استعداد إيراني مبكر لحرب خاسرة

الأحد 2015/05/31

وجد مواطنو منطقة الأنبار العراقية أنفسهم بين فكين إرهابيين لا مخرج منهما، الأول تمثّل في مقاتلي تنظيم داعش الإرهابي الذين استولوا على الإقليم بسهولة مريبة بعدما انسحب الجيش العراقي الرسمي منها مخلّفا وراءه العتاد العسكري دون أن يفكر في المقاومة أو إطلاق طلقة واحدة، ما جعل المراقبين يضعون عشرات العلامات الاستفهامية بسبب تكرار الصورة التي حدثت في الموصل عندما دخل تنظيم داعش الإرهابي العراق وأعلن دولته في أول مرة، وقد سارعت الولايات المتحدة الأميركية بإعلان دهشتها من تصرّف الجيش قبل أن تتراجع بعد احتجاج الحكومة العراقية.

الفك الثاني تمثّل في ما يسمّى بالحشد الشعبي العراقي المدعوم من رئيس الوزراء حيدر العبادي، والمكوّن بكامله من طائفة واحدة، والمعبّر بطريقة أو بأخرى عن التّدخل الإيراني في العراق.

احتلال داعش للأنبار فضح هشاشة التماسك العراقي الذي أسهمت حكوماته المتعاقبة منذ سقوط نظام الرئيس الأسبق صدام حسين في خلقه من العدم، فالجيش العراقي الذي وجد نفسه أول ضحايا سقوط صدام حسين رغم خوضه العديد من الحروب الطاحنة كحربه مع إيران التي استمرت قرابة العقد، وحرب الخليج التي جرّه لها النظام في تسعينات القرن الماضي، وارتهانه لمخططات خارجية ابتلع بموجبها دولة الكويت التي وقفت غصّة في حلق نظام البعث وتسببت في الذهاب بحكمه الطويل في بلاد الرافدين، يحفل تاريخه – الجيش العراقي – بالعديد من الأحداث المثيرة، فقد تمّ حلّه بطرق مباشرة وغير مباشرة بعد سقوط صدام مباشرة، وبدأت عملية تجميعه بطرق مختلفة بعد مضيّ ردح من الزمن وبعد أن تحوّل العديد من أفراده وقادته من كنف النظامية، إلى مجاميع أشبه بالعصابات، وانضمام بعض آخر منه للجماعات الإرهابية.

الوضع في جمهورية العراق لا يختلف إثارة عن وضع جيشها، فذات المخططات سعت لتدمير الجيش عبر عدم تجديد تسليحه أو مواصلة تدريبه بصورة كافية، وبدلا عن ذلك قامت الحكومات التي جاءت على أنقاض البعث، بإنشاء جيش مواز، وأعلن رئيس الوزراء الحالي تبعيته المباشرة له رغم وجود الجيش الرسمي للبلاد، ورغم أن ذلك الجيش الموازي لم يخف نواياه الطائفية، وقام بقتل العديد من العراقيين السنّة في المناطق التي تمكّن من تحريرها قبلا، وهو ما جعل أهالي الأنبار في بداية الأمر يرفضون أيّ تدخل لهذا الجيش في منطقتهم خشية تعرضهم لتفلّتاته التي شهدتها أقاليم أخرى، وهذا الرفض كان فيما يبدو سببا للمشاكل الكبيرة التي عاشتها الأنبار بعد ذلك، فمواطنوها الذين رفضوا دخول الحشد الشعبي، تم منعهم من دخول عاصمتهم بلا كفيل تحت مختلف الذرائع، بينما غير العراقيين من المقاتلين مع سليماني وغيره الذين استباحوا العراق، يدخلون بغداد ربما حتى دون جوازات سفر، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد انسحب الجيش العراقي مع دخول داعش للأنبار ما أجبر أهالي الأنبار على الاستنجاد بالحشد الشعبي رغم رفضهم السابق لدخوله، وبعد اليأس من قيام حكومة العراق بتسليحهم لحماية أنفسهم وأنبارهم، وجدوا أنفسهم مجبرين على انتظار هذا الحشد لتخليصهم من إرهاب داعش رغم علمهم التام بأنها استجارة من الرمضاء بالنار، ولكن الدّواء أضحى ضروريا رغم مرارته كما قال الرئيس البوسني الراحل علي عزّت بوغوفتش.

المستغرب في وقائع الأنبار هذه المرة أن تسليح الحشد الشعبي المدفوع لتحرير تكريت، كان استثنائيا واحتوى على مجموعة هائلة من صواريخ سكود، وقد قرأ المراقبون وجود صواريخ سكود القادمة من إيران لتحرير منطقة الأنبار بأنها أتت انتقاما من الرفض السابق من الأنباريين لتدخل الحشد الشعبي الذي لم تخف إيران دعمها له، في إقليمهم، لأن تلك الصواريخ تحدث دمارا شاملا يقضي على الحجر والبشر وقد يمسح الأنبار بكاملها عن خارطة الأرض، فمعركة تحرير تكريت ينبغي أن تكون لتحرير المواطنين لا إبادتهم وإبادة كل شيء معهم.

وبعيدا عن هذا الافتراض فإن القراءة الأكثر عمقا لكمية السلاح المهولة التي نقلتها إيران للعراق بما فيها صواريخ سكود، وتموضع القوات الإيرانية كفيلق القدس وغيره في عمق الأراضي العراقية، لم تأت من فراغ، فتحالف عاصمة الحزم الذي باغت الدولة الإيرانية عند انطلاقته في اليمن، والسرعة التي أغلق بها جميع منافذ وصول الإمدادات العسكرية إليها، وشلّه لكامل قدرة إيران على مناصرة الحوثيين التابعين لها والذين استخدمتهم لتدمير اليمن تمهيدا لتدمير بقية المنطقة، هو ما جعلها تسارع لتخزين الأسلحة استعدادا لمعركة تدرك جيدا قدومها في القريب العاجل، فإيران تدرك بأن العنوان التالي لتحالف عاصفة الحزم بعدما تنهي أهدافها وواجباتها في اليمن، سيكون محاربة داعش وكافة الفصائل الإرهابية وإعادة الاستقرار لسوريا والعراق، وحسر المدّ الطائفي البغيض الذي ذهب بالمنطقة نحو الحريق والفوضى بمجرد دخوله.

صواريخ سكود وتوابعها من ترسانة الأسلحة في حال صحة هذا الافتراض، تبقى مظاهر واضحة لاستعدادات إيرانية مبكرة لمعركة تعوّل فيها الإسترتيجية الإيرانية على العديد من الجهات لإدراكها عدم مقدرتها منفردة أو حتى بمعاونة أذنابها وصنائعها من هزيمة التحالف، فهي الآن تقوم بدعم تجنيد الحشد الشعبي وتجييشه لهذه المعركة المفترضة، وتدفعه للقضاء على طائفة السنّة التي تفترض فيها المقاومة الداخلية الشبيهة بالمقاومة التي تدور الآن في اليمن، وفي ذات الوقت تأمل في إنهاء ملفّها التفاوضي مع دول 5+1، واهمة أنها تستطيع المراوغة وتحديد بعض المكاسب الكبيرة التي ستعينها في المعركة التي ستقلّم أظافرها دون شك، وتعوّل كذلك على روسيا وغيرها، ولكنها في ذات الوقت تعاني من هزيمة نفسية حادة نلمسها في مختلف تصريحات رموزها رغم نبرة التّحدي القشرية الواضحة.

كاتب إماراتي

5