استطلاعات الرأي نشاط غير منظم يهدد ديمقراطية تونس الناشئة

خبراء: نشر نتائج استطلاعات رأي غير خاضعة لضوابط بمثابة نشر أقوال شهود عن واقعة لا شيء يثبت أنهم حضروها.
السبت 2018/11/24
استطلاعات الرأي لا تأخذ بعين الاعتبار تغير الآراء

تحتاج استطلاعات الرأي في تونس إلى مراجعة عاجلة وعميقة، مع اعتماد المؤسسات التي تجريها طرقا بالية لا تستخدم فيها التكنولوجيا المعتمدة في البلدان الأخرى، كما أن عمليات قياس نسب المشاهدة والاستماع لا تُوكَل إلى مؤسسات خاصة بل إلى مؤسسات تنشئها القنوات الإذاعية والتلفزيونية بمشاركة الشركات الإعلانية.

تونس - “أكبر مكسب حصل عليه التونسيون بعد الثورة هو مكسب حرية التعبير. هل ترى أن هذا المكسب مهدد أم هو مهدد إلى حد ما أم هو غير مهدد إطلاقا”، سؤال ورد في استطلاع آراء نُشرت نتائجه الثلاثاء، أنجزته مؤسسة امرود كونسلتينغ بالتعاون مع مؤسسة دار الصباح حول الشأن السياسي في تونس. ويُظهر هذا السؤال لوحده أنّ استطلاعات الرأي تحتاج إلى مراجعة عاجلة وعميقة في سنة انتخابية في بلد ديمقراطيته هشة حسب التصنيفات الدولية.

فالسؤال إيحائي بما لا يقبل جدلا إذ هو يفرض جوابا نابعا من قناعة واضعيه المتمثلة في أمرين: أوّلهما أن حرية التعبير قائمة في تونس وآخرهما أنها أكبر مكسب حققته الثورة. رأي وجيه غير أن الأسئلة الواردة في الاستطلاعات لا ينبغي لها أن تنشأ من آراء واضعيها وقناعاتهم ولا أن توجّه جواب المستجوَب.

والسؤال الإيحائي في الدوائر المهنية يبطل نتائج الاستطلاع. فما عسى التونسي الذي لا يتفق مع الإقرار الوارد في السؤال أن يجيب؟

وضع مترد

ما انفكت قضية استطلاعات الرأي تثير جدلا في تونس منطلقُه عمليات قياس المشاهدة والاستماع التي تجريها مؤسسة “سيغما كونساي” التي يملكها حسن الزرقوني. وقد اتهم الزرقوني في يونيو 2013 قناتي حنّبعل ونسمة التلفزيونيتين الخاصّتين “بقلّة الأدب والضغط لتغيير نسب المشاهدة”. وذهب معز بن غربية مدير القناة التلفزيونية الخاصة “التاسعة” آنذاك إلى اتهام حسن الزرقوني في يونيو 2017 بطلب أموال في شكل دراسات أسبوعية، لا تحتاج إليها القناة، ينجزها لفائدة القناة مقابل أن يرفّع في نسب مشاهدة قناة التاسعة.

هو وضعٌ متردٍّ طالما سمع عنه التونسيون وتداولوه على الشبكات، وسخر بعضهم من نتائج الاستطلاعات وآخرها شعبية رئيس الحكومة يوسف الشاهد، و هو مترد لأنّ “سيغما كونساي” تعتمد في نسب القياس طرقا بالية لا تستخدم فيها التكنولوجيا المعتمدة في البلدان الأخرى، وكذلك لأن عمليات قياس نسب المشاهدة والاستماع لا تُوكَل إلى مؤسسات خاصة بل إلى مؤسسات تنشئها القنوات الإذاعية والتلفزيونية بمشاركة الشركات الإعلانية لضمان الشفافية مثل “ميديا ميتري” في فرنسا أو “نيلسان” في الولايات المتحدة الأميركية.

ويبقى السبب الأكبر في تردي الأوضاع هو أنْ تنجز المؤسسة نفسها استطلاعات الرأي وعمليات قياس نسب المشاهدة والاستماع في الوقت ذاته وهي بدعة. فالمجالان مختلفان في طرق العمل والتواتر وطبيعة الأسئلة وتحليل نتائج الاستمارات وهما مختلفان أساسا في الرهانات المالية. فالهدف من قياس نسب الاستماع والمشاهدة هو المال دون سواه لأن ارتفاع تلك النسب يساوي ارتفاعا في إيرادات الإعلانات وهبوطَها في تدني الأرباح في حين أن استطلاعات الرأي لا تتصل ضرورة بالربح المالي وقد لا تكون لها علاقة به.

غياب مبدأ المراقبة

إنْ لم يكن الرهان ماليا فهو أعظم أحيانا لأن استطلاعات الرأي في تونس ذات طبيعة سياسية أساسا تتصل بنوايا التصويت في الانتخابات وبمدى شعبية السياسيين. والخطر كلّه هنا يكمن في ألاّ تكون نتائج الاستطلاعات قريبة من اتجاهات الرأي العام فيتحول الواقع، أو ما يُفترض أن يكون كذلك، إلى دعاية. تحويل الواقع إلى دعاية عن قصد أو عن غير قصد يصبح تلاعبا بالحياة السياسية ومسخا للديمقراطية.

ومن المبادئ الأساسية في الحياة الديمقراطية مبدأ المراقبة أو المساءلة. فالشعب يراقب الحاكم والبرلمان يراقب السلطة التنفيذية والميديا تراقب الطبقة السياسية والبرلمان والحكومة والمهنة والمجتمع المدني يراقبان الميديا. فمن ذا الذي يراقب مؤسسات استطلاعات الرأي؟ لا أحد وهو أمر غير طبيعي لأن غياب المراقبة أو المساءلة مفسدة للحكم.

في ربيع 2010 أجرت وزارة الثقافة التونسية استطلاع رأي بهدف معرفة نسب المطالعة واستخدم المشرفون عليه ما يُعرف بالعينة الطبقية؛ وهي عينة يُفترض أن تمثل المجتمع الأصلي باعتماد متغيرات الجنس والعمر والانتماء الثقافي والاجتماعي. المشكلة أن استخدام هذه الطريقة يفرز في العينة أفرادا لا يحسنون القراءة لأنهم موجودون في المجتمع الأصلي. فكيف يستقيم أن نسأل أناسا إنْ كانوا يطالعون وهم من الأميين؟

مثل تلك الأخطاء تبطل تماما نتائج الاستطلاع ويحدث ألاّ يتفطن إليها أحد فتُنشر نتائج مغلوطة يكون عدمها أفضل منها. لذلك اختارت الدول الديمقراطية أن تنظم استطلاعات الرأي بإنشاء هيئات تعديلية تسهر على سلامة النتائج. ويصل الأمر في استطلاعات آراء الناخبين عند الخروج من مكاتب الاقتراع بإلزام مؤسسات الاستطلاع بألاّ تتجاوز نسبة الخطأ ثلاث نقاط وتُسحب التراخيص من المؤسسات التي تتعدى تلك النسبة بعد التصريح النهائي بنتائج الاقتراع.

ففي فرنسا مثلا هناك هيئة تسمّى “لجنة استطلاعات الرأي” تتولى مراقبة تلك العملية بصرامة شديدة. واللجنة مكونة من تسعة أعضاء ثلاثة منهم خبراء مشهود لهم بالكفاءة العالية في مجال الإحصاء. ويُلزم القانون كل مكتب استطلاع بمراعاة الضوابط القانونية المتمثلة في نقاط متعددة منها ذكر طريقة اختيار العينة وعدد أفرادها وهامش الخطأ ونص الأسئلة حرفيا واسم طالب الاستطلاع والقيمة المالية. وتُنشر تلك المعطيات كلها للعموم مع نشر نتائج الاستطلاع.

ويضمن نشر تلك المعطيات شفافية العملية كما يرسي علاقات ثقة بين ناشر النتائج ومستخدميها من الصحافيين خاصة. فهل من المعقول أن ينشر الصحافيون نتائج استطلاع رأي لا يعلمون عن ظروف إنجازه شيئا؟ ما الذي يضمن سلامة البيانات ودقتها ومصداقيتها إن لم تطّلع عليها هيئة منتخبة ومستقلة وذات كفاءة لإبطالها عند حدوث خلل كبير فيها؟ فعندما ينشر الصحافيون نتائج استطلاعات رأي لا تخضع إلى تلك الضوابط فكأنهم ينشرون أقوال شهود عن واقعة لا شيء يثبت أنهم حضروها.

لا تتصل الأخطاء الواردة في نتائج الاستطلاعات بما يمكن أن يلحقها من فساد في المنهج فقط بل بالفوارق التي أصبحنا نلاحظها أحيانا بين نوايا التصويت والنتائج الفعلية فيها. ونذكر جميعا أن الاستطلاعات تكهنت بفوز المرشحة هيلاري كلينتون في الانتخابات الرئاسية الأميركية حتى فاجأ دونالد ترامب الجميع بفوزه في نهاية عام 2016.

وكذلك الأمر في الاستفتاء على بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي أو الخروج منه في يونيو 2016 عندما كانت نتائج الاستطلاعات تقول إن معظم الناخبين سيصوتون للبقاء حتى فاجأت الصناديق الناس بتصويت البريطانيين لمغادرة الاتحاد. ووصل الفارق حد الست نقاط بين التكهنات والنتائج الحقيقية وهي كارثة في مجال الاستطلاعات. والأغرب من ذلك أن استطلاعا نشر في 22 نوفمبر يقول إن 59 بالمئة يريدون الآن عودة بريطانيا إلى الاتحاد في حين كانوا 48 بالمئة فقط يدعون إلى بقائها فيه في استفتاء يونيو 2016.

ونعتقد أن السبب في ذلك الفارق بين النوايا والنتائج يتصل بالتغيير المستمر في تشكل آراء الناس لأمرين. أمّا الأول فهو كثرة القنوات الإذاعية والتلفزيونية التي أصبح تلقيها غير خطي. ففي سنوات قليلة خلت كان الناس يشاهدون البرامج التلفزيونية الإخبارية على شاشة التلفزيون فرادى أو جماعات مما يعني أن عددا قليلا يسهم في تشكيل الآراء ويكون من قادة الرأي في العائلة أو في المحيط المهني.

وعي بالمشكلة

ستطلاعات الرأي في تونس ذات طبيعة سياسية أساسا تتصل بنوايا التصويت في الانتخابات وبمدى شعبية السياسيين
ستطلاعات الرأي في تونس ذات طبيعة سياسية أساسا تتصل بنوايا التصويت في الانتخابات وبمدى شعبية السياسيين

أما اليوم فإن استهلاك البرامج التلفزيونية يكون على أربع شاشات وهي شاشات التلفزيون واللوحة والكمبيوتر والهاتف الذكي. وتلك المشاهدة غير الخطية تكون فردية غير أنها تكون مصحوبة بتعليقات عدد كبير من الناس فيصبح قائد الرأي في العائلة أو العمل قادة على الشبكات لا نعرفهم يسهمون كل يوم في تشكيل رأي جديد.

وأما السبب الثاني المتصل رأسا بالأول فهو الدور المتعاظم الذي أصبحت تلعبه الشبكات في التأثير والتأثر. وفي ما مضى من الزمان كان النقاش يدور بين أناس يعرف بعضهم البعض وهو أمر يسهم في تشكل رأي إلى الثبات أقرب. أما نقاشات اليوم فأصبحت تدور مع عدد كبير من الناس عبر فيسبوك وتويتر وإنستغرام وهم أناس لا نعرف معظمهم إلا بالاسم في قائمات الأصدقاء مما يسهم في تشتت الآراء وفي كثرة المترددين الذين لا يثبتون على موقف واحد.

وفي تونس عدد من السياسيين واعون بالجانب الأول من المشكلة على الأقل. وقد عرض حزب التيار الديمقراطي الممثل في البرلمان مشروع قانون في 2016 لتنظيم قطاع استطلاعات الرأي ولإرساء هيئة تعديلية وكذلك مؤسسة “3 سي للدراسات” التي قدمت مشروع قانون سنة 2011 مستوحى من التجربة الفرنسية في مجال تعديل استطلاعات الرأي.

الغريب في الأمر أن مشروع التيار الديمقراطي الذي شارك في عرضه نواب من حركة الشعب وآخرون من الجبهة الشعبية أُحيل على لجنة التشريع العام في 10 مايو 2016 ولم يغادرها إلى اليوم ليُعرض على الجلسة العامة للبرلمان التونسي والحال أن التيار لم يكن ليّنا عند تقديم مشروع تنظيم عمليات استطلاع الرأي التي يقول عنها إنها “تفتقر إلى أبسط المعايير المتعارف عليها في ظل التلاعب بالنتائج لتوجيه الرأي العام”.

18