استعصاء حل أزمة تشكيل حكومة لبنان

تصادم المواقف بين عون والحريري يهدد بالإطاحة بالصفقة الرئاسية، ومشاورات بعبدا لم تتمكن من حل عقدة توزير سنة حزب الله.
الأربعاء 2018/12/12
لبنان لا يستطيع تحمل أخطار عدم تشكيل حكومة

رغم مرور نحو سبعة أشهر على الانتخابات البرلمانية في لبنان، لا يزال رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري عاجزا عن تشكيل حكومة وحدة وطنية وسط تنازع الكتل السياسية على المناصب بالحكومة الجديدة، وصعّدت مسألة توزير سنة حزب الله الخلافات وقادت إلى تصادم في المواقف بين الرئيس اللبناني ميشال عون والحريري، حيث يرفض الحريري منح سنة حزب الله الموالي لإيران أي مقاعد، في حين يناور عون لأجل تمرير أجندة الحزب في البلد.

بيروت - أصبح تعطّل تشكيل الحكومة في لبنان “تقليدا”، يتوقعه اللبنانيون بعد كل انتخابات، وهو ما يحصل، منذ 24 مايو الماضي عندما كلّف الرئيس ميشال عون سعد الحريري بتشكيل الحكومة، حيث دخلت البلاد حالة استعصاء وصلت حدّ الحديث عن عزم عون التوجه إلى البرلمان لمناقشة أزمة تشكيل الحكومة.

وقالت مصادر برلمانية لبنانية إن الاجتماعات التي شهدها قصر بعبدا الاثنين هدفها تبديد أجواء التوتر التي سادت الطبقة السياسية في البلاد بسبب أزمة تشكيل الحكومة.

وأضافت هذه المصادر أن الرد الذي صدر عن مصادر مقربة من رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري كشف عن منحى قد يتخذ شكلا صداميا بين رئيسي الجمهورية والحكومية على نحو قد يطيح بالصفقة الرئاسية برمتها وينقل البلاد نحو مراحل مجهولة.

وتشي هذه التطورات بأن عون أراد من خلال اجتماعه برئيس مجلس النواب نبيه بري والرئيس المكلف بعد ذلك، إعادة تصويب عقارب الأزمة باتجاه التشاور وتجنّب اللجوء إلى أي إجراءات أحادية كما عدم التلويح بأي تدابير استفزازية لن يكون لها أي أثر على مسار تأليف الحكومة.

وأعلن عون، الثلاثاء، في مؤتمر صحافي جمعه بنظيره النمساوي الذي يزور لبنان، أنّه “بعد تعثر تشكيل الحكومة كان من الضروري اتخاذ مبادرة للتوفيق بين الجميع، ويجب أن تنجح لأن الأخطار التي تواجه لبنان كبيرة”.

وأبلغ بري عون بمسلك للحل اعتبر متسقا مع الأجندة الحقيقية لحزب الله في إثارة عقدة تمثيل سنة 8 آذار. وأفادت أوساط قريبة من رئاسة البرلمان اللبناني أن بري نصح بأن يتم توزير شخصية سنية مقبولة من نواب تكتل “اللقاء التشاوري” من حصة عون داخل الحكومة الجديدة.

وتلتقي “نصيحة” بري مع تصريح صدر الأسبوع الماضي عن النائب جهاد الصمد، وهو أحد نواب سنة 8 آذار المتحالفين مع حزب الله، والذي رأى أن حلّ الأزمة مرتبط بقبول وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال، جبران باسيل، بالتخلي عن حصة 11 وزيرا داخل الحكومة، وبتوزير من يمثل التكتل من حصة الرئيس عون.

وتجري منافسة مبطنة بين حزب الله والتيار الوطني الحر برئاسة باسيل حول من يمتلك الثلث المعطل داخل الحكومة. وعلى الرغم من إعلان الأمين العام للحزب حسن نصرالله، عن عدم ممانعة الحزب في امتلاك فريق عون 15 وزيرا، إلا أن واقع الأمر يفيد بأن الحزب ينظر بعين الريبة والشك إلى مسألة امتلاك عون وصهره باسيل قوة مقررة داخل الحكومة العتيدة.

وقد لوحظ مؤخرا تنامي التسريبات المتحفظة على سلوك وأداء باسيل، مقابل التمسك بخطاب ودي مع رئيس الجمهورية، على نحو يعكس حقيقة الأزمة التي طرأت على علاقة حزب الله مع الفريق العوني والتي تعتبر الأولى من نوعها منذ توقيع “تفاهم مار مخايل” بينهما عام 2006.

الرئيس عون ينتظر وفد حزب الله لمعرفة ما إذا كانت هناك عقد أخرى ستعيق التأليف في حال تصدى بنفسه لحل عقدة تمثيل سنة الثامن من آذار

ويعكس رفض بري الإدلاء بأي تصريح بعد اجتماعه بعون وجود خلاف بين الرجلين حول مسألة مقاربة الحل وأن رئيس مجلس النواب ينتظر ما ستتركه نصائحه من مفاعيل خلال الأيام المقبلة.

واعتبر هؤلاء أن تصريحات الحريري بعد لقاء عون أظهرت محاولة لترميم العلاقة التي تصدعت مؤخرا بينه وبين عون، لكنها في الوقت عينه أظهرت حزما لجهة تمسكه بمواقفه المتعلقة برفض توزير “سنة حزب الله” من ضمن حصته، ملمحا إلى أن الحل ليس عنده بل عند من أثار المسألة ووضع العراقيل أمام ولادة الحكومة.

وأبلغ الحريري عون رفضه لصيغة حكومة من 32 وزيرا، وهي صيغة اقترحها باسيل ونالت موافقة عون، وقبوله بصيغة من 24 وزيرا. وقالت المصادر إن عون رفض بدوره اقتراح الحريري، الأمر الذي دفع الأخير للحديث أمام الصحافيين بعد اجتماعه بعون، عن أن الأمر متوقف على مشاورات يجريها رئيس الجمهورية وأنه بعد عودته السبت أو الأحد سيدرس ما آلت إليه هذه المشاورات.

وقال مراقبون إن اجتماعات بعبدا جاءت عشية سفر الحريري إلى بريطانيا لتعطي إشارات نحو الداخل والخارج على السواء بأن لا نية في لبنان للتخلي عن سعد الحريري وأن بعبدا كما البرلمان اللبناني متمسكان به رئيسا للحكومة.

واعتبر هؤلاء أن الخطوة التشاورية الطارئة جاءت لتضع حدا لحملات إعلامية وسياسية مصدرها أوساط حزب الله كانت قد بدأت تروّج لسحب التكليف من الحريري والبحث عن بديل لتشكيل الحكومة.

ولم ترشح معلومات واضحة حول ما إذا كانت مشاورات عون مع رئيسي السلطتين التنفيذية والتشريعية قد تمّت بالتنسيق مع حزب الله، إلا أن الحديث عن أن مشاورات الرئيس اللبناني تشمل كيانات سياسية لبنانية، منها حزب الله، نبّهت المراقبين إلى إمكانية أن تكون مناورة عون تمثل خارطة طريق يوافق عليها حزب الله للخروج من الأزمة الراهنة.

ومع ذلك اعتبر المراقبون أن رفض النائب الوليد سكرية، من “اللقاء التشاوي”، تمثيل نواب اللقاء من حصة عون يمثل تمسك حزب الله بموقفه ما يعني استمرار العوائق حول إيجاد أي سبل للحل، ورفضا مسبقا لأي حل من هذا النوع قد يقترحه رئيس الجمهورية.

ولم يستبعد المراقبون انقلاب المواقف بأي لحظة وفق أجندة حزب الله الخاضعة لطهران والمتعلقة بتطور الموقف في ميادين أخرى، لا سيما في اليمن.

وقالت مصادر قريبة من بعبدا، إن عون سيستقبل وفدا من حزب الله لاستطلاع إمكانية وجود عقد أخرى مخفية في حال وافق على معالجة عقدة “سنة من 8 آذار” من حصته.

وتقول المصادر إن الرئيس ينتظر وفد “حزب الله” لمعرفة ما إذا كانت هناك عقد أخرى ستعيق التأليف في حال تصدى بنفسه لحل عقدة تمثيل سنة الثامن من آذار.

وفيما تنشط مشاورات بعبدا، رأى مراقبون أن قسطا كبيرا من المشاورات سيجري في لندن بين الحريري وباسيل الذي توجه الثلاثاء إلى العاصمة البريطانية حيث سيحضر مع الحريري وشخصيات لبنانية أخرى المؤتمر الاقتصادي الخاص بلبنان اليوم الأربعاء والذي تحضره فعاليات اقتصادية بريطانية لبحث سبل تنشيط الاستثمار في لبنان.

6