استراتيجية خاصة لفقدان الوزن لكل شخص.. حلم العلماء

خبراء يؤكدون أنه لا توجد إستراتيجية واحدة لفقدان الوزن تنفع الجميع، وأن الجينات تلعب دورا محدودا في كيفية معالجة الشخص للدهون والكربوهيدرات.
الأحد 2019/06/16

حاول عدد كبير من العلماء وأخصائيي التغذية، مطولا، إيجاد تفسير دقيق لعدم وجود طريقة واحدة لفقدان الوزن تناسب الجميع في محاربتهم للوزن الزائد والسمنة.

نيويورك - يعمل الباحثون على الاستعانة بعلم الوراثة الغذائية لتصميم استراتيجية غذائية خاصة بكل فرد، عن طريق القيام بتحليل دقيق للحمض النووي. ويأمل العلماء النجاح في ذلك، خاصة بعد نجاح مشروع الجينوم البشري والقدرة على تحمل تكلفة إجراء التسلسل الجيني.

نشر موقع نيويوك تايمز الأميركي النتائج التي توصلت إليها الدراسات المبكرة والتي أجرتها جامعة هارفارد وستانفورد. وجاء فيها أن الفوارق الجينية بدت تهيئ الأفراد لفقدان كميات مختلفة من الوزن عبر اتباع طرق مختلفة من لأنظمة الغذائية المخصصة للحمية.

وأفاد التقرير أنه سرعان ما نشأت صناعة بملايين الدولارات تقوم على تسويق الأنظمة الغذائية القائمة على الحمض النووي. لكن البحوث اللاحقة فشلت في إظهار أي فرق ذي دلالة إحصائية في فقدان الوزن بين الأشخاص الذين يعانون من زيادة الوزن “الذين يتناولون الطعام بشكل مناسب لخصوصياتهم الوراثية” وأولئك الذين لا يفعلون ذلك.

في الواقع، كان من الصعب التخلص من تأثير الجينات على السمنة، وحددت دراسات مختلفة نسبة هذا التأثير من 35 إلى 85 في المئة. وقد لاحظ خبراء التغذية منذ فترة طويلة أنه لا توجد استراتيجية واحدة لفقدان الوزن تنفع الجميع وأن الأفراد يظهرون اختلافات ملحوظة في استجاباتهم للوجبات الغذائية المختلفة. ما الذي يفسر التباين الكبير في عملية التمثيل الغذائي الفردي؟

تيم كولفيلد باحث من جامعة ألبرتا في كندا: {المشكلة ليست أن الإرشادات خاطئة، بل إن الناس لا يتّبعونها}

في العام الماضي، بدأ كل من تيم سبيكتور وسارة بيري، عالمي الأوبئة في كلية كينغز بلندن والدكتور أندرو تشان من كلية الطب بجامعة هارفارد، بحثا جديدا في محاولة للوصول إلى الإجابة. وكانت دراستهم الجديدة، التي تُدعى “بريداكت” (تنبؤ)، هي التجربة الأكبر والأكثر شمولا في العالم للنظر في الاستجابات الفردية للغذاء.

وقد وثقت نتائجها الأولية، التي قدمت في المؤتمر السنوي للجمعية الأميركية للتغذية، الاثنين الماضي، لأول مرة، تباينات جوهرية ومثيرة للدهشة في كيفية تعامل المشاركين مع الدهون والكربوهيدرات، حتى بين التوائم المتماثلة. وأن مدى فعالية استقلاب أحد المغذيات لم يكن مؤشرا على كيفية اختلاف استجابة هذا الشخص عن الآخر.

وقال الدكتور إريك توبول، عالم الوراثة في معهد سكريبس للأبحاث التحريرية في لا جولا، بكاليفورنيا، والذي لم يشارك في الدراسة “إننا نقترب من أن نكون قادرين على تقديم التوجيه الصحيح لكل شخص بشأن ما يجب أن يكون عليه نظامه الغذائي (…) لم نصل إلى هذا الحد بعد، لكن الدراسة الجديدة تعد عاملا رئيسيا آخر للوصول إلى هناك”.

على مدى عقود، ظل الدكتور سبيكتور يستكشف أسباب الاختلاف الفردي في خطر الإصابة بالأمراض، بما في ذلك الأمراض المرتبطة بالنظام الغذائي. في عام 1992، أنشأ (توينز يوكاي) وهو سجل بحثي يضم الآن أكثر من 13000 توأم متطابق وغير متطابق. واستنادا إلى التوائم، خلص إلى أن الجينات ساهمت بنسبة 70 بالمئة في خطر إصابة الفرد بالسمنة، في المتوسط.

ثم بدأ سلسلة من الدراسات لمعرفة العوامل التي أثرت على الـ30 بالمئة المتبقية. في عام 2014، بدأ مشروع “بريتيش غات”، وهو عمل جماعي لفهم تنوع ميكروبات الأمعاء واستجابتها للتدخلات الغذائية المختلفة وتأثيرها على الوزن. ولاحظ أنه من بين سجل التوائم، لم تتقاسم حتى أزواج متطابقة سوى حوالي 50 في المئة من بكتيريا الأمعاء.

مبدأ التغذية كمقاس واحد يناسب الجميع فكرة قديمة
مبدأ التغذية كمقاس واحد يناسب الجميع هو فكرة قديمة

وتنبأ الدكتور سبيكتور باستكشاف كيف يمكن أن تسهم الاختلافات في الاستجابات الفردية للدهون والكربوهيدرات في السمنة. وبين أن تناول الأطعمة التي تحتوي على الدهون والكربوهيدرات يؤدي إلى ارتفاع وانخفاض مستويات الغلوكوز والأنسولين والدهون الثلاثية في الدم. وكلما كانت مستوياتها مرتفعة وممتدة ومتكررة ارتبط ذلك بالالتهاب وزيادة الوزن وأمراض القلب والسكري.

شملت الدراسة 700 توأم متطابق، و300 متطوع بريطاني فردي، و100 شخص من الولايات المتحدة وجمعوا بيانات حول كل شيء تقريبا يمكن أن يؤثر على التمثيل الغذائي: الأحياء المجهرية للأمعاء ومدة النوم والتمرين وتكوين الدهون في الجسم وأكثر من ذلك… ومع ذلك، فإن هذه النتائج الأولية حللت فقط ارتفاع وانخفاض مستويات الغلوكوز والأنسولين والدهون الثلاثية في الدم بعد تناول المشاركين وجبات موحدة.

وخلص الفريق إلى أن الجينات تلعب دورا محدودا في كيفية معالجة الشخص للدهون والكربوهيدرات. ومن بين التوائم المتماثلة، يمكن فقط ربط حوالي نصف كمية الوجبة ومدتها وما تلحقه بمستوى الغلوكوز في الدم بالتأثير الجيني وأقل من 30 في المئة في ما يتعلق باستجابة الأنسولين والدهون الثلاثية. يبدو أن العوامل الأكثر أهمية في كيفية استقلاب أجسامنا للطعام هي العوامل البيئية: النوم والإجهاد وممارسة الرياضة وتنوع ميكروبيوم الأمعاء للأفراد.

 قالت الدكتورة بيري “هذا مثير حقا للعلماء والأفراد. لقد تبين لنا أن المسألة لا ترتبط بالوراثة وبالتالي فهي قابلة للتعديل”.

وأشارت إلى أن نسبة الدهون والكربوهيدرات في وجبة ما تفسر ما تقل نسبته عن 40 في المئة من استجابة الفرد لهذا الغذاء. وقالت إن هذا الاكتشاف “يعزز الرسالة التي مفادها أننا يجب أن نركز على أساليب الحياة الكاملة بدلا من الأطعمة والمواد الغذائية الفردية”.

ستستغرق مجموعة البيانات الكاملة للدكتور سبكتور وفريقه الموسع من زملائه -حوالي 40 عالما حول العالم- عدّة سنوات في التحليل، حتى بمساعدة التطور التكنولوجي. وقد بدأوا بالفعل بدراسات تتابع تحليل العلاقات المعقدة بين مجموع العوامل.

مشروع للنظر في الاستجابات الفردية للغذاء
مشروع للنظر في الاستجابات الفردية للغذاء

لكن كان من الممكن بالفعل جمع الأفكار الفردية، فبعد تناول رقائق البطاطس، مرت إحدى المواد مرارا وتكرارا بذروة ثلاثي الغليسريد أعلى بست مرات من تلك الموجودة في توأم متطابق. وقال الدكتور سبيكتور إن هذه الدرجة من الوعي يمكن أن تساعد في توجيه التوأم الذي يشكو من حساسية للرقاقة نحو وجبة خفيفة قليلة الدسم.

وقال “نحن كائنات آكلة للحوم ونحتاج إلى نظام غذائي متنوع (…) لكن إذا استطعت فقط تبديل بعض الأطعمة من حولك بحيث تحصل على نفس السعرات الحرارية والتمتع بنفس القدر من اللذة، ولكن في حالة انخفاض الاستمتاع إما في الغلوكوز وإما في الدهون، فسيكون وزنك أقل وستكون أكثر صحة على المدى الطويل”.

قالت جيني براند ميلر، أستاذة التغذية البشرية بجامعة سيدني في أستراليا والتي لم تشارك في برنامج “بريداكت”، إن “نصيحة التغذية الفردية، بدلا من الإرشادات الغذائية العامة القائمة على السلوك الغذائي لكل السكان، يمكن أن تحسن الصحة العامة بشكل كبير”.

وأضافت براند ميلر “أعتقد أن مبدأ التغذية كمقاس واحد يناسب الجميع هو فكرة قديمة”. وأشارت إلى أن هناك واحدا من كل ثلاثة أشخاص لديهم استجابة أيضية ضعيفة للسكر. إن تحديد هؤلاء الأفراد، ثم تعليمهم كيفية تجنب حدوث طفرات في غلوكوز الدم، يمكن أن يقلل من احتمالات الإصابة بمرض السكري لاحقا بنسبة كبيرة.

تستند إرشادات التغذية القياسية على بيانات من الاستبيانات التي تسأل الناس عن عدد المرات التي تناولوا فيها أطعمة معينة في العام الماضي. ويوفر هذا النهج بيانات مفيدة حول الاتجاهات العامة ولكنه معيب أيضا، حيث إن المشاركين في الاستبيان لا يتذكرون بشكل جيد خياراتهم الغذائية ولا يمكن أن تقدم البيانات العامة إرشادات شخصية.

وأضافت ميلر “لقد أصبحت الرؤية أكثر وضوحا وتفصيلا للاختلافات الأيضية لدينا مؤخرا فقط، مع ظهور التكنولوجيا وأجهزة استشعار يمكن ارتداؤها وتقنية التسلسل الجيني”. وكانت النتيجة زيادة الاهتمام بهذا المجال. في فبراير، بدأت دراسة تعنى بالتغذية الشخصية وكانت واسعة النطاق وامتدت لسنوات في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا بلوزان.

وقال تيم كولفيلد، باحث في القانون والسياسة الصحية في جامعة ألبرتا في كندا، “هذا البحث رائع ومهم”. ومع ذلك، “من غير المحتمل أن يحدث هذا ثورة في التغذية”.

من الصعب التخلص من تأثير الجينات على السمنة
من الصعب التخلص من تأثير الجينات على السمنة

وأضاف أن “أحد العوامل الأساسية لاتباع نظام غذائي صحي هو أمر معروف جيدا: الكثير من الحبوب الكاملة والبقول والخضار الورقية الداكنة والخضروات الأخرى والزيوت الصحية والمأكولات البحرية بمقادير كافية والقليل جدا من اللحوم الحمراء أو الكربوهيدرات المكررة”.

 وأوضح كولفيلد أن المشكلة ليست أن الإرشادات خاطئة أو غير شخصية بشكل كاف، بل إن الناس لا يتّبعونها، حتى أن التركيز على الخيارات الغذائية للشخص أو عملية الأيض الفردية يمكن أن يصرف الانتباه عن المساهمين الرئيسيين الآخرين في وباء السمنة. وقال “إنها مسألة معقدة بشكل خيالي ولها علاقة ببيئتنا الطبيعية والاجتماعية والغذائية، علاوة عن التسويق ومستويات نشاطنا وأشياء كثيرة”.

كدراسة، لا يزال التنبؤ في أيامه الأولى؛ بغض النظر عن التوصيات الفردية التي قد تقدمها، ولا يوجد دليل حتى الآن على أنه يمكن تحسين صحة الشخص بشكل أفضل من المبادئ التوجيهية الغذائية العامة.

وقال الدكتور توبول “سيتطلب ذلك المزيد من التحقق ولا يتوافق مع الوقاية من أمراض القلب أو السرطان أو غيرها من النتائج (…) لكن لا يزال من المهم البحث في ما إذا كنا سنصل إلى اعتماد الغذاء كدواء”.

المشاركة في الدراسة يمكن أن تكون مرهقة، حيث يتم إجراء مجموعة واسعة من الاختبارات، بما في ذلك سحب مقادير من الدم وعينات من الدهون في الجسم وكتلة العظام ثم تحفظ في المستشفى. بعد ذلك، ولمدة أسبوعين، على المشاركين أن يستهلكوا سلسلة من “الوجبات” المحددة؛ مجموعة مختارة من الكعك تحتوي على توليفات مختلفة من الدهون والكربوهيدرات والبروتين، إلى جانب قضبان الألياف ومشروبات الغلوكوز وخلطات البروتين. ويجب وزن وتسجيل أي طعام أو شراب آخر مستهلك.

يرتدي كل مشارك جهاز مراقبة الغلوكوز المستمرة ومقياس التسارع لقياس مستويات النشاط والنوم ويقدم عينات من اللعاب والبول والبراز والدم.

وتجدر الإشارة إلى أن الدكتور كولفيلد يقدم، في الوقت الحالي، بعض النصائح البسيطة لأي شخص يبحث عن التغذية الشخصية، قائلا “انظر إلى مؤشر الوزن في الحمام”. ثم ختم “هذا الرقم هو وسيلة أكثر تنبئا بالصحة المستقبلية من معظم المعلومات التي يمكنك الحصول عليها من هذه الشركات التي تسوق التوجيهات للمستهلكين”.

18