استرجاع تكريت وسيكولوجيا الغالب والمغلوب

الثلاثاء 2015/03/17

تتحكم فينا نحن العراقيين سيكولوجيا الغالب والمغلوب، وأقبح ما فيها أنها تعتمد القتل بطريقة الثأر الجاهلي، بل إن المغلوب إذا صار غالبا، في قيمنا، فإنه يستحضر كلّ حيف لحق به حتى لو مضى عليه ألف عام ليأخذه أضعافا من أحفاد أحفاد الذي كان غالبه. وهذا ما أثبتته أحداث التغيير “الديمقراطي” التي وصل فيها دافع انتقام الغالب والمغلوب العراقيين إلى التصفية والتمثيل بالضحية حتى لو كان هو وأبوه وجده السابع عشر ما اعتدوا على أحد.

تابعنا أحداث استرجاع تكريت من منظور سيكولوجي، فوجدنا أن سيكولوجيا الغالب والمغلوب تجسّدت في أكثر من مشهد. فمع أن بين أهل تكريت من استقبل مقاتلي الجيش والحشد الشعبي بالترحاب والزغاريد، صدقا أو دفعا لشر، فإنهم صُدموا حين قرأوا على “بيريّات” بعض المقاتلين عبارات أفزعتهم “يا لثارات الحسين، لبيك يا حسين”، فراحت مخاوفهم تستحضر الماضي، وأخذتهم إلى أن تكريت في نظر الشيعي القادم إليها بزي المقاتل، مطلوبة بثأر عشرات الآلاف من الذين دفنتهم أحياء، وأن دمه يغلي للانتقام الذي يشفي الغليل، وأن تكريت هي مسقط رأس “الطاغية” الذي أذلّ الشيعي وجعل لقب “التكريتي” فوق كل الألقاب، وتصور سيكولوجيا الغالب والمغلوب الأمر للطرفيْن بأن ساعة الحساب قد حقت.

مشهد آخر جسّد سيكولوجيا الغالب، أن رؤساء وممثلي الكتل السياسية الشيعية وفصائل المقاومة (المليشيات) دخلوا المدينة “فاتحين”، وبينهم من افترش شوارعها أو دخل جوامعها وصلّى “مسبل اليدين”، بطريقة لها أكثر من دلالة سيكولوجية. إنها تشكل استفزازا لسنّة تكريت، وتحمل رسالة ضمنية تقول لأهل تكريت إننا نحن الشيعة الذين حررناكم من داعش، وإنكم مدينون لنا بهذا الفضل، وسدادكم له يكون بطاعتكم لنا.

مشهد ثالث عزز هذه السيكولوجيا جسّدته وسائل إعلام شيعية أخذت تفاخر بنصرها الذي صورته شيعيا خالصا. وسارعت رموز شيعية إلى التواجد في تكريت بعد استعادتها، وتصرفوا بتنافس ومزايدة، شارك فيها حتى الذين اتهموا بأنهم كانوا السبب في احتلال داعش لتكريت.

ولعبت وسائل إعلام عربية وأجنبية دورا مغرضا بأن أظهرت ما يحصل بطريقة توحي بأن الشيعة دخلوا تكريت لأخذ الثأر بذريعة استرجاعها من داعش، وأن الإيرانيين هم الذين يقودون أو يشاركون في المعارك، وأنهم سينتقمون من اهلها شرّ انتقام لأن “ابنها صدام التكريتي” هو الذي أباد مئات الآلاف من الإيرانيين، يعزز ذلك تواجد قادة إيرانيين وصفوا بأنهم مستشارون، فيما واقع الحال أنهم في ساحات المعارك، لأن المستشار ينبغي أن يكون مكانه في بغداد.

اللاعبان الخطيران اللذان يثيران الفتنة بين سنّة العراق وشيعته ويوظفان سيكولوجيا الغالب والمغلوب في استرجاع تكريت، هما أميركا وإيران. فقبل أن يكتمل النصر على داعش في صلاح الدين صرّح المستشار الإيراني علي يونسي بنفس امبراطوري ”العراق لا يمثل مجرد مجال حضاري لنفوذنا فيه، بل هو هويتنا وثقافتنا، وجغرافيا العراق وإيران لا يمكن فصلهما وليس أمامنا مع العراق سوى خياريْن؛ إما أن نحارب أو نصير حالة واحدة”. وفي أيام الحدث نفسها أشار الجنرال الأميركي ديمبسي إلى أن “تعمّق النفوذ الإيراني في العراق يثير قلقا في المنطقة”، تبعه هايدن المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية معبّرا عن عدم ارتياحه للنفوذ الإيراني في العراق الذي “أصبح مؤكدا مع الهجوم على تكريت الذي تشنه القوات العراقية ومليشيات شيعية مدعومة من إيران”.

إزاء هذه التصريحات فإن “الغالب الإيراني” سيثير رعب أهل تكريت، بأخذ الثأر بطريقة أقسى من تلك التي جرت في بغداد عام 2003 لعدد من الطيارين والضباط الذين شاركوا في الحرب ضد إيران.

بالمقابل برزت تصريحات غير موضوعية لأبرز قائد ميداني في الحشد الشعبي هادي العامري بقوله “لولا قاسم سليماني لسقطت بغداد، وعلى العراقيين أن يقيموا تمثالا لقاسم سليماني”، وفي هذا تفعيل لسيكولوجيا الغالب الإيراني وإجحاف بحق المقاتلين العراقيين وتقليل من قوة الجيش الذي استرد في تكريت بعض ما كان قد خسره من اعتبار وهيبة في سقوط الموصل.

التطرف في المعارك التي تنتهي بغالب ومغلوب يكون في أقصى اندفاعاته، فالمتطرف السني يعدّ ما حصل “جرائم ترتكبها ميليشيات شيعية”، بل إن اتحاد القوى (الممثل السياسي للسنّة) كان ضد العمليات في صلاح الدين، ثم ساندها، وشارك بتسعمئة مقاتل بينهم مئتان وخمسون من مدينة تكريت، وذلك يعود إلى المرجعية الدينية في النجف التي حرّمت الاعتداء على المواطنين والتجاوز على ممتلكاتهم.

لضمان احتواء سيكولوجيا الغالب والمغلوب، ينبغي الترويج لاسترجاع تكريت بأن نعدّه نصرا عراقيا لا نصرا شيعيا، وأن يكون للجيش العراقي الدور الرائد في هذا التحرير، سيما وأن وزير الدفاع العراقي، خالد العبيدي، أكد وجود تنسيق ميداني بين قيادات الجيش والحشد الشعبي، وأن يكون مسك الأرض في المدن المسترجعة من قبل أهلها، كالذي حصل في ناحية العلم، وأن تخص الحكومة المركزية (الشيعية) عوائل النازحين في مدن صلاح الدين وقراها برعاية استثنائية، بصيغة المواطنة لا بصيغة المنّة، وأن تولي الخدمات والبنى التحتية في مدينة تكريت اهتماما خاصا، بدءا من إعادة أبنية جامعة تكريت التي تحولت إلى أطلال.

سيكولوجيا الغالب والمغلوب ستأخذ أبعادها بعد اكتمال استرجاع تكريت ما لم نعمد إلى احتوائها، لا عسكريا وسياسيا فقط، بل وسيكولوجيا بالاستعانة بالمتخصصين بعلم النفس السياسي. وعلينا أن ندرك أن استرجاع تكريت فرصة التاريخ لاحتواء الطائفية في العراق وخلاص أنفسنا من عقدة الغالب والمغلوب التي كلفنا ثأرها الجاهلي وتوظيفها من قبل سياسيين طائفيين، عشرات الآلاف من الضحايا الأبرياء.

رئيس الجمعية النفسية العراقية ومؤسسها

9