استعادة اللغة العربية: رد على الأتاتوركية أم تسلل هادئ إلى العرب

ما يشبه الامتصاص من خلال آلة ترشيح أو تصفية، ذلك ما تقوم به أجهزة التحسس الأيديولوجي التي صنعها نظام حزب العدالة والتنمية في تركيا في ما يتعلق باللغة العربية ومجالات توظيفها لصالح “الراية العثمانية”. فالأمر في ظاهره لا يتعدى وضع اللغة العربية في مناهج التعليم منذ المرحلة الابتدائية في المدارس، لكن القصد من ذلك هو انتقاء ما يمكن أن تقوم به وظيفة اللغة من مد للجسور مع نقاط الامتداد التابعة لأيديولوجية رجب طيب أردوغان.
الأربعاء 2015/10/28
ماذا تريد تركيا بعد التحدث بالعربية

أنقرة - رحب نقابيون وأكاديميون أتراك بقرار وزارة التربية وضع اللغة العربية في المنهاج التعليمي كمادة اختيارية اعتبارا من الصف الثاني الابتدائي، واعتبروه قرارا إيجابيا وديمقراطيا.

وقال نائب رئيس نقابة “أغيتيم بير” التربوية، لطيف سلوي، إن تعليم اللغة العربية سيبدأ اعتبارا من السنة الدراسية 2016-2017، مشيرا إلى أنه تم إعداد منهاج خاص للتعليم، يمكن للطلاب اختياره بدءا من الصف الثاني الابتدائي حتى الثامن الإعدادي.

ولفت إلى أن إدخال اللغات الإنكليزية والفرنسية والألمانية إلى المنهاج التعليمي جاء في وقت سابق، مشيرا إلى أن اللغة العربية ستكون اختيارية في المدارس الابتدائية والإعدادية، وإجبارية في مدارس الأئمة والخطباء.

وقد أكد مراقبون أن مثل هذه الخطوات التي تقوم بها المصالح التركية في البلاد، وبهذا الحجم الثقيل المتمثل في إدخال لغة بكاملها إلى مناهج التعليم منذ الطفولة، ليست سوى “استشراق مستحدث” في شكل جديد، بطريقة غير مرئية وتظهر وكأنها إجراء حكومي عادي.

فقد كان مستشرقو أوروبا في القرنين السابع عشر والثامن عشر يركزون على تعلم اللغة العربية وأًصول الفقه والعلوم الشرعية والعيش مع الناس ومعرفة عاداتهم وتقاليدهم ومواطن الضعف فيهم والقوة، بطريقة تمكن المستشرق من خدمة المستعمر في حال قدومه إلى تلك الأرض، تماما كما فعل المستشرق الفرنسي فانتور الذي بقي في مصر أربعين عاما يتعلم اللغة العربية والفقه الإسلامي وبمجرد دخول بونابارت في حملته على مصر سارع إلى الانضمام إلى حاشيته ليكون مستشاره.

من ناحية أخرى، فإن الامتداد الإستراتيجي الذي تمكن أردوغان من زرعه على مدى كامل الوطن العربي، خاصة في المناطق “الهشة” التي تشهد كثافة إخوانية من الناحية السياسية، يدفع في اتجاه الحفاظ على هذه النقاط التي تعمل كجسور للتواصل بين الخلايا الإسلامية في تلك الدول والمتمثلة أساسا في أحزاب الإخوان المسلمين مع المركز الأم الذي يسعى إلى التحكم التام فيها وهو تركيا.

وبذلك، فإن وضع اللغة العربية في المجال التعليمي التركي يمكن أن يزيد من فرص “الإبقاء على الرؤوس فوق الماء” لأحزاب جماعة الإخوان التي تتنفس بدعم تركيا المباشر لها، وبالتالي فإن اللغة العربية تعد الأداة التواصلية المثلى للقيام بهذا.

تخفيض سن تعلم اللغة العربية من الرابعة إلى الثانية ابتدائي يعكس أهمية العربية كأداة في السياسة التركية

وأوضح لطيف سلوي المسؤول النقابي التركي أن منهاج اللغة العربية يعتمد نظرية استخدام اللغة كأداة تواصل، وليس كأسلوب لتعليم قواعد اللغة، مضيفا أن “العربية هي إحدى اللغات الرسمية الست المعترف بها في الأمم المتحدة، ويتحدث بها حوالي 350 مليون نسمة في 22 بلدا، نعتبر القرار (أي قرار إدخال تعليم اللغة العربية) ضروريا وإيجابيا وديمقراطيا، إذا ما أخذنا في الاعتبار دخولها بين اللغات الشائعة في الآونة الأخيرة”.

فالأمر بذلك لا يعدو أن يكون تكوينا في التواصل والتحادث بالعربية دون الغوص في أبعادها النحوية واللغوية المعقدة والتي تستعمل في تفسير الفقه والقرآن والتعرف إلى الآداب العربية في الشعر العربي سواء الجاهلي أو ما بعد الإسلام أو الحديث. فالقصد من هذا التعلم هو إلقاء نظرة “من فوق” على الوطن العربي لفهم ما يدور والتمكن من التواصل مع التمثيل المشوه له وهو الإسلاميون.

ومن جانبه، قال ظفر جليك، الباحث في مؤسسة الأبحاث الاقتصادية الاجتماعية، المدرس في جامعة يلدريم بيازيد، إن اللغة العربية دخلت المناهج التعليمية بموجب قرار اتخذه مجلس الوزراء عام 2010، موضحا أن خريجي قسم اللغة العربية وآدابها، وقسم إعداد معلمي العربية يمكنهم العمل كمدرسين للمادة. وبدوره، اعتبر المدرس في جامعة يلدريم بيازيد، بكر غور، قرار وزارة التربية إدخال اللغة العربية على المنهاج التعليمي بدءا من الصف الثاني الابتدائي “قرارا يعكس حكمة سياسية في التعرف إلى مجال تركيا الذي يحيط بها وخاصة العرب”، وأيضا لكونه يلبي طلب أولياء الأمور الراغبين في تعليم أبنائهم اللغة العربية.

القصد من هذا التعليم هو إلقاء نظرة على العرب والتمكن من التواصل معهم بالتمثيل المشوه له وهو الإسلاميون

واستغرب غور موقف بعض الفئات الرافض لإدخال اللغة العربية في المنهاج التعليمي، دون الإنكليزية والألمانية والفرنسية، داعيا إلى إضافة اللغتين الكردية والفارسية أيضا.

فقد ظهرت العديد من المطالب التي قالت إن “العربية هي عودة مضمنة إلى الحقبة العثمانية في التمهيد لإعادة اللغة التركية الأولى التي كانت تكتب بالأحرف العربية، والتحضير للتخلي عن الأحرف اللاتينية التي أدخلها مصطفى كمال أتاتورك بداية القرن العشرين”.

وأصدر مجلس الوزراء التركي عام 2010، قرارا بإدخال تعليم اللغة العربية كلغة أجنبية إلى المناهج التعليمية في المدراس، فيما قررت وزارة التربية، في السنة الدراسية 2013-2014، بدأ تعليم اللغات الأجنبية اعتبارا من الصف الثاني، عوضا عن الرابع.

وتقول بعض المصادر داخل تركيا، إن البرنامج الذي سطرته قيادات حزب العدالة والتنمية منذ صعود الحزب إلى العمل السياسي ومن ثمة إلى السلطة يقوم بالأساس على البحث عن موطئ قدم للأتراك في المحيط الإقليمي العربي ثم الأوروبي، نظرا لقوة التأثير في القرار الدولي عندما يكون ظهر تركيا مسنودا بأتباع لها في المجال العربي خصوصا، وفي هذا السياق وجدت الإستراتيجية التركية هذه في الإخوان المسلمين الأداة الطيعة التي إذا وصلت إلى الحكم مكنها الإخوان من نفوذ واسع تحسن به شروط التفاوض مع الغرب والانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ولتحقيق هذا الغرض على القيادات التركية أن تكون جاهزة للتواصل مع العرب بلغتهم.

12