استعادة شارل مالك

الجمعة 2016/09/30

المتداول عن المفكر اللبناني شارل مالك أنه كان العربي الوحيد الذي شارك في صياغة وإعداد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948، بصفته رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة، بالإضافة إلى شغل منصب وزير الخارجية للجمهورية اللبنانية في ما بعد.

ارتبط اسم مالك بالرئيس اللبناني كميل شمعون في مؤازرة فكرة الأحلاف (الأحزمة المتحالفة التي تحاصر الاتحاد السوفيتي، أو تصد امتداده)، خصوصا حلف بغداد، ومصادقة بريطانيا العظمى والولايات المتحدة الأميركية في مواجهة المشروع الناصري، ويمكننا أن نقول في هذا السياق إنه كان صديقا مقربا من ممالك الخليج وإماراته أيضا.

وكان موقف مالك من جمال عبدالناصر سببا ليشنع القوميون عليه، فقالوا بأنه عميل أميركي صهيوني وإمبريالي، وكالعادة نكتشف أنه لم يخدم العرب أحد أكثر ممّن اتهموا بأنهم عملاء.

اطلعت أخيرا على كتيب صدر عن منشورات النهار عام 2005 لشارل مالك عنوانه “إسرائيل.. أميركا.. والعرب – تقرير في الوضع الحاضر- تنبؤات من نصف قرن”، وهو عبارة عن وثيقة أو تقرير رفعه مالك إلى رئيس الجمهورية اللبنانية ووزير الخارجية سنة 1949، موضوعها، كما يقول غسان تويني، “تحليل علمي بل فكري شامل وعميق لواقع إسرائيل ولمطامعها بعد سنة واحـدة فقـط من إنشائها. ثـم تحليـل للسياسة الـدولية وللسياسة الأميركية بنوع أخص، مع مقارنة بالسياسات الأوروبية، وماذا يمكن العرب أن ينتظروا من هذه وتلك؟”.

في سنة 1949 رفع شارل مالك تقريره إلى رئيس الجمهورية، بعد مرور سنة على قيام إسرائيل، وتناول التقرير نقاطا من المهم تأملها اليوم مع مراعاة زمنها، وأشير إلى هذا التقرير هذه الأيام في ظل انتخابات أميركية مفصلية.

منذ العام 1949 يقول شارل مالك إن وزن العرب في أميركا لا شيء بالنسبة إلى الصهاينة، لذلك حين تتصادم المصلحة الإسرائيلية مع المصلحة العربية ستقدم الولايات المتحدة المصلحة الإسرائيلية.

قال مالك إنه برغم الحيف الذي أوقعته الولايات المتحدة على العرب بدعم قيام إسرائيل، إلا أن الشعب الأميركي، في جوهره، طيب ونبيل، وتوقع في المستقبل البعيد أن ينتفض الشعب الأميركي على السيطرة الصهيونية، والمشكلة التي تواجه هذا التحليل، مع تأكّدي من صحته، أنه لم يتحقق إلى الآن.

ينصحنا شارل مالك قبل أكثر من 60 سنة بألا نغتر بمواردنا الطبيعية، النفط خصوصا، وموقعنا الاستراتيجي، لأنهما من العوامل يمكن التغلب عليها، فالرهان فقط على الإنسان ولن يكون للعرب وزن إلا إذا أصبح الإنسان العربي مؤهلا لأن تستشيره الحكومات الغربية في الصناعة ومختلف العلوم، وأن يصبح نتاج المفكر العربي والعالم العربي موضوع تدريس في جامعات الغرب، وفي ذلك الوقت تنبّه مالك إلى أهمية الدعاية والإعلام، مع أنه لم ير مطلقا ثورة الاتصالات الراهنة.

أقرأ هذه الأسطر في تقرير مالك بعد أن تابعت المناظرة الأولى بين المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، والمرشح الجمهوري دونالد ترامب.

قالت هيلاري كلينتون إنها ستتعاون مع حلفاء أميركا في الشرق الأوسط من أجل مكافحة الإرهاب، بينما أكد ترامب أن أميركا تحمي المملكة العربية السعودية، وأنه على المملكة أن تدفع مالا مقابل ذلك.

وبعد ملاحظة دونالد ترامب بأيام عاد الجدل حول قانون جاستا الذي يتيح لضحايا 11 سبتمبر 2001 مقاضاة دول افتراضية بذريعة الإرهاب، والمقصود بهذا القانون هو السعودية، فإن لم تكن هي كان العرب.

وقانون جاستا جاء في سياق طبيعي وتدريجي، مفاده أن الولايات المتحدة الأميركية اتخذت قرارها، تقريبا، بفسخ تحالفها التقليدي مع السعودية التي تساوي هنا العرب والسنّة، لمصلحة إيران ممثلة العجم والشيعة.

وعودة إلى التقرير، قال مالك بوضوح عام 1949 إننا لن تستطيع “أن نكب الصهاينة في البحر” لا في سنة 1949 ولا في المستقبل المنظور.

فمن حيث المبدأ لن يستطيع العرب خوض معركة تحرير فلسطين وحدهم.

راهن شارل مالك على الولايات المتحدة بالرغم من قوة اللوبي الصهيوني، وتفاءل أكثر بدور أوروبي، وطالـب العرب بالانفتـاح على الهنـد، لكنه حذر، بضراوة، من أي تحالف عربي – روسي.

كان مالك صلبا وقاطعا وثابتا على موقف سلبي من الاتحاد السوفيتي، وحين أصبح وزيرا للخارجية توج هذه العقيدة بمعاداة الاتحاد السوفيتي بكل السبل.

وبالرغم من مسيحيته فقد كان مالك منحازا ضد الناصرية لمنهج التضامن الإسلامي الذي تبنته المملكة العربية السعودية، وحين وصلتُ في التقرير إلى ما كتبه مالك عن الروس، كنت أستمع إلى أخبار ما تبقى من حلب وأفاعيل الروس فيـها وفي سوريـا.

أهم عوامل تحرير فلسطين، كما قال مالك، كامن في النهضة العربية. هناك حاجة إلى تقوية الجيوش العربية وتطوير الجامعة العربية لتصبح حلفا، لكن الأهم في كل ذلك هو تطوير الإنسان العربي.

حركات التحرر حين بزغت في منتصف القرن العشرين، اعتمدت على المفهوم العسكري، وقد احترمتُ مالك يوم قال، قبل أكثر من نصف قرن، إن التحرر ليس سلاحا فقط، الأهم هو التنوير والحرية.

بعد مطالعة فكر شارل مالك، أدعو النخبة العربية إلى إعادة اكتشاف تراثها القريب وإنصافه.

تخيّلوا لو طبقنا نصائح مالك قبل 60 سنة، لكن المثيـر للشفقة أن أغلب نصائح مالك مـازالت قائمة إلى يـومنا هـذا بسبب سوء حالنا ومآلنا وأفعالنا وحظوظنا. أهم ما لفتني في الكتاب حضور قيمة النقد الذاتي، وهي ميزة نادرة قبل 60 سنة، يستحق منا شارل مالك أن نوجه له تحية شكـر وعرفـان على وثيقته المستقبلية القـادمة من حكمة التجربة، ولمحات الماضي الجميل.

كاتب سعودي

9