات استخباراتية دولية، يؤرقها تواجد جيش قوي بالمنطقة العربية، وأن ذلك يعوق مخططات التقسيم الدولية

مكافحة الإرهاب

على مدار السنوات الماضية، كثر الحديث عن التدخل المصري في ليبيا، إلا أنه اختار أن يركز على ضبط الحدود الغربية كإستراتيجية واضحة لمواجهة الإرهاب المتمدد هناك، ومنع وصوله إلى الأراضي المصرية، بينما كان رده حاسما وسريعا ومباغتا في واقعة ذبح المصريين الأقباط في سرت (شرق ليبيا)، دون أن يكلفه ذلك مغبة التورط في عمل عسكري طويل الأجل قد ينتهي بخسائر فادحة. ولم يختلف موقف الجيش المصري من سوريا وليبيا، كثيرا عن موقفه تجاه المشاركة بقوات برية، ضمن قوات التحالف العربي باليمن، واقتصرت المشاركة المصرية على توفير سفن حماية عند مضيق باب المندب، وتقديم بعض الدعم الجوي للقوات المشاركة في التحالف.

وهذا الاتجاه للجيش المصري، في ما يتعلق بالتدخل العسكري في البلدان العربية، أعاد تأكيده الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، حيث أشار خلال حديثه مع تلفزيون “آر تي بي” البرتغالي الأسبوع الماضي، إلى أن الأولوية بالنسبة إلى الدولة المصرية، تتمثل في دعم الجيوش الوطنية. وأضاف السيسي، في رده على سؤال عن إمكانية إرسال قوات مصرية إلي سوريا قائلا “من المفضل أن تقوم الجيوش الوطنية للدول بالحفاظ على الأمن والاستقرار في هذه الأحوال، حتى لا تكون هناك حساسيات من وجود قوات أخرى تعمل لإنجاز هذه المهمة”.

وظل الرفض المصري للتدخل عسكريا في سوريا، ثابتا منذ بدء الأزمة، سواء في ما يتعلق بالمشاركة في التحالف الدولي ضد الإرهاب هناك، أو من خلال إرسال قوات عسكرية لدعم الجيش السوري، إلا أنه أبقى على دعمه السياسي للجيش السوري، في مواجهة التنظيمات المسلحة. مثلت مواقف الجيش المصري، خلال العامين الماضيين، رفضا واضحا للزج به إلى التدخل بشكل مباشر في شؤون البلدان العربية، التي تعاني أوضاعا أمنية وعسكرية صعبة، واختار أن يكون موقفة مؤيدا ومساندا ومقدما لجميع أشكال الدعم إلى الجيوش الوطنية التي تخوض حروبا ضد ميليشيات عسكرية مسلحة.

وبدا واضحا مدى إدراك الجيش المصري لخطورة الانخراط في الحروب الداخلية داخل العديد من البلدان العربية، وتأثير ذلك على مدى تماسك وترابط المؤسسة العسكرية الأكبر في المنطقة، يأتي ذلك في وقت قضت فيه الصراعات الداخلية والمخططات الخارجية على جيوش كانت تشكل ركيزة استقرار المنطقة العربية. وقال اللواء نبيل أبوالنجا، الخبير العسكري، لـ”العرب”، إن “هناك عوامل عدة ساعدت على اتخاذ الجيش المصري تلك التوجهات، أهمها الإرهاب المستمر في سيناء، والذي يثبت قوته بين الحين والآخر، بالإضافة إلي التهاب الحدود الغربية، وبالتالي فإن خطط المواجهة الحالية تركز على المواجهة بالداخل أولا”ً. وأضاف أن التغيرات السياسية المتلاحقة في المنطقة العربية، والخلافات التي نشبت مؤخرا، لعبت دورا مهما في تغيير موقف السيسي، بما هو مخالف لتصريحاته في عام 2014 وبينها تصريحه الشهير “مسافة السكة”، التي عبّر فيه، عن استعداد بلاده للتدخل لإنقاذ أي دولة عربية تتعرض إلى أخطار حقيقية.

العديد من السياسيين أيدوا موقف الجيش المصري، وقالوا إنه ينُم عن وجود إدارة واعية ومسؤولة، تتفهم أهمية تماسك القوى العربية المجاورة

استراتيجية الجيش المصري

يرى أبوالنجا، أن الجيش المصري يدرك جيدا أن هناك محاولات للنيل منه، سواء من خلال جرّه إلى معارك خاسرة، أو من خلال تشويه صورته، وبالتالي فإن تحركاته الخارجية لا بد أن تكون محسوبة بشدة، إلا أنه انتقد في الوقت ذاته مواقف الإعلام في التعامل مع هذه المواقف، وذلك في إشارة إلى ما فعلته قناة الجزيرة القطرية مؤخرا. وكانت الجزيرة قد أنتجت فيلما تسجيليا يحمل عنوان “العساكر .. حكايات التجنيد الإجباري في مصر”، ويتناول كيفية التعامل مع الجنود داخل المؤسسة العسكرية، وهو ما واجه رفضا مصريا واسعا من جهات حكومية وإعلامية وشعبية عديدة.

وأكد مراقبون أن هناك جهات استخباراتية دولية، يؤرقها تواجد جيش قوي بالمنطقة العربية، وأن ذلك يعوق مخططات التقسيم الدولية، وأشاروا إلى أن دولاً عربية تشارك في تلك المخططات، لتحقيق البعض من المصالح السياسية. وأوضح اللواء نصر سالم، رئيس جهاز الاستطلاع المسلحة المصرية سابقا، لـ”العرب”، أن استراتيجية الجيش المصري، تدعمها رغبة سياسية في لعب أدوار دبلوماسية أكبر بعيدا عن الحل العسكري، وأن تلك الأدوار تساهم تحديدا في عودة الدور المصري بالمنطقة، والذي يقوم بالأساس على إنهاء النزاعات الداخلية بالبلدان العربية.

وأشار لـ”العرب”، إلى أن حديث السيسي عن دعم الجيوش الوطنية العربية، ينطوي على الدعم السياسي والمعنوي، قبل أن يكون دعما عسكريا، وأن ذلك الدعم يأخذ أشكالا مختلفة، بعيدا عن إرسال قوات للمشاركة في الصراعات الدائرة حاليا. وقال مراقبون إن التوجه المصري تجاه الملفات العربية، يرتكن بالأساس على دعم الجيوش التي تواجه الإرهاب، وأن مصر تنظر إلى الجيوش العربية على أنها الجناح القوي في مواجهة محاولات التفكيك والتقسيم التي تتعرض لها المنطقة في الوقت الحالي.

وأيد العديد من السياسيين موقف الجيش المصري، وقالوا إنه ينُم عن وجود إدارة واعية ومسؤولة، تتفهم أهمية تماسك القوى العربية المجاورة، وأن ذلك الموقف يشدد على ضرورة التعامل بجدية مع الإرهابيين ونزع السلاح منهم، على أن تكون هناك حلول سياسية، بعيدا عن الحل العسكري. وما زاد من تماسك الموقف المصري، حسب رأي هؤلاء السياسيين، الدعم الشعبي الذي يؤيد تلك الخطوات، إذ أن هناك إدراكا لدى دوائر شعبية واسعة، بأن بلادهم تتعرض لضغوط عربية وأجنبية لتبديل مواقفها الدولية.

6