استعباد ذاتي

الاثنين 2015/10/26

اندهشت كما لم أندهش من قبل من هول ما سمعته وسمرت الحيرة قدمي واتسعت حدقة عيني، وبدأ صدري بالصعود والهبوط، ضربات قلبي لا تكف عن النبض المتسارع والتلاحق المحموم.

فتاة في نهاية العشرينات خريجة كلية الهندسة تقدم لخطبتها شاب يمتلك شركة مقاولات ورثها عن والده ويشهد له الجميع بالتقوى والتدين، وحسن الخلق، وافقت عليه الفتاة ولكن بشرط واحد وهو أن يعدد (بمعنى أن يتزوج أكثر من امرأة)، وأمهلت الشاب وأسرتها فرصة حتى يتم لها ما أرادت. هي تفخر وتتلذذ باستعباد ذاتها، وذوبان كينونتها، وطرحها مجرد رقم!

احتارت أسرتها في تفسير وجهة نظرها العجيبة التي تدافع عنها باستماتة. فالفتيات دائما ما يكرهن الشاب متعدد العلاقات أو الزيجات، معتبرات إياها خيانة وغصة بالحلق لا يمحوها الزمن مهما طال، ومنهن من لا تغفرنها وتنهين بسببها أي علاقة حتى ولو كانت زواجا وأبناء، وحياة أسرية، المرأة التي ترى بيتها قلعة، مملكة هي وحدها المتوجة على عرشها وليست عش عصافير يديره ذكر واحد يرمي بالطعام والحبوب للإناث آخر النهار.

واكتشفت الأسرة أن الفتاة التي ترتاد المساجد لم تكن تفعل ذلك من أجل الصلاة والتقرب لله تعالى، ولكنها دروس أسبوعية أرضعتها فكرة أن التعدد هو الأصل وأن المرأة أداة لإمتاع الرجل والترفيه عنه وأشبعوها فكرا تعدديا هم أنفسهم عاجزون عن تفسيره الشرعي الحقيقي ومقاصد الخالق منه، ثم التنفير من تبعات عدم العدل بقوله تعالى “ولن تعدلوا”.

هذه الفتاة كرست نفسها لتعدد لو نوقشت فيه بالعقل والحكمة والأدلة الشرعية من الكتاب والسنة لغرقت في “شبر ماء عكر”.

هل أصبحت المرأة الشريكة والأم والزوجة، السند والعون مجرد متاع وقتي لقضاء حاجة، أصبحن متناحرات في فراش الرجال، ثم تتنافس النساء على إرضاء الرجل والفوز بقلبه الممزق بينهن، المتعب بإشكالية العدل بين الزوجات.

اتقوا الله بعض من تطلقون على أنفسكم مشايخ وراجعوا دروسكم وفتاواكم التي شوهت صورة سمحة وعادلة للإسلام، وحطت بالمرأة منزلة العشيقة لا الحليلة المكرمة.

وإن كان التعدد هو الأصل كما يفتي به بعض الدواعش، فلماذا رفض رسول الله صل الله عليه وسلم زواج سيدنا علي بن أبي طالب على ابنته فاطمة الزهراء مرددا “إن فاطمة مني وإني أتخوف أن تفتن في دينها”، أكان النبي لينكر الأصل؟. قاتلكم الله أيها المتأسلمون، إسلاميو هذا العصر.

الأصل في الإسلام الواحدة والتعدد هو الاستثناء للضرورات، وهذا الرسول الذي تتشدقون بالسير على سنته لم يجرح قلب السيدة خديجة بأخرى ولم تبلل فراشها دموع الغيرة وألم مشاركة أخرى لها زوجها وكان يبسط رداءه لصديقتها إكراما ومحبة.

وهذا القرآن الكريم الذي قال “فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة” حتى اتخذها بعض الفقهاء حد النهي في حال عدم العدل والذي قال فيه الرسول (ص) “من كانت له امرأتان يميل لإحداهما على الأخرى، جاء يوم القيامة يجر أحد شقيه مائلا”. حشوتم رؤوس الفتيات بفكر لا يخدم إلا مصالحكم وفكركم التعددي، مهدتم البيئة النفسية والعقلية حتى إذا ما أعجبتكم إحداهن لا تبذلون جهدا في نيلها.

اتقوا الله، هذه الذريعة التي زجت بالبعض في شرك التعدد وكأنما أقاموا كل حدود الله فلم يبق لهم غير “حرب الفوز بالجسد”، هل هذا هو الإسلام؛ التعدد، وجسد النساء؟

21