استعادة الرمادي.. اختبار اجتيازه يفتح الطريق نحو الموصل

تراهن القوات العراقية على استعادة مدينة الرمادي من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية، الذي دخلها قبل ستة أشهر، ورغم الآمال التي عكستها معطيات ميدانية وتصريحات أميركية وعراقية كثيرة على اقتراب ساعة الصفر لاستعادة مدينة الرمادي من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية، حيث انتهت أولى مراحل المعركة بحصار المدينة ووصلت التعزيزات العسكرية، يبقى الجانب الأكبر يميل إلى الحذر بشأن هذه المعركة التي قد تتحول إلى حرب شوارع وستشكل اختبارا ميدانيا للقوات العراقية التي تطمح لاستعادة الموصل في وقت لاحق.
الجمعة 2015/11/13
قادة الجيش العراقي يشعرون بالقلق من وقوع خسائر بشرية في صفوف قواته المستنزفة

بغداد- تبدو القوات العراقية في وضع أفضل من أي وقت مضى لشن هجوم على متشددي تنظيم الدولة الإسلامية الذين يسيطرون على الرمادي (60 كيلومترا غربي بغداد) بعد أن بدأت جهود لقطع خطوط الإمداد عن المدينة على مدى شهور تؤتي ثمارها، لكن لا تزال هناك الكثير من المخاطر خاصة في ظّل الحصار الذي يفرضه مقاتلو داعش على سكّان الرمادي وتهديداتهم بقتل كلّ من يرفع راية بيضاء أو يحاول الاستنجاد بقوات الأمن العراقية.

وأرجع مراقبون ومسؤولون في الرمادي، من بينهم راجح بركات، عضو مجلس محافظة الأنبار، تكثيف داعش لحملاته على محافظة الأنبار، غرب العراق، إلى وصول التعزيزات العسكرية العراقية لاستعادة السيطرة على المدينة، التي كان سقوطها في أيدي التنظيم المتشدد هزيمة منيت بها الحكومة المركزية العراقية خلال نحو عام وهو ما أضعف الأمل في إخراج المتشددين من شمـال العـراق وغربه.

ونظرا للرمزية التي تتمتّع بها هذه المدينة، البالغ عدد سكانها 450 ألف نسمة، والتي شهدت معارك ومواجهات عنيفة ضد الجيش الأميركي، خلال غزو سنة 2003، يقول الخبراء، إن استعادتها ستعطي دفعة معنوية كبيرة للعراقيين، وخصوصا لقوات الأمن، التي انهار معظمها في وجه تقدّم تنظيم الدولة الإسلامية الذي سيطر العام الماضي على ثلث أراضي العراق. ليكون الهدف النهائي للقوات العراقية هو إنهاء سيطرة التنظيم على الموصل، معقله الرئيسي وأكبر مدن الشمال، ولتحقيق ذلك هناك حاجة لقوة دفع مادية ومعنوية كبيرة.

وكانت الفلوجة، كبرى مدن محافظة الأنبار، أول منطقة يتم السيطرة عليها من قبل داعـش، والمحـافظة خليـط من المـدن والأراضـي الصحراوية والزراعية الواسعة، وتتشارك في حدود طويلة مع سوريا والأردن والسعودية.

عدد القوات الحكومية يفوق متشددي تنظيم داعش في الرمادي، لكن كفاءتهم ودرجة استعدادهم متفاوتة

وحقّق التنظيم تقدما سريعا على حساب قوات الجيش العراقي، وفرض سيطرته على أقضية عانه والرطبة وراوه والقائم، بالإضافة إلى المنفذ الحدودي مع الجانب السوري.

وتمكن داعش في شهر مايو 2015 من ضم مدينة الرمادي، التي تعد مركز المحافظة وتقع شرق الفلوجة، إلى المناطق الخاضعة لسيطرته، ليتسع نفوذه بذلك إلى 90 بالمئة من مساحة الأنبار، التي تمثل وحدها ثلث مساحة العراق.

وأرجع ضبّاط بالشرطة والجيش العراقيين، يشاركون بمعركة استعادة الرمادي، تعثّـر الحملـة إلى الاستخدام المكثف للعبوات الناسفة بدائية الصنع ونقص القوات والعتاد نتيجة العجز النقدي الذي تعانيه الحكومة وقواعد الاشتباك الصارمة المفروضة على الضربات الجوية بقيادة الولايات المتحدة. لكن المكاسب التي تحققت في الآونة الأخيرة زادت التوقعات بأن الجيش يتجه للهجوم بعد ستة أشهر من التعهد باستعادة السيطرة على المدينة سريعا.

وقادت قوات مكافحة الإرهاب العراقية التي تلقت تدريبا أميركيا الحملة لمحاصرة المدينة. وبدعم من الفرق المدرعة بالشرطة الاتحادية نجحت القوات في قطع الطرق الجنوبية والغربية لمنع وصول التعزيزات من مدن قرب الحدود السورية.

تشتت الجبهات وتركيز نخبة الجيش على بغداد يعيقان التقدم

وقال الضبّاط إن القوات سيطرت على بلدات وقرى وطرق في تلك المناطق منها جامعة الأنبار ومناطق صحراوية مترامية الأطراف على الطريق السريع إلى سوريا.

وقد تم إطلاق وابل من الصواريخ على مواقع يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية في الرمادي والخالدية، وقد تمكّنت القوات العراقية، يوم الاثنين الماضي، من القضاء على العشرات من مقاتلي داعش، كما لقي العشرات من الأشخاص مصرعهم، يوم الثلاثاء، في شمال وغرب ووسط العراق خلال اشتباكات بين القوات الموالية للحكومة ومسلحي تنظيم الدولة الإسلامية.

وقالت القيادة المركزية الأميركية إن التحالف الدولي، الذي تقوده الولايات المتحدة نفذ 16 غارة جوية ضد مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، خلال اليومين الماضيين، بما في ذلك واحدة بالقرب من الفلوجة وسبع قرب سنجار واثنتان بالقرب من تلعفر، وأربع قرب الرمادي واثنتان قرب البوحيات.

وأفاد الجنرال إبراهيم دبون أن 65 من مقاتلي داعش قتلوا خلال عمليات في منطقة البوحيات من محافظة الأنبار، في حين تم تدمير خمس عربات يستخدمها المسلحون وتم تفكيك 75 عبوة ناسفة.

وفي وقت سابق من الشهر الحالي سيطرت قوات مكافحة الإرهاب على معسكر كبير للجيش على المشارف الغربية للرمادي وعدد من المناطق إلى الشمال حتى المدخل الغربي لجسر فلسطين على نهر الفرات. وعلى الجانب الآخر من النهر الذي يجري من الشمال إلى الجنوب عبر الرمادي تتقدم فرقتان من الجيش ببطء على طريق سريع شمالي. وفي الأسبوع الماضي وصلتا إلى جسر الجرايشي على بعد أقل من كيلومترين من النهر.

وقال الكولونيل ستيف وارن، المتحدث باسم التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، ويقصف أهدافا في سوريا والعراق منذ أكثر من عام، إن المتشددين يستخدمون نهر الفرات “طريقا مائيا سريعا” لإعادة تزويد وسط الرمادي بالإمدادات. وبالسيطرة على الطريق السريع المؤدي إلى الجسر سيكتمل الطوق المحيط بالرمادي وتتمكن القوات من بدء تطهير المدينة الحي تلو الآخر.

الحملة واجهت صعوبات بسبب غياب قوات الحشد الشعبي وهم مقاتلون لعبوا دورا مهما في المعارك الأخيرة

كل مشكلة ممكنة

ليس واضحا كم من الوقت ستستغرق الفرقتان العسكريتان للقيام بالدفعة الأخيرة للوصول إلى جسر فلسطين، فيما تواجه القوات العقبات نفسها التي أبطأت حصار المدينة على المحاور الأخرى وستعقد القتال في الشوارع مستقبلا، بينما يقول ضبّاط في الأنبار إن بطء الحملة يرجع إلى المتفجرات التي زرعها متشدّدون على نطاق واسع ونقص القوات. ويبلغ عدد أفراد القوات الحكومية حول الرمادي عشرة آلاف فرد وهم يفوقون متشددي تنظيم الدولة الإسلامية هناك بواقع عشرة إلى واحد على الأقل لكن كفاءتهم ودرجة استعدادهم متفاوتة.

وتعاني قوات الأمن العراقية ضغطا نتيجة القتال على عدة جبهات وقد أضعفها الفساد واقترابها من الانهيار مرتين في العام الأخير في مواجهة الدولة الإسلامية. ولا يزال الكثير من أفضل قوات الجيش تسليحا حول بغداد لحماية مقر الحكم.

وعلى الرغم من المكاسب التي تحققت في الآونة الأخيرة، فإن قوات الأمن لا تزال حذرة وهو ما يثير تساؤلات عن وتيرة أي عملية كبرى. وقال ضباط بالجيش إن القادة يشعرون بالقلق من وقوع خسائر بشرية في صفوف قوة مستنزفة بالفعل فيتجنبون المواجهة مع عدو دأب على تعذيب وإعدام من يأسرهم. وقال عقيد بالفرقة التاسعة بالجيش التي تقاتل إلى الشمال من الرمادي “يجب علينا أن نشن هجوما ونراقب ظهورنا في نفس الوقت… هذا حمل ثقيل يقع على عاتق جنودنا”.

هناك الآلاف من المدنيين الذين يعيشون في حالة رعب وقلق من تهديدات مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية

وواجهت الحملة صعوبات بسبب غياب قوات الحشد الشعبي وهم مقاتلون لعبوا دورا مهما في المعارك الأخيرة التي أعادت مدينتي تكريت وبيجي لسيطرة الحكومة. وتم استثناء الحشد الشعبي من معركة الرمادي، ذات الأغلبية السنية، بسبب القلق الذي باتت تشعر به واشنطن من الجماعات الشيعية المسلحة التي تهيمن على الحشد الشعبي فسعت لإبعادها عن المناطق التي يشن فيها التحالف الدولي هجماته.

وقال ضباط إن التغيير المتكرر للقيادة أضعف الروح المعنوية، حيث شهدت قيادة عمليات الأنبار تعيين ثلاثة قادة في أقل من عام كما قتل اثنان من كبار القادة في المعارك. علاوة على ذلك يؤدي ضعف خطوط الإمداد في كثير من الأحيان إلى مواجهة القوات الموجودة على خط الجبهة لنقص الوقود والذخيرة والرعاية الطبية.

مدنيون

ينتقد ضباط بالجيش ضربات التحالف الجوية لانشغالها أكثر من اللازم بتفادي سقوط ضحايا من المدنيين. ويقولون إن المتشددين في أغلب الأحيان يذوبون في الأمان النسبي الذي تتمتع به المناطق السكنية لينفذوا منها هجماتهم بقذائف المورتر. وبينما يقول الجيش الأميركي إن ضرباته دقيقة، يقول سكان الأنبار إن مئات المدنيين قتلوا منذ بدء الحملة في سبتمبر 2014.

وفرّ معظم المدنيين من الرمادي قبل شهور، لكن لايزال هناك الآلاف من المدنيين الذين يعيشون في حالة رعب وقلق من تهديدات مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية. وبينما فرضت القوات الحكومية الطوق الأمني احتمى سكان المناطق الموجودة على مشارف المدينة بالمنازل المهجورة في وسطها. وحاول آخرون الفرار لكن في ظل ضعف الاتصالات وتوفر معلومات محدودة عن الهجوم واجه كثيرون صعوبات للبحث عن مخرج.

اقرأ أيضا:

الحملة ضد تنظيم داعش تحتاج إلى مساهمات أكبر من الجبهة الشمالية

7