استراتيجية مواجهة داعش رهينة الوعي بتهديداته الثلاثة

الثلاثاء 2014/09/16
الضربات الجوية والخيار العسكري لا ينفيان أهمية الحل السياسي للأزمتين العراقية والسورية

واشنطن- صياغة استراتيجية شاملة لمواجهة تنظيم “الدولة الإسلامية” في منطقة الشرق الأوسط، تستوجب أخذ جلّ التهديدات التي يمثلها هذا التنظيم بعين الاعتبار، كما أنها منوطة بإيجاد حلّ حقيقي وعاجل للأزمة السورية، لا يمكن أن يصبّ طبعا في صالح نظام الأسد، حسب دراسة للباحث مايكل سينغ صادرة عن معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى.

يتركز النقاش العام في واشنطن بشكل مكثّف في الوقت الحالي على التهديد الذي تشكله الميليشيا الإرهابية التي تسيطر الآن على أراض شاسعة في العراق وسوريا، والتي تطلق على نفسها اسم “الدولة الإسلامية” المعروفة اعلاميا بـ”داعش”. إلاّ أنّ الحقيقة هي أنّ هذا التنظيم لا يشكل تهديداً واحداً فقط، بل ثلاثة تهديدات مختلفة يحتاج كلٌّ منها إلى استراتيجية خاصة به، تُصاغ على أساسها استراتيجية شاملة تكون كفيلة بإنهاء هذا الخطر الإرهابي وتجفيف منابعه.


ماهي التهديدات الثلاثة التي يمثلها داعش؟


يذهب مايكل سينغ في دراسته إلى أنّ التهديد الأول الذي تمثله “الدولة الإسلامية”، يتمثل في أنّ هذا التنظيم تسبب في زعزعة الاستقرار في رقعة كبيرة من الشرق الأوسط، من خلال تهديده ليس فقط لسوريا والعراق بل للبنان والأردن وغيرها من البلدان المجاورة أيضاً، وهو ما يمثّل تهديدا مباشرا لأمن المنطقة.

أمّا التهديد الثاني فيتعلق بالمقاتلين الأجانب، حيث أنّ “الدولة الإسلامية” تعدّ بمثابة مغناطيس جاذب لحوالي 12 ألف مقاتل أجنبي حتى الآن، عدد كبير منهم أتى من بلدان غربية هي الآن تبحث سبل السيطرة على هؤلاء الشباب إذا ما قرّروا يوما العودة إلى ديارهم، خاصّة أنّ استعمالهم ومشاركتهم في التخطيط لهجمات ضدّ بلدانهم يعدّ أمرا واردا.

أمّا التهديد الثالث والأخير، فيكمن في أنّ التنظيم أعاد انتباه الرأي العام الأميركي إلى الاحتمال المخيف القاضي بوقوع هجوم منظم واسع النطاق على الأميركيّين والمنشآت الأميريكية في الخارج أو حتى داخل الولايات المتحدة.

وفي ما يتعلّق بالهجوم على الولايات المتحدة، مازالت أجهزة الاستخبارات تخفف من هذا الاحتمال وتفيد بأنّ هذا الأمر يفتقد لأدلة موثوقة، فلا وجود إلى حدّ الآن لمعطيات ملموسة تشير إلى وجود أيّة مؤامرة قائمة من هذا النوع، لكن بطبيعة الحال قد يتغير ذلك، فالإمكانيات الواضحة لـ “الدولة الإسلامية” ومواردها وطموحاتها تستدعي الحذر، لاسيما وأنها تتحدى تنظيم “القاعدة” في مجال الهيمنة على الحركة الجهادية العالمية، وهي تهدّد بالانتقام من الضربات الأميركية.

و في هذا السياق، يستشهد مايكل سينغ في دراسته، بما أشار إليه مدير “المركز القومي لمكافحة الإرهاب” ماثيو أولسن، مؤخراً، حيث قال: إنّه من المهم أن يدرك الجميع أنّه سواء كانت الدولة الإسلامية تخطط لشن هجمات ضد الغرب أم لا، فإنها ليست سوى جزءاً من حركة جهادية عالمية تشمل منظمات أخرى ضالعة من دون شك في مؤامرات مماثلة. ومع كلّ الأحاديث المتواترة حول تراجع تنظيم “القاعدة” وأمثاله من التنظيمات التي فقدت السيطرة نسبيا لصالح تنظيم “داعش”، فمن المرجح أن تتم صياغة استراتيجية طويلة الأمد لتحديد التهديدات والتصدي لها أينما نشأت.

يجب أن تعلم الولايات المتحدة جيدا أن هزيمة داعش ومعالجة عدم الاستقرار في المنطقة يتطلب منها اتخاذ موقف سياسي جدي تجاه سوريا


مالذي يكسر شوكة الإرهاب؟


من جهة أخرى، يشير سينغ في دراسته الصادرة عن معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى إلى أنّ تهديد المقاتلين الأجانب ليس جديداً، فقد توجه الشباب إلى أفغانستان في ثمانينات القرن الماضي وإلى العراق في العقد الأول من الألفية الحالية وإلى مواقع صراعات أخرى أصغر حجماً في الفترة الفاصلة بينهما من أجل خوض الحروب. لكن يبدو أن هذا التهديد ازداد حدةً مع نشوء “الدولة الإسلامية” نظراً إلى النجاحات التي حققتها وإلمامها الإعلامي فضلاً عن ثروتها التي استولت عليها.

أمّا المقاتلون الأجانب الذين يتوجهون للقتال مع “الدولة الإسلامية” أو يبحثون عن ملاذٍ آمن في الأراضي التي تسيطر عليها فقد ينتشرون في يوم ما ويزعزعون استقرار دول أخرى في المنطقة، ومن بينهم أولئك الذين يحملون جوازات سفر غربية، الذين قد يسعون، جنباً إلى جنب مع المتطرفين “محليي النشأة” الذين يستمدون وحيهم من “الدولة الإسلامية”، إلى تنفيذ هجمات في الداخل مستوحاة من التنظيم وإن ليست بالضرورة بتوجيه مباشر منه.

ولأنّ الولايات المتحدة تتمتّع بخبرة طويلة في معالجة مثل هذه التهديدات التي تشكلها هذه التنظيمات، فهي على أتمّ الوعي بوجوب صياغة استراتيجية متعددة الجوانب لتحدي الأيديولوجية المتطرفة ومكافحة دفع الشباب إلى الأصولية، وهذا أمر لا يحصل بصفة مباشرة فقط بل أيضاً عبر الإنترنت.

إن هذا العمل يجب أن يستهدف الممولين والميسرين ويعيق تدفق المقاتلين الحالي من مناطق النزاع وإليها بالتعاون مع الدول المحاذية لها، ممّا يكسر شوكة الإرهاب الذي يبحث دائما على عقول بسيطة يسيطر عليها الجهل والانكفاء والتعصب ليسيطر عليها.

من ناحية أولوية التهديدات وأخطرها وأقربها لدى واشنطن، فإنّ التهديد الذي تشكله “الدولة الإسلامية” على مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، يبدو الأكثر إلحاحاً والأكثر صعوبة.

لكن “الدولة الإسلامية” ليست غولاً، بل هي تمثل تحدٍّ يمكن للولايات المتحدة رفقة حلفائها التصدي له. فقد استفاد التنظيم من ضعف خصومه وقلّة تنظيمهم، وازدهر في مناطق نائية غير خاضعة للسلطة ولّدتها الحرب الدائرة في سوريا، وكان المستفيد المباشر من تغاضي العالم عن الملف العراق وسوء الحكم ضيق الأفق في بغداد. وحظيت “الدولة الإسلامية”، من ثمة، بسنوات لإعداد ساحة المعركة وكانت تعمل بنشاط في السنوات الثلاث الماضية دون تسليط إعلامي عليها.

وفي هذا السياق، فقد سبق لمايكل نايتس، من معهد واشنطن، أن أشار إلى نقاط الضعف العسكرية “للدولة الإسلامية”، حيث أنها تعتمد على التنقل، وغير مجهزة للمواقف الدفاعية، كما أنّ الإرهاب نفسه الذي تستخدمه لترويع المعارضين يجعلها تفتقر لأيّ حليف.

ويمكن دحرها من خلال المقاربة المناسبة. ولكن كما أنّ التصدي للتهديد المتعدد الأوجه الذي تشكله يتطلب أكثر من مجرد تدمير لوحداتها شبه العسكرية، فإنّ تحقيق استقرار العراق وسوريا سيحتاج إلى أكثر من إلحاق هزيمة بـ“الدولة الإسلامية”.


كيف تسلك طريق مقاومة داعش سياسيا؟


إذا أرادت واشنطن القضاء على الإرهاب فعليها أن تعلم أنّ الطريق السليمة تسلك عبر حلّ الأزمتين السياسيتين في كلّ من العراق وسوريا؛ ففي ما يتعلق بالملف العراقي، يبدو أن الرئيس الأميركي باراك أوباما، قد توصل أخيراً إلى استراتيجية واضحة؛ رغم أنّ امتناعه في البداية، عن الالتجاء إلى القوة لتحفيز السياسيين في بغداد على إنهاء نزاعاتهم بمفردهم، يدلّ على استخفافه بعمق الانقسامات القائمة بينهم وبسرعة تقدم مقاتلي الدولة الإسلامية”.

بالنظر إلى التهديدات الثلاثة التي تمثلها داعش، فإن هزيمتها تشكل هدفا صائبا وأولوية طارئة من خلال التركيز على التهديدات وليس فقط على التنظيم

لكن ذلك الجمود لم يدم، فحين قررت الولايات المتحدة أخيراً أن تجمع بين الدبلوماسية والقوة معاً بدأت الأمور تتحرك أكثر؛ فقد تنحى رئيس الوزراء السابق نوري المالكي وتم وضع حدّ لتقدم “الدولة الإسلامية” وبدأ الحلفاء بالانضمام إلى مساعي الولايات المتحدة.

في هذا الإطار وجب التنويه بهذه الخطوة الأولية التي تعتبر جيدة، رغم أنّ الوضع في العراق قد يتطلب الكثير من الجهود الإضافية وقد يكون من الضروري في النهاية استعمال المزيد من القوة.

أمّا في ما يتعلق بسوريا، فيجب أن تعلم الولايات المتحدة جيدا أنّ هزيمة “الدولة الإسلامية” ومعالجة عدم الاستقرار في المنطقة على حد سواء سيتطلب منها اتخاذ موقف سياسي جدّي تجاه سوريا أيضاً، وهي مشكلة ضخمة عجزت واشنطن عن التصدي إليها بشكل مناسب في السنوات الثلاث والنصف الماضية.

وإذا لم تنجح الولايات المتحدة في ذلك، فلن تقدم سوريا عمقاً استراتيجيّاً “للدولة الإسلامية” فحسب، بل ستوفر أيضاً ملاذاً آمناً للإرهابيين وتؤدي إلى تسرّب عدم الاستقرار عبر حدودها الإقليمية.

ولذلك فإنّ حديث الرئيس الأميركي عن صياغة استراتيجية لسوريا، ليس فقط من أجل دحر “الدولة الإسلامية” هناك، بل لتغيير الديناميات التي تحرك الصراع وتخلق الظروف المواتية لإرساء الاستقرار في البلاد، يعدّ صائبا. إلاّ أنّ المعضلة لا تكمن في كيفية تصميم هذه الاستراتيجية، فقد قدم العديد من المحللين والمسؤولين مقترحاتهم خلال السنوات الثلاث الماضية، بل تكمن في السبب الذي جعل الإدارة الأميركية تمتنع عن اعتماد إحدى هذه الاقتراحات منذ فترة غير قصيرة وتبدأ بتطبيقها.

ومثل هذه الاستراتيجية التي نتحدث عنها، لن تتطلّب شن ضربات جوية على “الدولة الإسلامية” فحسب، بل ستحتاج أيضاً إلى تقديم الدعم للمعارضة السورية المسؤولة، التي تشمل الأكراد السوريين، وممارسة المزيد من الضغط على نظام الأسد -الذي قام بعمليات قتل أكثر بكثير من التنظيم الإرهابي باستخدامه لأساليب لا تقل وحشية، وإن لم يكن مصرّاً على نشرها كما تفعل “الدولة الإسلامية” – بالإضافة إلى التواصل مع الأقليات في سوريا وطمأنتها، علماً أن الكثير منها كانت قد دعمت الأسد وهي تخشى، لأسباب وجيهة، من الثأر الطائفي إذا ما سقط النظام. وستهدف هذه الخطوات إلى إرساء الاستقرار في مناطق في سوريا تحت سيطرة المعارضة ووضع الصراع السوري على المسار الصحيح باتجاه الحل.

هذه الخطوات التي تم الترويج لكل خطوة منها على حدة، في وقت سابق، من قبل مستشاري الرئيس أوباما، تشكل مجتمعةً مقاربة نحو المتطلبات الاستراتيجية والإنسانية للولايات المتحدة التي يتعيّن على أوباما اعتمادها.

وبينما يطالب هذا الأخير ويصر أن يتحمل الحلفاء حصتهم من العبء، عليه أن يعي بأنّه ليس بإمكانه الحصول على دعمهم قبل أن يقدم خطة يجمعهم وراءها ويتمكن من إصدار متطلبات محددة للمساهمة.

خلاصة القول، يخلص مايكل سينغ في دراسته الصادرة عن معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى إلى أنّه بالنظر إلى التهديدات الثلاثة التي تُمثلها “الدولة الإسلامية” على المصالح الأميركية، فإنّ هزيمتها تشكّل هدفاً صائباً وأولوية طارئة. لكن يجب على الولايات المتحدة أن تركز على هذه التهديدات وليس فقط على التنظيم.

ورغم أنّه من الممكن الحد من التهديدات وإلحاق هزيمة بـ “الدولة الإسلامية” بمساعدة الضربات الجوية، إلّا أنّ مثل هذه الضربات وحدها لن تنهي خطر الإرهاب أو عدم الاستقرار الذي يعاني منه العراق وسوريا. إن ذلك سيتطلب من واشنطن ممارسة مجموعة من الأدوات السياسية بطريقة تكمل بعضها البعض، وأبرزها الاهتمام والالتزام المستدامان في المنطقة التي من المغري الابتعاد عنها، نظراً للتحديات المستعصية التي تطرحها على ما يبدو، ولكنها تبقى حيوية لمصالح الولايات المتحدة في العالم.

6