استعدادات مصرية لمرحلة إعادة إعمار ليبيا

تدشين 10 مناطق لوجستية في السلوم الحدودية لتعزيز الصادرات ومواجهة التهريب.
السبت 2019/09/14
الأنقاض تتحول إلى فرص استثمارية واعدة

كثّفت مصر استعداداتها لمرحلة إعادة إعمار ليبيا بتدشين مناطق لوجستية تضم جميع مستلزمات فورة التشييد والبناء المرتقبة في ليبيا، بعد أن حوّلت الحرب مرافق البلاد إلى أكوام من الأنقاض خلال السنوات التسع الماضية.

القاهرة - بدأت القاهرة في اتخاذ خطوات عملية لاقتناص فرص المشاركة في إعادة إعمار ليبيا، وأعلنت أخيرا عن تدشين عشر مناطق لوجستية في مدينة السلوم في محافظة مرسى مطروح المتاخمة للحدود الليبية.

وقال إبراهيم عشماوي رئيس جهاز تنمية التجارة الداخلية المصري لـ”العرب” إن “هذه المناطق تتيح جميع البضائع التي تحتاجها السوق الليبية، وعلى مساحة 400 ألف متر، لتعزيز سهولة تدفق المنتجات المصرية للسوق الليبية بصورة شرعية”.

وتتحكم بعض القوى الكبرى في توزيع كعكة إعادة إعمار الدول، التي سقطت أنظمتها بسبب الحروب والثورات، وتعدّ الولايات المتحدة أكبر رابح في هذا المجال من خلال العقود التي تفوز بها شركة بكتل المتخصصة في إعادة الإعمار.

وفازت بكتل بنصيب الأسد في مشاريع إعمار العراق. ويكشف التقرير السنوي للشركة أنها تستمر في 53 بلدا حول العالم، وحققت إيرادات بنحو 25.5 مليار دولار العام الماضي، فضلا عن فوزها بعقود جديدة قيمتها 17.3 مليار دولار.

وتستهدف القاهرة من جاهزيتها تلبية جميع الطلبات الخاصة بالسوق الليبية، بما يعزز تنشيط اقتصادها ومواجهة عمليات التهريب التي تتمّ على الحدود الليبية.

واستغل المهرّبون تصاعد الأحداث السياسية والعسكرية على الساحة الليبية، في توسيع نشاطهم داخل السوق المصرية، من خلال معبر السلوم البرى الواقع على الحدود بين البلدين، وأصبح اقتصاد مدينة المصرية قائما على صناعة التهريب.

وعمّقت هذه الأحداث من حالة الضبابية التي تسيطر على التعاملات التجارية الخارجية، وكانت مصر من الدول ذات العلاقات الاقتصادية الوثيقة مع ليبيا، لكن تطورات الصراع والحرب دفعت الميزان التجاري إلى التراجع بنسبة 65 بالمئة.

وأفضت الأزمة الليبية لنشاط كبير في صناعة التهريب الذي خطف 40 بالمئة من حركة التعاملات بين البلدين، وباتت السلوم مركزا للوبيات الحدود ومنفذا رئيسيا للهجرة السرية إلى أوروبا.

طارق الإدريسي: مصر مستعدة للمنافسة رغم صعوبة الأوضاع في ليبيا
طارق الإدريسي: مصر مستعدة للمنافسة رغم صعوبة الأوضاع في ليبيا

ويتزامن تأسيس المناطق اللوجستية مع تصاعد التواجد التركي في ليبيا، وتسعى أنقرة إلى المزاحمة في هذه السوق، عبر شركات تشييد كبيرة تتمتع بفوائض رؤوس أموال ضخمة.

وبعد سقوط نظام العقيد معمر القذافي في عام 2011 بدأت تركيا تتحسّس خطاها في السوق الليبية ونظّمت مؤتمر التعاون الصناعي العربي التركي في دورته الثانية في مدينة بنغازي في يونيو 2012. وقدّمت أنقرة فيه جميع أشكال الدعم، منها البناء المجاني لعدد من المرافق العامة مقابل الفوز بعقود إعادة الإعمار، إلا أن تصاعد الأحداث العسكرية أجّل طموحاتها.

وقال طارق الإدريسي نائب رئيس الجمعية المصرية الليبية لرجال الأعمال والمستثمرين إن “الجمعية سعت منذ سنوات إلى تأسيس منطقة لوجستية في السلوم، علاوة على منطقة صناعة حرة بهدف التوفير على الليبيين الذين يشترون السلع من مصر، إلا أن الظروف التي شهدتها الدولتان بعد أحداث الربيع العربي عطّلت التعاون الاستثماري”.

وأوضح الإدريسي، وهو ليبي يقيم في القاهرة، لـ”العرب” أن بلاده لم تصل إلى مرحلة الاستقرار الأمني والسياسي، وهو شرط أساسي لنجاح تلك المناطق، فالأوضاع الحالية تعوق التعاون مع دول الجوار وتؤثّر على الحالة الاقتصادية، وتأسيس البنية التحتية بالتعاون مع مصر.

ورغم الصعوبات التي سردها الإدريسي، إلا أنه لم يقلل من أهمية تدشين المناطق اللوجستية، وأكد أنها رسالة على جاهزية مصر للمشاركة في عمليات إعادة إعمار في ليبيا.

وتخدم المناطق اللوجستية المصرية مشروعات التنمية في بنغازي بوصفها الأكثر استقرارا والأقرب من الحدود المصرية.

وأكد حسين صبور رئيس المكتب الاستشاري الهندسي صبور، وهو من أوائل رجال الأعمال، الذين استثمروا في ليبيا في ستينات القرن الماضي، أن مشاركة مصر في عمليات إعادة الأعمار ستكون عبر بيع المواد الخام للشركات العالمية الكبرى المدعومة سياسيا للعمل في ليبيا.

وأوضح لـ”العرب” أن هناك فرصة لعودة العمالة المصرية إلى ليبيا مجددا للمشاركة في عمليات التشييد والبناء، لأنها تعوّدت على تحمل مناخ العمل الشاق في السوق الليبية، فيما كانت هذه السوق ملاذا لعمال التشييد والبناء المصريين على مدى عقود.

وقال “مكتبي مغلق في مدينة طرابلس منذ 2011، وسوف يعاود نشاطه مجددا عندما تستقر الأوضاع الأمنية التي يترقّبها الجميع”.

وتستحوذ مواد البناء على النسبة الأكبر من حركة التجارة بين البلدين بنحو 42 بالمئة، أي بقيمة 360 مليون دولار من إجمالي حجم التبادل التجاري الرسمي البالغ 850 مليون دولار العام الماضي، وهو ما يكشف عن آفاق الفرص التصديرية لهذا القطاع.

وتشبّعت السوق المصرية من الإسمنت ومن مخزون راكد يقدّر بنحو 35 مليون طن يبحث عن أسواق لتصريفه، فيما يصل حجم الإنتاج إلى حوالي 85 مليون طن مقابل طلب قيمته 50 مليون طن، الأمر الذي دفع ثلاث شركات إلى الخروج من السوق.

وقال وليد جمال الدين رئيس المجلس التصديري لمواد البناء لـ”العرب” إن “المراكز اللوجستية جاءت في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى شركات التشييد والبناء”.

ولفت إلى أن الشركات المصرية أضحت مستعدة اليوم لطرح منتجاتها في هذه المناطق للمشاركة في الفورة الاستثمارية المرتقبة في قطاع العقارات بالسوق الليبية.

وأوضح أن نشاط حركة التجارة يعزز من جذب الاستثمارات الليبية لمنطقة العلمين على ساحل البحر المتوسط والقريبة من ليبيا، بهدف التصنيع من أجل التصدير للسوق الليبية.

وعرضت مصلحة التخطيط العمراني الليبية على لجنة التشييد بجمعية رجال الأعمال المصريين، احتياجات السوق الليبية في مجال الإسكان، وكشفت عن فجوة حجمها 400 ألف وحدة سكنية.

وقالت إنه مطلوب على وجه السرعة بناء نحو 250 ألف وحدة سكنية، إلى جانب 150 ألف وحدة على المدى المتوسط، ثم السير في خطة تستهدف بناء 30 ألف وحدة سنويا لمواجهة الزيادة السكانية.

وكشفت أن هناك 15 ألف وحدة سكنية آيلة للسقوط وتحتاج إلى صيانة وإعادة تأهيل نتيجة الحروب التي شهدتها البلاد.

وأكد طه خالد رئيس مجموعة بي.دي.أو للاستشارات المالية، أن المناطق اللوجستية تحتاج إلى دعم سياسي مصري من خلال توجيهات بإعفاء المنتجات المصدّرة للسوق الليبية من جميع أشكال الرسوم.

وذكر لـ”العرب” أن هذه المناطق تعزز من نشاط التعامل بنظام البضاعة الحاضرة، حيث تحتاج السوق الليبية إلى جميع المنتجات خلال المراحل الأولى لعمليات إعادة الإعمار.

11