استطلاع للرأي يدق أجراس الإنذار

ما يحدث الآن في جميع المجالات هو أن الشعوب تفقد الكثير من ثقتها في النخب السياسية والدينية.
الأحد 2019/06/30
ربيع تونس.. أوله أمل وآخره إحباط

فكّر المحللون مليا بشأن نتائج استطلاع الرأي الأخير حول المواقف الاجتماعية والسياسية والدينية في العالم العربي، الذي أجرته مؤسسة “أراب باروميتر”، وهي شبكة أبحاث مقرها جامعة برينستون، وقامت “بي.بي.سي نيوز بالعربية” بنشره.

قيل في الاستطلاع الكثير، بالفعل، عن ارتفاع نسبة العرب الذين يعتبرون أنفسهم “غير متدينين”، والتي ارتفعت من 11 بالمئة في 2014-2012 إلى 18 بالمئة في عام 2019. وتراجع الثقة في “الزعماء الدينيين”. لكن قياس المواقف تجاه الدين في العالم العربي الإسلامي على أساس أساليب الاستطلاعات التقليدية يمكن أن يكون خادعا وربما مضلّلا.

بالنظر إلى العديد من المتغيرات التي يمكن أن تمنع الناس في المنطقة من التعبير عن آرائهم الشخصية في مسائل الدين والإيمان، فإنّ هناك سببا يدعو إلى الحذر من الاستنتاجات المتسرعة في هذا الصدد.

إلا أن الظواهر الأكثر أهمية التي أبرزها الاستطلاع هي التحول الواضح عن الأحزاب الإسلامية، سواء في السودان أو الأردن أو المغرب أو تونس أو مصر. حيث تشير التقديرات إلى أن الدعم للحركات المستوحاة من جماعة الإخوان المسلمين منذ عام 2012 انخفض بنسبة لا تقل عن 25-20 بالمئة.

وسواء تمّ اختبار هذا البند أم لا، يُنظر إلى الإسلاميين على أنهم فشلوا في تقديم حلول بديلة أو حتى في تجسيد الأمل في آفاق المنطقة. وقد جعل مبدأ عدم الكفاءة والصلابة الإيديولوجية من الإسلاميين بديلا أقل جاذبية بشكل واضح.

إن ما يحدث الآن في جميع المجالات هو أن الشعوب تفقد الكثير من ثقتها في النخب السياسية والدينية. وقد خلص مايكل روبنز، رئيس “أراب باروميتر”، إلى أنه “في الغالبية العظمى من الدول التي شملتها الدراسة، لا تفي الحكومات بتوقعات مواطنيها”.

العديد من المجتمعات العربية، بما في ذلك تونس، والتي يُعزى إليها انتقال ديمقراطي ناجح نسبيا، ملتزمة التزاما راسخا بالحرية، لكن هناك شكوكا فيما إذا كانت الديمقراطية الانتخابية المنقسمة يمكن أن تحقق الرخاء الاقتصادي أو تضمن الأمن.

تقول أماني جمال، المؤسس المشارك والباحث الرئيسي في “أراب باروميتر”، “يخشى المواطنون الآن من أن الديمقراطية قد تتسبب بطبيعتها في إحداث المزيد من عدم الاستقرار – نرى هذا النمط بالتأكيد في تونس”. وحتى في الأماكن التي لم تواجه الحرب والصراع منذ وقت “الربيع العربي”، تزايدت فيها المخاوف بشأن السلامة وكيفية توفير الاحتياجات الأساسية للمواطن العادي.

وفي الوقت الذي يكافح فيه المواطنون العاديون من أجل تغطية نفقاتهم في الكثير من دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط، ظلّ السياسيون والمنتقدون ومنظّمو استطلاعات الرأي محاصرين في منظورهم النخبوي.

واعترفت جمال، في مقابلة لها، بأنه “لوقت طويل ركّز المراقبون في الشرق الأوسط فقط على النخب لأنهم يعتقدون أن جميع السياسات تنبع من الدولة أو النخب. لكن ما أظهره لنا الربيع العربي هو أن هناك طبقة من المجتمع يجب أن تحظى بهذه الأهمية أيضا، وإذا تجاهلنا هذه الشريحة باستمرار كما فعلت الأنظمة العربية، فستلجأ هذه القطاعات في نهاية المطاف إلى الاحتجاج والتمرد من أجل إسماع مطالبها”.

مع ذلك، من يشعر بخيبة الأمر ليست مجرد “طبقة” أو “شريحة” من المجتمع، بل هم في الغالب شباب المنطقة. وفقا للاستطلاع، فإن 52 بالمئة من الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاما، ممن شملهم الاستطلاع في الجزائر ومصر والأردن ولبنان والمغرب وفلسطين وتونس، غير راضين عن أحوال دولهم ويفكرون في الهجرة إلى الخارج. وكانت هناك زيادة بنسبة 10 بالمئة في طلبات الهجرة منذ عام 2016 فقط.

والأهم من ذلك هو أن أكثر من 40 بالمئة من الجزائريين والسودانيين والتونسيين، وكذلك 38 بالمئة من العراقيين والمغاربة واليمنيين يقولون إنهم على استعداد للانضمام إلى موجات المهاجرين غير الشرعيين.

وهناك عامل آخر يشير إلى ارتفاع نسبة الإحباط وهو تدهور الصحة العقلية للأشخاص غير القادرين على التعامل مع الضغوط اليومية. ففي المتوسط، قال واحد من كل ثلاثة أشخاص شملهم الاستطلاع أنهم شعروا “بالإحباط”. وكانت أعلى نسبة في العراق (43 بالمئة) وتونس (40 بالمئة) وفلسطين (37 بالمئة). ويبدو أن النساء والفقراء هم أكثر عرضة بشكل خاص للشعور بهذا الإحباط.

كان من الممكن لبعض الجوانب في استطلاع الرأي أن تستفيد من المزيد من التماسك المنهجي والتحليلي والوضوح. ومع ذلك، يثير الاستطلاع عددا من الأسئلة المقلقة حول جذور إحباط العالم العربي، والسياسيون ليس لديهم سبب آخر لتجاهل الأمر.

4