استعادة التحفة السينمائية الخالدة "نابليون"

الأحد 2017/07/09
"نابليون" رمز للمجد العسكري الفرنسي

يمكن اعتبار فيلم “نابليون” أحد أعظم الأفلام في تاريخ الفن السينمائي المعاصر إن لم يكن أعظمها على الإطلاق. إنه ينتمي بقوة إلى “عصر السينما” الخالصة، قبله كانت السينما في مرحلة الطفولة ثم قفزت فجأة لتصل إلى أعلى درجات النضج بل الكمال الفني النادر.

ظهر فيلم “نابليون” عام 1927، أي في أواخر عصر السينما الصامتة، وكان مخرجه الفرنسي أبيل غانس يرغب في جعله نموذجا لسينما المستقبل، ومع ذلك لم يظهر حتى يومنا هذا، ما يضاهيه في إمكانياته الفنية أو براعة مخرجه وقدرته الفذة على تجسيد ما يعتبر بمقاييس عصرنا الحالي من المعجزات السينمائية، آخذين في الاعتبار أنه أنتج قبل ظهور التقنيات الرقمية والتطور الكبير الذي حققته المؤثرات البصرية والخاصة.

بعد 50 عاما من الجهود الشاقة بذلها المؤرخ والمخرج والمونتير السينمائي الإنكليزي الكبير كيفن براونلو (79 عاما) أمكن الحصول على أكثر النسخ اكتمالا وقربا من الفيلم الحقيقي في 330 دقيقة، أي خمس ساعات ونصف الساعة، كما أمكن تحويل النسخة المرممة التي استعيدت أجزاؤها المفقودة إلى نسخة رقمية عالية النقاء، أصبحت متوفرة على أسطوانات “بلو راي” لعشاق السينما.

يروي الفيلم الفصول الأولى من حياة نابليون بونابرت قبل أن يصبح إمبراطورا وقبل معاركه الكبرى المجيدة، ولا يصل بالتالي إلى نهايته التراجيدية، فالفيلم ينتهي مع انتصارات جيوش بونابرت في شمال إيطاليا. ويقع الفيلم في أربع حركات على غرار السيمفونية، وتتكون الحركة الثالثة من فصلين، مع عناوين مكتوبة على الشاشة رُوعي فيها وضع كلمة “تاريخي” عندما يتعلق الأمر بأيّ معلومة أو عبارة ثابتة تاريخيا، إلا أن الفيلم ليس عملا “تسجيليا”، بل فيه الكثير من الخيال الفني البديع.

منذ عام 1980 ظل براونلو يبحث ويعثر على مزيد من المقاطع الناقصة من الفيلم، إلى أن توصل في 2015 إلى النسخة الأكمل التي أمكن تحويلها إلى التقنية الرقمية

كان معهد الفيلم البريطاني “BFI” قد عرض “نابليون” على الشاشة الكبيرة (وهي الأصلح لمشاهدة هذا العمل الملحمي الكبير) في نوفمبر الماضي، في قاعة “كوين إليزابيث هول” ذات الشاشة الضخمة، بمصاحبة أوركسترا حي بقيادة الموسيقار كارل ديفيز الذي كتب وأعد الموسيقى المصاحبة للفيلم في نسخه المتعددة التي ظهرت منذ عام 1980.

ورغم أن براونلو إنكليزي، وأن الفيلم عمل مناهض بوضوح للدور العسكري البريطاني، ورغم أن “معهد الفيلم البريطاني” في تنافس دائم مع السينماتيك الفرنسية، إلا أنه كان الجهة السباقة إلى إنقاذ واستعادة “نابليون”، فالأمر يتعلق بإنقاذ عمل ينتمي للتراث السينمائي باعتباره تراثا إنسانيا.

في الجزء الأول نشاهد نابليون وهو طفل في العاشرة من عمره، أثناء دراسته في المدرسة العسكرية-الدينية الفرنسية، وتفوّقه على أقرانه، وحرصه على دروسه واهتمامه بالجغرافيا بوجه خاص، ولكن لكونه “الكورسيكي” الذي ينطق حتى اسمه بلهجة سكان جزيرة كورسيكا، فهو يتعرض لسخرية زملائه، ثم يشتبك فريقان منهم بإلقاء كرات الثلج خارج حجرات الدراسة، في مشهد من أجمل مشاهد الفيلم مصوّر بالكامل في الطبيعة، من زوايا مختلفة، مع استخدام واضح للقطات القريبة وتركيز خاص على حضور نابليون وقدرته على التنظيم والقيادة ثم تحقيق النصر.

يعقب هذا المشهد مشاجرة بين نابليون وزملائه الذين يغيرون منه ويحرّضون عليه بل ويسرقون طائره المفضل “النسر” ويطلقون سراحه، هذه المشاجرة البديعة تستخدم فيها الوسائد حيث يتطاير حشوها من الريش الأبيض ليخلق صورة سوريالية بديعة. أما النسر فيظل عبر فصول الفيلم المختلفة يظهر من وقت إلى آخر، كرمز للقوة والطموح باعتباره “سيد الطيور”.

الآلهة الثلاثة

في الجزء الثاني نشاهد تصويرا بديعا لجانب من أحداث الثورة الفرنسية، واجتماعات ممثلي الشعب وبروز “الآلهة الثلاثة” دانتون وروبسبير ومارا. ويقوم بدور مارا المسرحي والشاعر والكاتب الفرنسي المرموق أنتونين أرتو. ويقوم غانس نفسه بدور سانت جوست الدموي الذي يصل في ولعه بالدماء إلى حد اعتبار الشعراء لا فائدة منهم والأمر بقتل أحدهم. ويقوم بدور نابليون بعد أن أصبح ضابطا شابا الممثل الفرنسي ألبير ديودونيه الذي بذل جهدا كبيرا لكي ينقص وزنه بعد أن علم أن غانس يبحث عن ممثل يصلح للدور، ثم ارتدى ملابس نابليون وذهب إلى المخرج في الأستوديو وكان يرتبط معه بصداقة، وعندما شاهده غانس هتف “هذا هو بونابرت”، وأسند الدور إليه.

تثبيت الكاميرا فوق صهوة الحصان

في هذا الجزء نشاهد جوزفين تتردد على عرافة تخبرها أنها ستصبح “ملكة”، كما يهتف عابر سبيل وهو يشير إلى الضابط الشاب بونابرت “إن هذا الشاب سينقذ فرنسا ذات يوم”. وفي إحدى حارات باريس يلتقي نابليون وجوزفين وهو اللقاء الذي سيثمر فيما بعد (في الجزء الثالث) قصة الحب الشهيرة التي توجت بزواجهما. لكننا سنذهب أولا إلى موطن بونابرت في كورسيكا حيث يرغب في تعديل سياسة الجزيرة لتصبح موالية لفرنسا ضد البريطانيين على العكس من اتجاهات قائد الحامية هناك ممّا يؤدي إلى المواجهة بينهما فيصدر الحاكم أمرا بالقبض على بونابرت.

ويصور الفيلم مطاردة هائلة بين عدد كبير من الفرسان، وبونابرت الذي يمتطي صهوة حصانه وينجح في تضليلهم والفرار منهم. وقد استخدم غانس في تصوير هذا المشهد الكبير عددا كبيرا من الكاميرات منها ما قام بتركيبه فوق صهوة حصان، أو على أعمدة خاصة للتصوير من زوايا مرتفعة، كما ابتكر الكثير من الحيل في التصوير وجعل جميع لقطات المشهد متحركة علما بأنه من أطول مشاهد الفيلم.

استخدم غانس تقنية “الإستيديكام” قبل اختراع هذا النوع من الكاميرات فقد كان يربط الكاميرا في أرجل المصورين ويدفعهم لهبوط السلالم لمتابعة الحركة من زوايا منخفضة، كما استخدم في الفيلم طرائق فنية مختلفة، مثل طباعة لقطات متعددة فوق بعضها البعض، وتقسيم الشاشة إلى 3 كادرات، والكاميرا المحمولة الحرة، والمونتاج سريع القطعات، واللقطات القريبة جدا للوجوه، واللقطات المنعكسة، واستخدم المرشحات التي تضفي نعومة خاصة على الصورة، كما صبغ الأجزاء المختلفة بصبغات لونية أحادية مميزة تتماشى مع المزاج العام للأحداث.

الحقيقة والخيال

يذكر الفيلم في بدايته أن المشاهد التي تدور في كورسيكا صوّرت في الأماكن الحقيقية. وقد روي أنه عندما ظهر الممثل ديودونيه في ملابس نابليون أمام سكان عاصمة كورسيكا الذين استعين بعدد كبير منهم للظهور في أدوار المجاميع الثانوية، شهق الكثيرون وأخذوا يحدقون مبهورين أمام ابن الجزيرة-الأسطوري الذي برز أمامهم فجأة من القرن الثامن عشر، وقد رفضوا أن يردّدوا كما طالبهم المخرج، عبارة “الموت لبونابرت”، ثم نصح عمدة المدينة المخرج بألا يظهر الممثل في الساحة العامة بملابسه حتى يمكن تجنب إشعال الفوضى.

يصوّر الفيلم هروب نابليون من كورسيكا إلى فرنسا في قارب، وقد استخدم المخرج أربعة أنابيب ضخمة لصب الماء فوق قارب نابليون، واستعان بخراطيم الإطفاء لخلق المطر الغزير، ثم انتقل لتصوير حصار ميناء طولون وكيف خطط نابليون لاختراق الحصار وهزيمة القوات البريطانية والإسبانية في معركة كانت تعدّ بكل المقاييس مستحيلة. وقد استعان غانس بعدد كبير من عمال مصانع رينو للسيارات وكانوا في إضراب وقتها، للظهور كممثلين ثانويين (كومبارس)، واستخدم خراطيم الإطفاء في خلق المطر، ومراوح الطائرات في توليد العاصفة، وانفجر صندوق من الذخيرة أثناء تصوير المعارك وأصيب عدد من العاملين بحروق ونقلوا للمستشفى!

كان أبيل غانس يريد أن يصنع شيئا يبقى للتاريخ، عملا يليق بهذا البطل الأسطوري، وفي الوقت نفسه ينقل السينما نقلة كبيرة إلى الأمام لترقى إلى مستوى الفن التشكيلي العظيم وفنون الأوبرا والموسيقى الكلاسيكية والمسرح. لقد أراد أن يصنع نموذجا لما يجب أن تكون عليه السينما في المستقبل، ولكنها لم تصل قط إلى مستوى “نابليون”.

وقد تفتق ذهن مبدعه عن فكرة الشاشات الثلاث للإحاطة بانتصارات بونابرت المدويّة في شمال إيطاليا، فابتكر طريقة التصوير بثلاث كاميرات، على أن تعرض المشاهد بواسطة ثلاث من آلات العرض على ثلاث شاشات بحيث يشاهد المتفرج الحدث ممتدا بعرض الشاشة، أو يشاهد ثلاثة جوانب مختلفة في وقت واحد من زوايا مختلفة (صورة قريبة لوجه نابليون على الشاشة في المنتصف، ثم صورة للحشود العسكرية في الشاشة اليمنى ثم جانب من القوات المتحركة في الشاشة اليسرى)، وصنع من خلال الشاشات الثلاث تكوينات تفيض بالحركة والانسيابية تعتبر بمثابة معجزة ليس فقط في التصوير، بل في المونتاج والعرض أيضا. كانت التجربة طموحة حدّ الجنون، وكان غانس يريد أن يجعل الفيلم عرضا من عروض المتعة الجماهيرية الكبرى وأن يشاهده عدة آلاف من المشاهدين، وهو ما تحقق عام 2010 عندما عرض الفيلم على الشاشة الهائلة المقوسة في مسرح بارامونت في هوليوود، أمام أكثر من ثلاثة آلاف متفرج.

واجه أبيل غانس الكثير من المشاكل في تمويل الفيلم الذي كان يرغب في تصويره في ستة أجزاء يبلغ زمن كل منها 75 دقيقة، لكنه أنهى المونتاج مع المونتيرة مرغريت بوغيه، وحصل على نسخة يبلغ زمن عرضها -حسبما ذكر بعض المؤرخين الفرنسيين- تسع ساعات ونصف الساعة، عرضت عرضا خاصا على يومين في باريس، ولقي الفيلم إشادة من النقاد لكن الجميع نصحوا بضرورة اختصاره. ومرت عملية الاختصار بمراحل عديدة، حسب رغبات شركات التوزيع في البلدان المختلفة مثل أميركا وبريطانيا وألمانيا، فتارة تعرض النسخة في 4 ساعات، ثم في ساعتين.

بونابرت أمام روبسبير المخيف

هاوي السينما

كان كيفن براونلو هاويا عظيما للسينما منذ طفولته، وقد شاهد مقاطع من الفيلم في إحدى دور السينما اللندنية، وأغرم بالفيلم بشدة، وكان والداه قد أهدياه في عيد ميلاده الحادي عشر، جهازا لعرض الأفلام، ومع ظهور وانتشار التلفزيون أهمل الناس الأفلام، فأصبح كثير من الأفلام الصامتة متاحا في محلات بيع الأشياء القديمة المستعملة، وكان يشتري بعض الأفلام ويشاهدها، إلى أن وقعت بين يديه بكرتان من فيلم “نابليون” فعرض الفيلم في 18 يناير عام 1954 ( براونلو من مواليد 1938).

وبهر بما شاهده، ومن هنا بدأت رحلته في البحث عن باقي أجزاء الفيلم الستة التي عرضت في لندن من مقاس 9.5 مم، فنشر إعلانات في مجلة متخصصة عن بيع وتبادل الأشياء المستعملة، وحصل على مزيد من مقاطع الفيلم، وقام بتوصيلها وصنع فيلما مدته 90 دقيقة دعا بعض الشخصيات لمشاهدته.

ووصلت المعلومات إلى المسؤولين في معهد الفيلم البريطاني الذين شاهدوا الفيلم وأبدوا حماسا شديدا له وقام المعهد فيما بعد بتمويل عملية إنقاذه وترميمه، وقد نجح براونلو في مقابلة المخرج غانس في لندن، ثم زاره في باريس واطّلع منه على مزيد من المعلومات عن الفيلم، كما حصل على نسخة من السيناريو، أشار عليه غانس بما لم يصوّره منها، ثم استمرت عملية البحث واصطياد المشاهد الناقصة بمساعدة غانس إلى أن توصل براونلو إلى عمل نسخة جيدة من الفيلم عام 1970، عرضت بمسرح الفيلم الوطني في لندن وسط ترحيب غير مسبوق. وفي عام 1980 نظم عرضا للفيلم في نيويورك أمام 6 آلاف متفرج، واتصل تليفونيا بالمخرج لكي يستمع إلى التصفيق المدوي الذي استغرق 10 دقائق في نهاية العرض. وكان غانس قد بلغ الحادية والتسعين من عمره ثم توفي في العام التالي عن 92 عاما.

منذ عام 1980 ظل براونلو يبحث ويعثر على مزيد من المقاطع الناقصة من الفيلم، إلى أن توصل في 2015 إلى النسخة الأكمل التي أمكن تحويلها إلى التقنية الرقمية، وكان الموسيقار كارل ديفيز يعيد في كل مرة كتابة الموسيقى المصاحبة للفيلم بحيث تناسب الزمن الجديد للفيلم، وقد أعد الموسيقى عن السيمفونية الثالثة لبيتهوفن التي كتبها خصيصا تحية إلى نابليون، كما استفاد من موتسارت وهايدن ومن بعض الأغاني الشعبية الفرنسية القديمة، مع الموسيقى الأصلية التي كتبها خصيصا للفيلم، وقاد بنفسه الأوركسترا التي عزفت الموسيقى أمام الجمهور في العرض التاريخي أواخر العام الماضي في لندن.

ناقد سينمائي من مصر

16