استراتيجية عراقية للحد من الفقر بعناوين فضفاضة

ظاهرة الفقر في العراق، وإن بلغت مداها خلال سنوات الحرب الثلاث الأخيرة على تنظيم داعش، هي أحد تراكمات تجربة الحكم الجديدة التي انطلقت في مرحلة ما بعد الغزو الأميركي وما تميّزت به من فشل وارتباك طال مختلف المجالات بما فيها المجال الاقتصادي ما جعل عملية التنمية في حكم المتوقّفة، وهو الأمر الذي انعكس بحدّة على الأوضاع الاجتماعية التي زادتها الأوضاع الأمنية سوءا.
الاثنين 2018/02/05
من ينقذها من الفقر ويحميها من اللصوص

بغداد - أعلنت الحكومة العراقية الأحد عن إطلاقها استراتيجية للحدّ من الفقر رحّبت بها دوائر سياسية وإعلامية، كإحدى الأولويات العاجلة في البلد لمعالجة التدهور الشديد في الأوضاع الاجتماعية، فيما عبّرت دوائر أخرى عن شكوكها في المسعى الحكومي محذّرة من أن يكون الإعلان عن هذه الاستراتيجية في هذا التوقيت بالذات مجرّد دعاية مرتبطة بالانتخابات المقرّرة لشهر مايو القادم والتي تعدّدت مظاهرها، من خلال رفع سقوف الوعود الحكومية عاليا دون تحقيق أي تقدّم يذكر في ملفات تشغل العراقيين بقوة مثل محاربة الفساد وضبط فوضى السلاح.

وتمتدّ استراتيجية الحدّ من الفقر، بحسب وزير التخطيط العراقي سلمان الجميلي، الذي أعلن عن إطلاقها الأحد في مؤتمر عقد بالعاصمة بغداد، على مدى أربع سنوات للفترة من 2018 ولغاية 2022.

ويستند المشكّكون في إمكانية تنفيذ تلك الاستراتيجية، إلى عدم وجود مصادر تمويل واضحة لإطلاق برامج حقيقية وفاعلة تغيّر أوضاع الملايين من العراقيين الذين انضمّوا خلال السنوات الأخيرة إلى الطبقة الفقيرة بفعل تضافر الظروف الاقتصادية مع الواقع الأمني المعقّد، فضلا عن وجود عائق الفساد الذي تعتبر أموال المساعدات الاجتماعية من “الغنائم” الأثيرة لدى “حيتانه” لسهولة الحصول عليها نظرا لصعوبة ضبطها والتأكّد من وصولها إلى مستحقّيها.

وخلال السنوات الثلاث الأخيرة التي دارت فيها الحرب ضدّ تنظيم داعش محدثة دمارا هائلا ومطلقة موجة نزوح كثيف، كانت قضيّة الاستيلاء على الأموال المخصّصة لمساعدة النازحين من قبل مسؤولين محلّيين من ضمن أكثر القضايا حضورا في العراق.

وقال الجميلي إن الاستراتيجية تعتمد على قاعدة بيانات دقيقة تشمل نسبة الفقر والأوضاع الاقتصادية للسكان على مستوى البلاد.

وأضاف أنها ستعتمد على التركيز على تنمية الطبقة الفقيرة، من خلال مشاريع تتيح فرص عمل للعاطلين، فضلا عن تقديم العون ضمن شبكة الرعاية الاجتماعية.

أموال المساعدات الاجتماعية في العراق من الغنائم الأثيرة لدى حيتان الفساد لسهولة الحصول عليها لانعدام آليات ضبطها

وترجع آخر الأرقام الرسمية المعلنة من وزارة التخطيط عن معدل الفقر في البلاد إلى نهاية 2013 وتحصره في حدود نسبة 16 بالمئة.

وتشير التقديرات إلى ارتفاع تصعيدي في معدل الفقر منذ ذلك الوقت بوصوله إلى 22 بالمئة خلال 2014، ثم ارتفع إلى 30 بالمئة خلال العام الماضي 2016.

وفي 2017 وعلى مدى ستة أشهر، أجرت وزارة التخطيط ما قالت إنّه “مسح شامل” للبلاد بشأن الأوضاع المعيشية ونسبة الفقر، لكنها لم تعلن أي نتائج إلى غاية الآن، بينما يشكّك الكثير من النشطاء في أن يكون المسح قد أنجز فعلا، مشكّكين في أن ما نشر سابقا من أرقام عن نسب الفقر في العراق مخفّف بدرجة كبيرة.

وقال الوزير الجميلي إن المسح الأخير “أظهر وجود مستوى مرتفع من الفقر ينبغي على الحكومة التعامل معه ومعالجته والتخفيف من آثاره”.

ويدلّ سكوت الوزير عن ذكر أي رقم في هذا المجال على هروب للتعميم، واللجوء إلى عناوين كبيرة لا ترتقي إلى تفاصيل استراتيجية حقيقية واضحة المعالم.

وزاد معدل الفقر في العراق منذ 2014 نتيجة الانخفاض الحاد في أسعار النفط الذي تشكل إيراداته نحو 95 بالمئة من نفقات الدولة.

كما ساهمت الحرب ضد تنظيم داعش خلال ثلاث سنوات، في تزايد حدة الفقر في البلاد نتيجة نفقاتها الباهظة وتدمير الكثير من البنى التحتية ومنازل السكان.

ولا تعتبر حرب داعش سوى عامل مضاعف لظاهرة الفقر في العراق، والتي بدأت تستوطن مع التجربة السياسية الجديدة التي انطلقت منذ ما بعد الغزو الأميركي وما تميّزت به من فشل فادح في السياسات الاقتصادية ما جعل عملية التنمية في حكم المتوقّفة بالكامل.

وفي ظلّ عدم وجود جهاز إحصاء موثوق في العراق، ومستقل عن التأثيرات السياسية، تقدّر منظمّات محلية ودولية نسبة الفقر في العراق بما يقارب الأربعين بالمئة، مع نسبة بطالة مشابهة.

كما يمثّل الفساد الحكومي الذي يجعل من العراق على لائحة أكثر بلدان العالم فسادا، عاملا مضاعفا للفشل الاقتصادي وما يستتبعه من انعكاسات اجتماعية.

وبلغ مدى الفقر في هذا البلد الذي تحتوي أراضيه على ثروات نفطية ومعدنية كبيرة، فضلا عن توفر المياه والأراضي الزراعية، حدّ عدم توفّر الأمن الغذائي لعدد هامّ من مواطنيه.

3