استعادة إميل زولا قاصا: من مديح الأمومة إلى هجاء الرأسمالية المتوحشة

الأحد 2014/09/21
يعتبر إميل زولا أحد أهم الروائيين الفرنسيين ومن أعلام الواقعية الطبيعية في الرواية العالمية

عرف إميل زولا عند القارئ العربي كروائي عالمي أكثر بكثير مما عرف كقاص، وذلك من خلال الترجمات العديدة التي قدمت لأعماله الروائية الهامة، التي أسست للواقعية الطبيعية في الرواية الفرنسية، الأمر الذي يجعل ترجمة مجموعة من أعماله القصصية من قبل مشروع كلمة بأبو ظبي (ترجمة دانيال صالح) تنطوي على رغبة بتقديم الوجه الآخر من الإبداع السردي لهذا الكاتب الكبير إلى القارئ العربي، وفي نفس الوقت التعبير عن الاحتفاء بالقصة القصيرة، التي عملت الرواية على إزاحتها من موقعها نحو الهامش السردي في الثقافة العالمية الراهنة، لا سيما بعد أن احتفت جائزة نوبل بها، من خلال اختيار قاصة عالمية هي أليس مونرو للفوز بهذه الجائزة للعام 2013.


سؤال أولي


يعد إميل زولا واحدا من أهم أعلام الواقعية الطبيعية في الرواية العالمية، ما أعطى لأعماله الروائية تلك القيمة الخاصة، على الرغم ممّا تتميز به من إسهاب في الوصف وسرد التفاصيل الخاصة بالأحداث والشخصيات بهدف إبراز صورة الواقع الاجتماعي بأبعاده النفسية والروحية والأخلاقية والاقتصادية القاسية، رغبة منه في تمثل تجربة الإنسان الاجتماعية والروحية والإنسانية فيه، ونقل صورة واسعة عن آثارها وشقائها ومفارقاتها الشاقة في ظل سلطة العلاقات الرأسمالية الجائرة.

من هنا فإن إعادة الاعتبار لأعمال زولا القصصية هي محاولة لتقدير منجزه السردي بصورة عامة، خاصة وأن عالمه القصصي يتقاطع من حيث الموضوعات والقيم الجمالية والروح الإنسانية مع عالمه الروائي.

إذن فإن الترجمة العربية لمختارات من تلك الأعمال، التي صدرت حديثا عن مشروع كلمة للترجمة بترجمة دانيال صالح في أبوظبي، تعد إضافة مهمة لتعريف القارئ العربي بهذا المنجز، إذ تشمل تلك المنتخبات قصصا من أعماله القصصية المختلفة، ومن خلال اللغة الأم التي كتبت بها وليس عبر لغة وسيطة أخرى.


تنوع في اللغة


في تقديمه للكتاب يتحدث المترجم صالح عما تميزت به لغة السرد من تنوع عند زولا، وعن علاقتها بالحداثة بعد أن اتهمت أعماله بالرتابة، مبينا ما كانت تصدر عنه من وعي جعله مشغولا برصد تحولات مدينة باريس التي شكلت مختبرا لتحولات ذلك العصر، ومستخدما تارة لغة السخرية والتهكم وتارة أخرى تقنيات القصة الخرافية للتعبير عن فظاعات الواقع الإنساني، وهو ما نجده حاضرا بقوة في بعض قصص هذه المختارات كقصة “قفص حيوانات مفترسة”، التي تفضح وحشية الإنسان وفظاعاته التي تثير رهبة حيوانين مفترسين وخوفهما حينما خرجا من قفصهما، وراحا يتجولان في شوارع المدينة وساحاتها، التي غادراها على عجل عائدين إلى قفصهما بعد ما عايناه من مشاهد مروعة، فقد وجدا فيها أن البشر على عكس حيوانات الغابة (لا يقتلون من أجل أن يأكلوا. انظر كيف يتركون الطعام يفسد). ولعل المثير للغرابة في مثل هذه القصص أن الضبع بعد عودته إلى القفص يحاول التأكد من متانة قضبانه، التي يمكن أن تؤمّن لهم الحماية من ضراوة البشر ونزعة العنف المدمرة عندهم.

غالبا ما يلجأ زولا إلى وضع مقدمات للقصص هي بمثابة تمهيد لها أو يقدم تلخيصا مكثفا لموضوع الحكاية في بداية القصة

بمثل هذه الحكايات الرمزية وغيرها يظهر المديح الكبير لعمل العطاء غير المحدود عند الإنسان، إلى جانب مديح الخصوبة والأمومة والقوة الفاعلة، وذلك بالتوازي مع رغبته العميقة في إظهار انفعالات الكائن عبر سلوكه الجسدي مع الاهتمام بالجانب السوسيولوجي للوسط الاجتماعي، الذي تعيش فيه شخصيات أعماله وتنمو وتتأثر به.


قصة الطوفان


حملت المنتخبات القصصية عنوان إحدى قصص المجموعة وهو “الفيضان”، حيث لم يكن اختيار هذا العنوان اعتباطيا، لأن هذه القصص تعد من أهم قصص المجموعة وأكثرها تطورا وتنوعا في مواقف شخصياتها تجاه خطر الطوفان، الذي يجتاح إحدى القرى، وذلك من خلال شخصية السارد الذي هو أحد أبطال تلك الحكاية، التي تنتهي فيها شخصيات أسرته نهاية مأساوية، يكون فيها هو الناجي الوحيد والشاهد الذي بقي ليروي وقائع ما حدث، ووصف ردود أفعال أفراد الأسرة في مواجهة هذا الخطر الطبيعي الداهم.

تنقسم قصص المجموعة إلى قسمين القسم الأول وهو الأكبر ويضم إحدى وعشرين قصة، والقسم الثاني الأصغر ويحتوي على سبع قصص. تتباين مستويات القصص وموضوعاتها وأساليبها، إذ نلاحظ في قصص المجموعة الأولى استخدام القاص للمقدمات المطولة كتمهيد للقصة كما في قصة “المرأة التي تحبني”، أو يستخدم الحكاية وشخصية الراوي الوسيط الذي يتوجه بالسرد إلى شخص محدد، كما في قصة “بهلول” التي تشكل أولى قصص المجموعة. في هذه القصة يتولى الراوي سرد حكاية رواها له راع عجوز، وتدور حول التوحد مع الطبيعة بأشجارها وأعشابها وحيواناتها وحشراتها. تتميز لغة السرد فيها بشاعريتها التي تعكس هذا الاحتفاء الكبير بجمال الطبيعة وسحرها.

نموذج للقصص الذي ينتصر لقيم الخير المطلق ومحبة عمل الخير


قصص اجتماعية


تحتل القصة الاجتماعية حيزا كبيرا من قصص المجموعة، ويمكن اعتبار هذه القصص بمثابة تدريب أولي من قبل زولا على كتابة أعماله الروائية، نظرا للتقارب الكبير في موضوعاتها والرؤية السردية التي تعبّر عن شواغل السرد عند الكاتب. تعد قصة “أخت الفقراء” أنموذجا لهذا المستوى من القصص الذي ينتصر لقيم الخير المطلق ومحبة عمل الخير. السارد في هذه القصة يروي حكاية بنت مسكينة كان كل همها عمل الخير الذي كوفئت عليه بثروة لا تنضب، لم تتوان عن تقديمها للمحتاجين الذين تبحث عنهم في كل مكان. يتسم المنظور السردي في هذه القصة بنزعته المثالية التي تجعله يضفي على هذا العمل قيمة مطلقة، تتفانى بطلة القصة في تحقيقها (كانت عينا المرأة المسكينة تلتمعان مثل نجمتين وهي تتكلم ومن حول رأسها يشع وهج مثل إكليل من نور الشمس في حضنها غفا الطفل وهو يبتسم ابتسامة إلهية في نومه). وعلى غرار الحكاية الشفوية لا تحمل الشخصيات هنا أسماء محددة لأن وظيفة الشخصية فيها تقتصر على إنتاج الدلالة. لقد لعب التوسع في الوصف والإسهاب في السرد في إطالة تلك القصص، التي غالبا ما كانت تتألف من عدد من الأجزاء يحمل كل واحد منها رقما متسلسلا، كما في قصة “المصائد” التي تقدم هجاء قاسيا لمظاهر الفساد المستشرية في باريس، والتي يتولى فيها السارد رواية تلك الحكاية التي يتوجه بها مباشرة إلى القارئ الذي يضعه منذ العتبة السردية في فضاء عالمها (كل شيء في باريس يمكن بيعه: العذارى الجامحات والعذارى الرصينات، الأكاذيب والحقائق الدموع والابتسامات).


أسلوب السرد


غالبا ما يلجأ زولا إلى وضع مقدمات للقصص هي بمثابة تمهيد لها أو يقدم تلخيصا مكثفا لموضوع الحكاية في بداية القصة كما في قصة “الحصان الهرم” التي يفتتحها بالقول (لا أجد من جهتي ما يحزنني أكثر من مشهد حصان هرم في يوم ماطر وسط حقل مقفر).

بمثل هذه اللغة الشعرية الموحية يبدأ القصة تاركا للراوي العليم أن يروي وقائعها بلغة شعرية لا تقل إيحاء وتكثيفا لصورة ضواحي باريس المسكونة بشجن أبدي، ناجم عمّا فعلته بها يد الإنسان من تقطيع وتمزيق. وعلى غرار السرد التقليدي الذي يتميز السرد فيه بحركته الخطية، وتعاقب أحداثه وتصاعدها، فإن القصة عند زولا تلتزم بهذا البناء السردي للقصة، بينما يظهر الاهتمام الواضح في العتبة السردية بوصف المكان الذي ستجري فيه أحداث الشخصية أو بتقديم شخصية بطل القصة.

يستخدم زولا أسلوب السخرية والحكاية داخل حكاية كما في قصة “نهار كلب شارد”. وإذا كانت قصص الجزء الأول تتباين من حيث الطول والقصر، فإن قصص الجزء الثاني تتسم بطولها الواضح واستغراق السرد فيها بالوصف وتفاصيل الأحداث وسلوك الشخصيات، لكن لغتها تتخفف من شاعريتها على خلاف بعض قصص الجزء الأول.

13