استطلاعات الرأي مرتكز أساسي لتوجيه صانعي القرار في المغرب

يمثل استطلاع الرأي العام ابتكارا اجتماعيا وإعلاميا ووسيلة للاطلاع على ميول الأفراد والجماعات الاجتماعية المختلفة، وأصبحت هذه الوسيلة تحتل مكانة مهمة ويعتبرها البعض مؤشرا أساسيا على اتجاهات السياسات العامة في الدولة والمجتمع، والرأي العام، وهي ظاهرة تسمح للمواطنين بالتعبير عن رأيهم الصريح والحقيقي في الاختيارات السياسية المطلقة عبر صناديق الاقتراع في العمليات الانتخابية. ويعتبر العالم العربي حديث العهد بمثل هذه البرامج.
الأربعاء 2016/08/24
الاستطلاعات محرك الانتخابات

الرباط – تطفو إلى السطح، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية لاختيار نواب الأمة المغربي في السابع من أكتوبر المقبل، نقاشات حول مدى الحاجة إلى استطلاعات الرأي ونجاعتها وتأثيرها كتقنية من تقنيات البحث الميداني لسبر أغوار توجه الرأي العام في تقييم أداء الحكومة، ومدى تفاعل الأحزاب مع برامجها وأيديولوجيتها واختياراتها.

ويتصاعد الاهتمام المغربي بهذا الموضوع مع بيان أصدرته وزارة الداخلية المغربية الاثنين 22 أغسطس، يقضي بمنع نشر وسائل الإعلام نتائج استطلاعات الرأي لمدة شهر قبل موعد الانتخابات البرلمانية مهددة بالملاحقة القانونية التي “ستصبح ذات طبيعة جنائية (السجن) بالنسبة إلى كل نشر”، وذلك “حفاظا على مصداقية ونزاهة الانتخابات”.

ونظرا إلى أن استطلاعات الرأي تعتبر أداة من أدوات التأثير على توجهات الرأي العام ومعرفة ميولاته واختياراته السياسية والثقافية والاجتماعية ودعما للشفافية والديمقراطية، لا يؤكد عباس بوغالم، أستاذ العلوم السياسية بجامعة المولى إسماعيل، في حديثه لـ”العرب”، على أن آلية استطلاعات الرأي ينبغي أن تشكل عملا موازيا للفعل والممارسة السياسية وعنصرا أساسيا في تعزيز الممارسة الديمقراطية بالمغرب، الأمر الذي يقتضي تقنين عملية استطلاعات الرأي.

وأكد محمد بنصالح، أستاذ الحياة السياسية في مدرسة الحكامة والاقتصاد بالرباط، لـ”العرب”، أنه من الطبيعي أن ترسخ استطلاعات الرأي قيم الشفافية والديمقراطية وقدرة المواطن على التأثير في صناعة القرار، لكن هذا مشروط بأن يتعامل الخاضع لهذا الاستطلاع بحرية وجدية ومسؤولية مع الأسئلة.

أما عبدالإله السطي، الباحث في العلوم السياسية، فتحدث لـ”العرب”، مشيرا إلى أن عملية استطلاع الرأي العام تحولت إلى آلية أساسية لضبط مؤشرات واتجاهات السياسات العامة داخل البلدان الديمقراطية، فهي أضحت تعتبر وحدة قياس رئيسية في عملية صناعة القرار السياسي، وبالنسبة إلى المغرب يجب الإقرار بأنه حديث العهد في التعامل مع مثل هذه الآليات والبرامج التي تقيس توجهات الرأي العام نحو قضية مجتمعية، أو اختيار سياسي أقدمت عليه الحكومة المغربية.

استطلاعات الرأي تعتبر أداة من أدوات التأثير على توجهات الرأي العام ومعرفة ميولاته واختياراته

شروط النجاح

المعروف أن استطلاعات الرأي تحتاج إلى بيئة قانونية واجتماعية وبحوث أكاديمية وجرأة سياسية لانتشارها باعتبارها منطلقا أساسيا في رسم استراتيجية بعيدة المدى للفعل والممارسة السياسية. وكنتيجة لذلك يرجع عباس بوغال، أستاذ العلوم السياسية، غياب استطلاعات الرأي في المغرب، إلى غياب للبيئة الحاضنة لتطور آلية انتشار استطلاعات الرأي، بسبب خضوع الفعل السياسي بالمغرب للضبط والتوجية.

ويضيف أن تحقيق التراكم المطلوب على هذا المستوى وتطوير لثقافة استطلاعات الرأي يتطلب التراكم الكافي في بحوث العلوم الاجتماعية، والتوفر على الإمكانيات الموضوعية واللوجيستية لإجراء استطلاعات رأي محايدة، والشروط العلمية للقيام بذلك.

وإذا كانت استطلاعات الرأي تشترط درجة عالية من الديمقراطية، فإنها تقتضي أيضا استقلالية كاملة، والحال أن هذا المجال كما يؤكد على ذلك بوغالم، لا يزال خاضعا للعديد من القيود ولا يزال محفوظا بشكل كبير بالنسبة إلى الجهات الرسمية لا سيما في ما يرتبط بمجال السلطة، وهذا ما يفسر غياب أو ندرة استطلاعات الرأي في ما يتعلق بموضوع الانتخابات. ومازالت العملية الانتخابية خاضعة للمراقبة والضبط من قبل جهة واحدة في المغرب وهي وزارة الداخلية، وبالمناسبة فهي الجهة الوحيدة التي لها الحق في إجراء استطلاعات الرأي بشكل فعلي، لأن ذلك يشكل جزءا من صلب عملية ضبط العملية الانتخابية.

وفضلا عن شرط الاستقلالية، يقتضي موضوع استطلاعات الرأي درجة عالية من الموضوعية والتجرد من المواقف الذاتية وعدم التحيز لهذا الطرف أو ذاك، إضافة إلى شرط المهنية والاحترافية اللتين تقتضيان احترام الشروط العلمية لإجراء استطلاعات الرأي.

وإن كانت السنوات العشر الأخيرة حسب عبدالإله السطي عرفت طفرة نوعية في محاولة تطوير برامج استطلاع الرأي العام، لما لها من أهمية بطبيعة الحال في إسباغ نوع من الشفافية على بعض القرارات السياسية المتخذة، وأيضا في ترسيخ أدوات الديمقراطية التشاركية التي تعتبر الرأي العام مشاركا في عملية صناعة القرار السياسي.

ثقافة صاعدة لترسيخ التوجهات الديمقراطية

الضبط القانوني

وبالنسبة إلى الضوابط المؤطرة لعملية سبر الرأي العام، يعتبر استخلاص الرخصة مسبقا من الجهات المسؤولة لإجراء استطلاع الرأي تدخلا ضمن الآليات الروتينية المعمول بها لدى معظم البلدان الديمقراطية. واعتبرت وزارة الداخلية أنه “في غياب إطار تشريعي يقنن استطلاعات الرأي ومراقبتها، فإن هذه الاستطلاعات تبقى غير مضبوطة ومنحازة في الكثير من الأحيان”.

والتساؤل المطروح هو هل عدم تقنين استطلاعات الرأي لا يوجب المنع كليا؟، هنا يؤكد السطي أنه مادامت الحكومة لم تفرض ضوابط قانونية وإجرائية حول عملية استطلاع الرأي العام، فلا مجال للحديث هنا عن أي قيود أو تدخل سيبيح للحكومة منع مثل هذه الاستطلاعات بطبيعة الحال مادامت لا تمس ثوابت المملكة الأساسية.

ويذهب عبدالإله السطي إلى القول إن عملية استخلاص الرخصة تكون بحضور قانون ينظم عملية سبر الرأي العام والتي تعتبر من الإجراءات الروتينية العادية، وذلك أولا حماية للجهة المكلفة ببرنامج استطلاع الرأي، وثانيا من أجل التأكد من أن الموضوع المطروح للاستطلاع لا يمس أحد ثوابت المملكة، لكن حينما لا يكون هناك أي قانون أو ضوابط إجرائية منظمة لها فمن المفروض أن يتم التعامل مع العملية بنوع من المرونة مادامت لا تخل بالأمن العام ولا بالثوابت الوطنية.

ويمكن تجاوز ىالفراغ القانوني، حسب محمد بنصالح، بسنّ تشريعات تنظم استطلاعات الرأي، لكن هذا النقاش لا يبرز إلا قبيل مواعيد الاستحقاقات الانتخابية مقتصرا على مقترحات بشأن تنظيم استطلاعات الرأي الخاصة بالانتخابات، والحال أننا أمام ظاهرة مهمّة تفرض تأطيرها علميا وقانونيا بعيدا عن الحسابات السياسية بما يكفل مشاركة الرأي العام في التأثير في صناعة القرار السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي.

وينفي بنصالح أن يكون المنع حلا في عصر الفضاءات المفتوحة، فضلا عن أنه قد يعرقل المسار الذي اختاره المغرب في مجال الحقوق والحريات. لذلك، فإن المطلوب هو سن قوانين كفيلة بجعل نتائج استطلاعات الرأي نزيهة وذات مصداقية، علما بأن هذا الأمر يتطلب فضلا عن الإرادة السياسية، ثقافة سياسية ومراكز علمية موضوعية وغير مسيّسة متخصصة مهمتها سبر الآراء واستطلاعها.

كاتب من المغرب

7