استراتيجية خلط الأوراق

الاثنين 2015/02/09

“حتى الغرب اقترف جرائم شنيعة، ولسنا وحدنا متّهمين”، هكذا يقال أحيانا أو قد يقال دائما. هل هذه حجّة؟ ثم إنّها حجّة من على من؟ ليكن أنها حجّتنا، فهل قرّرنا، على حين غرّة، أن نترك للغرب علومه وحرياته الفردية وحقوق المرأة والأقليات ومراكزه العلمية والفنية، ثم ننافسه في شيء واحد هو الجريمة بل نكاد نتفوق عليه في هذا الباب؟

إن كان الغرب اقترف جرائم فلماذا قرّرنا أن ننافسه في هذا الباب اللاأخلاقي دون أن نبذل في المقابل أي جهد لمنافسته في مستويات العلم والحرية والمساواة؟ واضح أنّ هناك خللا في لاوعينا الجمعي حين نعتقد بأن الحضارة ليست إبداعا ذاتيا ينبع من الإرادة الخلاّقة للأفراد، وإنما هي مجرد غنيمة نغنمها من الآخرين بعد أن نسحقهم سحقا. لا تقولوا يا للهول؛ فهذا اللاوعي الجمعي هو عصارة فقه البداوة منذ أزمنة الانحطاط وما قبلها، حيث أصبحت الحضارة غنيمة والمرأة غنيمة وأموال دار الحرب غنيمة للفرقة الناجية. ولا بأس أن نسمي الأشياء بمسمياتها، يندرج هذا الموروث ضمن ما نصطلح عليه “فقه قطاع الطرق”.

والآن، سنقولها لكم: معكم الحقّ، الجميع متورط في الجرائم، الاستعمار، الاحتلال، الامبريالية، الموساد، داعش، ولكم أن تضيفوا ما تشاءون، حتى سكان قبائل الأمازون اقترفوا جرائم في حق بعضهم. الجريمة داء مزمن لا شفاء منه ولا يصيب البعض دون الآخرين. لكن هل يكفي أن تكون الجرائم قد اقترفت منذ بدء الخليقة حتى نبرر لأنفسنا أن نصبح كلنا مجرمين، بل ونتفوق على غيرنا في اقتراف الجرائم الأكثر شناعة؟ المسألة أكبر من هذا السؤال، هناك جرائم تقترف باسم ديننا، وبخناجرنا وفتاوانا ونصوصنا، وفوق ذلك باستعمال كل وسائل التشهير بالنفس: انظروا إلينا نحن المسلمين كيف نذبح ونحرق ونسبي ولا نترك رعبا جحيميا لا نقترفه ضدكم وضدّ أنفسنا أيضا، لن تحتاجوا إلى إعادة تمثيل الجريمة، نقدم إليكم الجريمة والإخراج معا، في نفس الآن، بالصوت والصورة وبالتقنيات العالية! هل حدث مثل هذا في تاريخ الجريمة؟ مشهد الجريمة بعدسة المجرم! إننا أمام تحول في الفعل الإجرامي. العادة هي أن يكون المجرم ميالا إلى إخفاء جريمته، أو أن يُظهرها بصورة أقل شناعة وفظاعة. حتى جريمة الهولوكوست لم تظهر إلى العلن، وقد كانت الكاميرات وقتها موجودة والتلفاز كان موجودا، ولم يعلم بها الألمان إلاّ عقب اندحار القوات النازية (شهادة هابرماس تكفي).

مع “الدّولة الإسلامية” اختلف الأمر. المجرم نفسه هو الأكثر حرصا على إظهار المشهد الإجرامي بنحو أكثر فظاعة. بمعنى، أننا أمام تحول في مفهوم الجريمة. ويا للوقاحة بعد كل هذا نملأ الدنيا صراخا: إنهم لا يحترموننا. إنهم لا يحترمون مشاعرنا، إنهم لا يحترمون ديننا، لا تتجلى المعضلة في مجرّد اقتراف للجريمة بإخراج دعائي مرعب وباسم الإسلام، وإنما تكمن ذروة التراجيديا في حالة الشلل الأخلاقي التي أصابت الكثير من المسلمين، فجعلتهم ميالين إلى تبرير الجريمة باسم الإسلام الذي علّمنا أن نردد طول الوقت عبارة “السلام عليكم”.

هناك معضلة ثانية في اللاّوعي الجمعي تجعل منّا شعوبا ميالة إلى تحميل الضحية وزر الجريمة فقط لأجل تفادي محاسبة النفس والتنصل من المسؤولية. ولنأخذ مثالا آخر من باب المقاربة. جرائم الاغتصاب. هي موجودة في كل المجتمعات تقريبا، وإذا أضفنا إليها جرائم التحرّش فإن مجتمعاتنا غارقة في هذا النوع من الجرائم من الرأس إلى أخمص القدمين. وإن كان وجود هذه الجرائم في القرن الحادي والعشرين معضلة أخلاقية، فالطامة الكبرى هي وجود خطاب شائع يبرر هذا النوع من الجرائم. بل أكثر من ذلك، هو خطاب يحمل الضحية مسؤولية الجريمة، على طريقة: وما الذي حملها على الذهاب إلى هناك؟ ولماذا لبست التنورة البيضاء؟

نفس الشيء بالنسبة إلى ظاهرة الإرهاب العالمي، إذ يقال: ما الذي حمل ذلك الصحفي الياباني أو الأميركي على الذهاب إلى هناك حتى يقطع الإسلاميون رأسه؟ ولماذا نوجه اهتمامنا إلى ضحايا الإرهاب الإسلامي وننسى ضحايا الاحتلال والامبريالية والموساد ونظام الأسد ومجازر بورما؟

المشكلة أن هناك استراتيجية إعلامية لخلط الأوراق: نقول “نتضامن مع رسامي شارلي” فيأتي الرد، “وهل نسيتم الرسام ناجي العلي؟ نقول “نندد بجرائم داعش”، فيأتي الرد، “وهل نسيتم جرائم الصهيونية؟”، نقول “ندين جريمة حرق الطيار الأردني”، فيأتي الرد “وهل نسيتم حرق النظام السوري لشعبه”. لا أحد ينسى، فكل الملفات مفتوحة، ولكل ملف سياقه ومعاركه، حتى ملف تحريك متابعة قضائية دولية ضد عدد من قادة إسرائيل لم يطو، ولن يطوى، لكن المقصود الآن هو خلط الأوراق ليس إلا.

لا مجال للمزايدة، إذ لا يمكن السكوت عن جرائم الثورة بدعوى أن الحديث يجب أن يقتصر على جرائم النظام، لا يمكن السكوت عن جرائم المقاومة بدعوى أن التركيز يجب أن ينصب حصرا على جرائم الاحتلال. هذا عن الثورة وعن المقاومة، فكيف الحال بالنسبة لمن هم مجرد عصابات تكفيرية؟

كيفما كان حال الواقع الذي نعمل على تغييره، غير مسموح لنا بأن نستجير بعصابات العنف التكفيري ولو مؤقتا. كان هذا أبلغ درس من الثورة السورية المغدورة. نعم، غير مسموح لنا بأن نستجير من الرمضاء بالنار. ولكي لا يحدث هذا علينا أن نتعلم شيئا أساسيا، ألا نقبل بخلط الأوراق.


كاتب مغربي

9