"استسلام" ميشيل ويليبك: الرواية التي لم تتوقف عن إثارة الجدل

الأحد 2015/10/11
روايته أثارت عاصفة نقدية وكشفت عن الهوة الكبيرة بين الغرب والشرق

يتعلق الأمر بالرواية السادسة لهذا الكاتب الفرنسي المثير للجدل التي تساءل النقاد بشأنها: هل هي مجرد رواية أم شرارة لإذكاء الرهاب الإسلامي (الإسلاموفوبيا).

وهي تدخل في سياق مجموعة من الأعمال المشابهة حديثة الصدور التي تميل إلى تصوير انحطاط المجتمع الفرنسي وفساد المخيّلة السياسية وتورّم الهواجس الوطنية من قبيل “الاستبدال الأكبر” لرونار كامو “الانتحار الفرنسي” لإريك زمّور و”الهوية الشقية” لألان فانكيلكروت.

وهي وإن كانت تتقاسم مع هذه الأعمال إدانة الأنظمة السياسية الإصلاحية ونظرة الفضول إلى الظواهر الدينية فإنها تتفوق عليها من حيث أنها العمل الوحيد الذي تناول فيه مؤلفه الفرنسي بطريقة روائية تصوير التحولات الهائلة التي يهجس بها الجميع من دون أن ينجحوا في تحليلها أو بيان مداها وخلفياتها.

إننا أمام نوع روائي يطلق عليه النقد مصطلح “التخييل السياسي”، ويصفه قاموس لاروس بأنه ذلك اللون الروائي الذي يفسّر الحاضر بواسطة تخيّل المستقبل. ولكن عن أيّ مستقبل تتحدث رواية “استسلام”؟

وبالنسبة إلى الملحق الثقافي لجريدة لوموند الفرنسية، فإن فرنسا تمثل في هذه الرواية نموذج الدولة التي تخلّت عن تاريخها وتركت أمجادها وراءها وتنكّرت لهويتها.. بينما يمثل الإسلام ديانة معتدلة تفرض على أوروبا الانبطاح أمامها والاستسلام لإغرائها بل وتجعل منها مصيرا ومآلا.. وذلك في هذا الوقت الذي ينتشر فيه العداء للإسلام وتتكاثر فيه الأحداث المناهضة للمسلمين في عموم أوروبا والعالم.

وهذا الرأي ليس صادرا عن كاتب هامشي لا أهمية لموقفه، بل عن مؤلف مشهور هو ميشيل ويلبيك، له ناشر باريسي ذو نفوذ واسع هو دار فلاماريون، ويستقطب اهتمام نخبة النقاد الفرنسيين البارزين.. ومن هنا أهمية أن يتعرّف القارئ العربي على مضمون هذه الرواية ويقف على أبعادها الأيديولوجية والأدبية والجمالية.

وإذا كان من غير اليسير تلخيص الخطوط العريضة لهذه الرواية بسبب تشعّب أحداثها واختلاط وقائعها على نحو تتحوّل معه إلى ما يشبه المتاهة، فلا أقلّ من أن نحاول أن ننقل للقارئ العربي صورة بانورامية عن أجوائها وثيماتها الأكثر بروزا وإلحاحا على أمل وضعه في صورة هذه الرواية الانقلابية مضمونا وشكلا كما نأمل أن نوفق في بيان ذلك.

ويلبيك اشتهر بحوار أجرته معه سنة 2001 مجلة (لير) بصدد الإسلام الذي نعته بأوصاف شنيعة.. غير أن طريقة تعامله مع موضوع الإسلام الشائك في هذه الرواية تغيرت بمقدار 180 درجة

فرانسوا، بطل رواية “استسلام”، فرنسي أعزب في الأربعين من عمره يعمل أستاذا في جامعة السوربون متخصصا في الكاتب جوريس-كارل هويسمان من أهل القرن التاسع عشر. وهو يوزع أوقاته بين إعطاء دروس في الكلية وتسخين أطباق الطعام في الميكرو أوند ، وبين مغامراته العاطفية العابرة مع الطالبات في برجه العاجي بالدائرة الثالثة عشرة بباريس.

أما أحداث الرواية فتدور حول تحوّل فرنسا سنة 2022 إلى دولة إسلامية في أعقاب انتخابات جمهورية سليمة ومن غير أيّ تدخل خارجي ولكن بفضل ممارسة اللعبة السياسية والتزام أسلوب التحالفات.

وينطلق المؤلف ويلبيك من ملاحظة أن الحزبين المتحكّمين في الحياة السياسية الفرنسية منذ الحرب العالمية الثانية، أي وسط اليسار ووسط اليمين، كانا قد فقدا مصداقيّتهما وانتهيا إلى الهامش، وبأن القوة السياسية الوحيدة التي ظلت تفعل في الواقع هي “الجبهة الوطنية” (الحزب اليميني العنصري الذي ترأسه مارين لوبين). وهو يتخيل أن هذه الأخيرة ستدخل في مواجهة قوة أخرى لا أحد يعرف كيف انبثقت على وجه التحديد بعد العهدة الثانية البئيسة للرئيس فرانسوا هولاند، وهي حزب “الأخوّة الإسلامية”.

وكانت الانتخابات الرئاسية لسنة 2022 قد جرت بين مارين لوبين، زعيمة الحزب اليميني الفرنسي، ومحمد بن عباس، الإسلامي المعتدل القريب في مظهره الطيب من مهاجر تونسي يدير محل بقالة في الضاحية الباريسية، والذي لم يكن يورّط نفسه في معاداة السامية أو مساندة القضية الفلسطينية وإنما يسعى إلى توسيع دائرة مناصريه لتشمل الفرنسيين غير المسلمين.

وهكذا تضعنا الرواية من أول وهلة أمام حزبين ديمقراطيين هما “الجبهة الوطنية” و”الأخوّة الإسلامية” احتكما إلى مخادع التصويت بعد أن تمكنا من تليين أجنحتهما المتطرفة، الأول في شخص المتعصبين للهوية الفرنسية، والثاني في شخص جماعات الجهاد. وقد كان بوسع مارين لوبين أن تفوز بنسبة الأصوات لولا أن الناخبين قد رفعوا شعار “كل شيء إلا الجبهة الوطنية”، وأن الحزبين الأساسيين “الاتحاد من أجل الحركة الشعبية برئاسة ساركوزي” و”الحزب الاشتراكي برئاسة هولاند” قد عمدا إلى تشكيل جبهة جمهورية موسعة للوقوف إلى جانب المرشح بن عباس الذي انتخب رئيسا كما لم يكن يتوقع أحد ذلك.

عن أيّ مستقبل تتحدث رواية "استسلام"

وفي أعقاب ذلك الفوز الساحق للجبهة الإسلامية شعر الفرنسيون في البداية ببعض الارتباك لعدم رؤيتهم في الشارع لنساء يلبسن تنورات، ثم بعد ذلك لعدم رؤيتهن بالمرة في الفضاء العمومي، ولكنهم مقابل ذلك ازدادوا إيمانا بالمستقبل وشاهدوا كيف كانت مغادرة النساء لسوق الشغل سببا في شغور ملايين مناصب العمل مما جعل شبح البطالة مجرد ذكرى بعيدة.. واستعاضوا عن منظمات الاحتياط الاجتماعي بمبدأ التضامن العائلي ذي الجذور الإسلامية، وكفّت الدولة عن دعم الصناعة التي كانت آخذة في الانحدار وأولت اهتمامها بدلا من ذلك لتشجيع الحرف اليدوية والصنائع التقليدية ودعم المقاولات الفردية الصغرى، وصارت الشريعة هي القانون الذي ينظم مجتمعا استعاد طابعه الأبوي وصار أقل حرية ولكن أكثر اطمئنانا وسعادة. وها أن محمد بن عباس سيصبح أول رئيس منتخب في أوروبا التي توسّعت لتشمل بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط كلها وسوف يكون لها وزنها وكلمتها من جديد في العالم. أما مصطلحات العلمانية والأمن القومي والنزعة المادية الملحدة فقد عفا عليها الزمن، وحلّت محلها مصطلحات الإسلام التي ستمنح للقارة العجوز فرصة أخرى وعهدا ذهبيا جديدا.

ومنذ الشهور الأولى لتولية محمد بن عباس الحكم سيقوم بمضاعفة أجور رجال التعليم ثلاث مرات مما سيحفز المزيد منهم على اعتناق الإسلام، وستصير البطالة محض ظاهرة متلاشية تعود إلى الأزمنة الغابرة طالما سيوفر انقطاع النساء عن العمل ملايين الوظائف.. وهكذا، وكما يحدث في المعجزات، سوف تختفي تماما طبقة الرعاع والأوباش وتتراجع موجة الانحراف بمقدار تسعين في المئة بين يوم وليلة (وهو ما يعني سياسيا ارتباط الانحراف بالأصول الدينية).

وستكون أول إجراءات الحكومة الجديدة هي توجيه البنات إلى مدارس التدبير المنزلي مباشرة بعد التعليم الابتدائي، ومنعهن من العمل وحظر ارتداء التنورات المخلّة بالحياء ثم تزويجهن ابتداء من 15 سنة برجال متعددي الزوجات.

لكن الرواية تتجاوز كل ذلك وتُبرز عمق المفارقة عندما تأخذ على عاتقها تصوير اللحظة التي يقدم فيها السارد على اعتناق الإسلام. وهو يفعل ذلك مثل الكثيرين لأغراض انتهازية لا تخفى: فلا أقلّ من أن ذلك يضمن له العودة إلى الاندماج في السوربون التي صارت كلية قرآنية، والاستفادة من شقة وظيفية رائعة والاستمتاع بثلاث زوجات، اثنتان منهما في مقتبل العمر للاستعمال الحميمي، وثالثة متقدمة في السن لتدبير شؤون المطبخ.

ومعلوم أن الكاتب ويلبيك كان قد اشتهر بحوار أجرته معه سنة 2001 مجلة “لير” (اقرأ) بصدد الإسلام الذي نعته بأوصاف شنيعة.. غير أن طريقة تعامله مع موضوع الإسلام الشائك في هذه الرواية تغيرت بمقدار 180 درجة إذ هذه المرة نجده يقدم الإسلام كديانة غاية في الاعتدال والتسامح وهلّم جرا.

غير أن الجانب الذي يفاجئنا في رواية “استسلام” ليس هو تغيّر موقف الكاتب تجاه الإسلام، وإنما هو جانبها السياسي حيث تقذف بنا إلى مستقبل قريب لا تفصلنا عنه سوى ثماني سنوات وتتخيّل انتخابات ديمقراطية ستحمل إلى سدة السلطة شخصا يدعى محمد بن عباس هو زعيم حزب خيالي هو “الأخوّة الإسلامية” يلحّ ويلبيك على وصفهما بالاعتدال “الزعيم والحزب”.

ومن الناحية الأدبية، تحيلنا أجواء هذه الرواية “استسلام” على معتاد طريقة ويلبيك التي تثير الاستغراب والتقزز معا وتمثل وصفته المحببة في جميع رواياته.. وهي تصوير شخصية الأوروبي الأعزب المسكون بهواجسه وأهوائه الجنسية والذي يعاني من مصاعب التواصل مع زملائه في العمل.. وكذلك الشأن بالنسبة إلى تقنياته الأسلوبية المألوفة مثل رسم بعض الكلمات بالحروف المائلة إمعانا في النزعة الشعبوية.. ومجاورة الأفكار الكونية (كانط مثلا) مع ما يقرأه في مواقع التواصل الاجتماعي من بذاءات.

الرواية تُبرز عمق المفارقة عندما تأخذ على عاتقها تصوير اللحظة التي يقدم فيها السارد على اعتناق الإسلام

وعلينا التجاوز على بعض الوقائع الخارقة التي لا تصدق مثل تلك المظاهرات الحاشدة التي كان مسرحها أهم ميادين باريس وشهدت مواجهات مسلحة وحرائق هائلة من دون أن تخبر بذلك وسائل الإعلام الفرنسي كما لو أننا نعيش في عهود القرون الوسطى وليس في عصر العولمة.

ثم هناك شيء من “السياحة الروائية” حيث يطوف بنا ويلبيك في مدن وبلدان بعيدة بغير مبرر منطقي مقنع اللهم الاستطراد وتسويد الصفحات.. وأما “السياحة الجنسية” القائمة على التعدد والتبادل فقد شكّلت على الدوام هاجسا لدى شخوص ويلبيك.. وهو هنا يزيد على ذلك بأن يغمز في وجه الحركة النسوية حيث يقول بطل الرواية “في الواقع، لم أقتنع أبدا بأن إعطاء المرأة حق التصويت فكرةٌ جيدة، ولا السماح لها بتلقي نفس التعليم الموجه للرجل، ولا شغل نفس المناصب..”.

وبالفعل فقد كان موضوعا الإسلام ومكانة المرأة في المجتمع يشكلان وقودا لذلك النوع العسير من النقاشات الاستعراضية التي يبرع ويلبيك في الخوض فيهما، وصارا اليوم سببا في الانطباع الملتبس الذي نخرج به من قراءة هذه الرواية بالذات حتى قال الناقد الأدبي لمجلة الإكسبريس الفرنسية: بكل صراحة إننا أمام عمل فاشل بدفاعه عن أطروحات مستفزة ومغلوطة.

أما المئة صفحة الأخيرة من الرواية التي يكرسها الكاتب لاستعراض آراء رئيس الجامعة الإسلامية (باريس- السوربون) حول الحضارة الغربية والإسلام فهي صفحات على درجة عالية من الرتابة والملل.

غير أن ويلبيك يضيف باليد الأخرى لمساته الفنية كروائي.. فهناك صفحات رائعة حول الكاتب هويسمان (الذي كان السارد أستاذا جامعيا متخصصا في أدبه) وحول الكتاب الكاثوليكيين لنهاية القرن التاسع عشر وحول الأدب عموما.. كما أننا نعثر في هذه الرواية على جميع ما عوّدنا عليه ويلبيك من مشاهد عاطفية بل وجنسية أحيانا.

والخلاصة أن رواية “استسلام” بتناقضاتها وعزفها على وتر الإسلاموفوبيا تقدم دليلا جديدا على ذلك الهاجس الذي يسكن الفرنسيين ويؤجج خوفهم من “استسلام” فردي وجماعي للإسلام.

13