استعارة متجنية على الخالة

الخالة ليست دائما ملاكا من السماء، ولكنها أيضا ليست شخصية مروعة، والرابطة العاطفية المتينة والقوية التي تربطني بأبناء شقيقاتي جعلت مشاعري الدفينة تجاه خالاتي تتقد رغم أن الموت قد غيبهن عني.
الجمعة 2018/08/24
مشاعر وذكريات تمتزج في طعام الخالة

يطلق على السجن في الثقافة الشعبية التونسية تعبيرا مجازيا يجعله مرادفا لبيت الخالة، فيكفي أن يقول المسجون عن نفسه إنه كان في دار خالته، أو يردد معارفه وأصدقاؤه هذه العبارة حتى يدرك المحيطون به أنه كان مسجونا، وقد يتهكم الكثير من التونسيين على بعضهم البعض بهذه العبارة، ففي حال اقتراف أحدهم شيئا مخالفا للقانون يقولون له “احذر أن ينتهي بك الحال في دار خالتك".

يقول الناقد الآيرلندي دنيس دونوه في كتابه عن الاستعارة الذي صدر في عام 2014 “حينما نصادف استعارة مبتكرة، فإننا نلتقي بشيء جديد يقيم روابط غير مألوفة بين الأشياء، ويضفي عليها حياة من لون مغاير، الاستعارة تحيلنا على وجود قرابة بين أشياء متباعدة، وتثير في الذهن تداعيات جديدة، إنها تسعى إلى تغيير العالم وذلك بتغيير نظرتنا إليه".

قد يبدو محقا في ذلك إلى حد ما، لكن أي وجه للتقارب بين بيت الخالة والسجن؟ ألا تبدو الاستعارة في هذه الحالة مسقطة إسقاطا، وفيها الكثير من التجني على الخالة، التي كادت تكون أما لأبناء أختها، في حنانها وفي حبها وفي إحاطتها لهم بالرعاية، على الأقل في بعض الأوساط العربية التي ما زالت تولي صلةَ الدم والقرابة اعتبارا كبيرا، ولم تزحف عليها جينات الأنانية؟

الصلة بين الخالة وأبناء أختها مثلت آلية متجذرة في العلاقات الأسرية عبر الزمن، ويكفي أن نذكر هنا كيف كانت التقاليد المجحفة تفرض نوعا من “زيجات العوض"، التي تَحرم الكثير من الخالات من حقهن في اختيار شركاء حياتهن، كأن تتزوج الفتاة من أرمل شقيقتها المتوفاة، كحل للمحافظة على أبناء شقيقتها من التشتت والضياع، ولعل مثل هذا النوع من الزيجات ما زال ساري المفعول إلى اليوم في العديد من الأوساط الاجتماعية رغم أن نسق الحياة العصرية قد غير الكثير من المفاهيم الاجتماعية.

وأستحضر هنا قصة مؤلمة لامرأة عراقية أجبرتها والدتها على الطلاق من زوجها الذي لا تربطه بها صلة قرابة لتزوجها أرمل شقيقتها حتى تربي أبناءها، فكيف يمكننا إذن ألا ننصف هذه الخالة التي أرغمت على الارتباط برجل لا ترغب فيه، ولو كان ذلك بتجنب الاستعارات غريبة الأطوار.

أدرك تماما أن الخالة ليست دائما ملاكا من السماء، ولكنها أيضا ليست شخصية مروعة، والرابطة العاطفية المتينة والقوية التي تربطني بأبناء شقيقاتي جعلت مشاعري الدفينة تجاه خالاتي تتقد رغم أن الموت قد غيبهن عني.

ربما لا يقصد معظم التونسيين دائماً ما يقولون، لهذا يتوجب علينا تعلم القراءة ما بين السطور، ومن المهم دائما البحث في الفروق الدقيقة بين تعابيرهم المجازية ومقاصدهم الحقيقية، فعبارة "دار الخالة" غالباً ما تعني لديهم السجن.

وأغلب الظن "الذي بعضه ليس إثما" أيضا أن المقصود بالخالة في هذا التعبير هو زوجة الأب، والجمع بين السجن وزوجة الأب قد يراه الكثيرون هو الأصح، نظرا إلى أن زوجة الأب ليست محبوبة تقليديا، إلا أن المعنى الظاهر هو الذي يمكن أن يشكل وجهات نظر الأطفال، وقد يؤثر على علاقاتهم بخالاتهم ويجعلهم يتخيلون أنهن سيئات، ولكن أغلبنا لا يدرك مدى التأثير الذي تحدثه مثل هذه المفردات في وعي الصغار، والذي قد يكون أحيانا أقوى من الأدلة الواقعية.

21