استعلى النقاد على الأدب فظهر قراء جدد

العلاقة الصراعية بين القارئ والنقد الجامعي (المؤسساتي) تصل إلى قطيعة معرفية.
السبت 2019/06/22
هل هناك طريقة محددة للقراءة؟

لماذا نقرأ؟ وماذا تقدّم لنا الكتب؟ وما هي طرائق القراءة عند المشاهير؟ نماذج من أسئلة عديدة طرحت منذ قديم الزمان، تؤكد أهمية الشغف بالقراءة. ومع التطورات التي حدثت على مستوى القراءة بما وفرّته التكنولوجيا من إتاحة القراءة إلكترونيا، وأيضًا على مستوى التلقي، حيث صار المتلقي مشاركًا (القراءة التفاعلية) يتفاعل مع المقروء بالتعليق عليه، أو بالكتابة على غراره، إلا أن هذه الأسئلة حاضرة في الوقت الراهن وتتردد بقوة.

عاد القارئ إلى الظهور من جديد، بعد موجة انتقاد حاد للناقد المتزمت (إن جاز وصفه)، وصلت إلى إعلان موت الناقد الذي كان واسطة العقد بين الكتب والقراء في ما مضى، فتأزمت العلاقة بينهما، إلى أن وصلت العلاقة الصراعية بين القارئ والنقد الجامعي (المؤسساتي) إلى قطيعة معرفية.

كما لم يعد رفض هذه العلاقة متمثلاً في الانصراف عمّا يكتبه وفقط، بل وصل الأمر إلى تهميشه والبحث عن بديل يسدّ الفراغ الذي تركه النقد الجامعي بما أحدثه من عُزلة للنص عبر مصطلحاته الغريبة، ولغته المتعالية التي تُخاطب فئة محددة توصف بالنخبة، هذا البديل تمثّل في المعادل السهل وهو القارئ العادي الذي استطاع أن يقوم بدور الناقد الافتراضي، فسدّ هذه الفجوة، بعروض مُبسّطة على صفحته الشخصية أو على مواقع القراءة أو المدونات، وغيرها من وسائل يتخذها فرصة للترويج للأعمال التي يقرأها.

النقد تراجع بتعالي النقاد على الكاتب والقارئ والتعامل معهما كطالبين بليدين لا يفقهان في الكتابة والقراءة شيئا

الغريب أن الجميع تناسى دور الناقد الحقيقي الذي كان بمثابة الدليل الذي يقود الجمهور إلى النصوص وجمالياتها أو أشبه بديوجين اليوناني “يحمل مصباحه ليضيء معالم النص أمام الكاتب والقارئ معًا، ويثريه بمعرفة اجتماعية أو سياسية أو علمية”.

النقد الصنمي

بعد حالة الاستعلاء التي واجه بها النقاد الأدب، وانصراف البعض إلى صومعته الأكاديمية، مستغرقا في البحوث والنظريات التي لم يجد القارئ العادي إقبالاً عليها، وهو ما دفع البعض إلى إعلان موت النقد، في إشارة إلى انصراف النقد عن القضايا التي تشغل الإنسان العادي، واهتمامه بالتنظير على حساب كشف جماليات النص.

في المقابل زادت الدعوات إلى الاهتمام بآراء القارئ العادي، بما ولده من نقد افتراضي، كان بديلاً لنقد المؤسسة، لكن الشيء الحميد والذي يثمّن أن الدعوات إلى موت الناقد، واكبتها حملة من الكتابات أعادت أولاً المجد للقراءة، والشغف بها، وثانيًا اهتمت بالقارئ العادي، وراحت تقدّم خطابه الذي يفكّك خطابات المؤسسة النقدية الرّسميّة، في بساطته ووضوحه والأهم النفاذ إلى الجمهور.

في أسباب موت النقد الأدبي
في أسباب موت النقد الأدبي

حالة الشغف بالقراءة استرعتِ الكثيرين سواء نقاد الأدب أو الكُتّاب، وراحوا يقدمون لنا خارطة قراءاتهم أو كيف يقرؤون، بعد أن تعددت وتنوعت وسائل القراءة، فظهرت كتابات متعددة اهتمت بالسؤال حول: هل هناك طريقة محددة، أو طرائق بذاتها تحدد فعل القراءة، وتؤطره؟ وهناك نوع آخر من الكتب أخذت تبحث عن أسباب الانصراف عن النقد، والترويج للقارئ العادي.

من الكتابات التي سعت إلى تفكيك أسباب موت النقد كتاب “هكذا تكلّم القارئ: النقد الافتراضي ومشاغل أخرى” لمحمد حسن المرزوقي، حيث يرى المؤلف أن أهم أسباب دخول النقد هذا المنعطف الخطير يكمن في فقدانه لتأثيره ودوره لدى جمهور القرّاء، “خاصّة أمام سيل الكتابات الإبداعيّة التي تضخها دور النشر في وجه القارئ يوميًّا دون تقييم جادّ لجودتها، ونقد صادق لمحتواها”، ومن ثم ظهور النقد الافتراضي، وهو مستقى من التكنولوجيا الحديثة التي أفرزت مصطلحاتها ولغتها.

ومن هذه الأسباب التعالي على الكاتب والقارئ والتعامل معهما كطالبيْن بليديْن لا يفقهان في الكتابة والقراءة شيئًا، عبر اللغة الفوضوية التي يستخدمها كثير من النقاد، ولتأكيد سخط الكُتّاب أنفسهم من هذه الفذلكة النقدية يتحصن بقول الكاتب الكويتي سعود السنعوسي الذي ضاق بمثل هذه المقولات، ويرى أن “أولئك النقاد يغطون على عدم فهمهم النصوص بالتمرس خلف عبارات وألفاظ مثيرة للضحك”.

كما لا ينسى الكاتب أن يوجه الاتهام إلى الكُتَّاب أنفسهم والأوصياء الذين صنعوا أصنامًا ثقافية، فكلمة نزار قباني على غلاف رواية أحلام مستغانمي “ذاكرة الجسد” صنعت منها الأسطورة، وبالمثل اعتبار غازي القصيبي رواية “بنات الرياض” لرجاء الصانع “عملاً يستحق أن يُقرأ”، هو ما زاد في شهرة عمل متواضع، وفق آراء كثيرة حتى أن المترجم روجر ألن شكّك في انتماء النص إلى جنس الكتابة الخيالية، فلم يصفها برواية بل أشار في معرض حديثه عن البيست سلير العربي، إلى أنها كتاب فيه تصرف عجيب.

يضعنا المؤلف إزاء النقد غير الموضوعي الذي كان سببًا في رواج أعمال أقل ما توصف بأنها رواية. فهو يقول إن هذا النقد ساهم في تكوين صورة صنميّة للأدباء والمثقفين في الوعي العربي.

الإسهال الإبداعي

أما القارئ عند سامح فايز في كتابه “البيست سلير: حكايات عن القراءة” الدار المصرية اللبنانية 2019، يكشف عن دولة الظل التي لم تستقطب أوصياء النقد الجامعي إلى الدائرة الخاصة، وهو ما يشير في معنى ضمني إلى إدانة هذه المؤسسة التي سعت إلى تهميش ظاهرة جيل من الشباب أخذ يكتب في معزل عن كل شيء، سوى الكتابة.

كتاب يكشف الكثير من المغالطات
كتاب يكشف الكثير من المغالطات

 كما أن الكتاب يسعى إلى البحث عن عوامل بزوغ هذه الظواهر الجديدة، كانتشار كتابات المرأة المحجبة، التي ردها إلى تأثير الصحوة الإسلامية التي خرجت من شبه الجزيرة العربية في السبعينات من القرن الماضي. وهو ما كان له نتائجه المهمة في نشأة كتابات يمكن وصفها بالأدب النظيف أو الروايات الدينية، حيث وضعت هذه الفتيات الكتابة في دائرة مغلقة، يصعب اختراقها تتمثل في الابتعاد عن تابوهات الدين والجنس والسياسة، وهو ما يعني أنه تمّ تحميل الأدب برسائل أخلاقية ووعظية، الأمر الذي يمثّل عودة بالأدب إلى بداياته حيث كان مبطنًا برسائل أيديولوجية تميل في مجملها إلى الوعظ وتجنّب الرذائل.

أهمية الكتاب لا تنبع من اهتمامه برصد ظواهر جديدة ككتابات الشباب والفتيات فقط، وإنما في تقديم أرقام حقيقية أو قريبة من الحقيقة بعيدة عن المبالغات الخاصة بسوق النشر، وأيضًا عن معدلات القراءة بين الشباب في العالم العربي، كاشفا عن المغالطة التي راجت بأنها “لا تزيد عن ست دقائق في السنة”، مقابل 200 ساعة في الدول الأوربية.

كما يرصد توغل الشباب في الكتابة، على نحو ما تجلت ظواهر أحمد مراد وأحمد خالد توفيق، وخولة حمدي ودينا عماد وغيرهم. لكن الشيء اللافت في هذا الاضطراد في أعداد الكتاب، ودخول أجيال جديدة، بمواصفات كتابية مغايرة عن الرائج من الأجيال المعاصرة أو حتى الأجيال القديمة التي يدعي هؤلاء الكتاب أنهم أبناء لهم بالقراءة، وأن سوق النشر الورقي لا يتناسب مع هذه الزيادة!

ما يجمع بين كتاب القارئ الافتراضي وكتاب “البيست سلير” أن كل كتاب اعتنى بالبحث عن أسباب ولادة ظاهرة معينة، فالكتاب الأول قدّم لنا أسباب ودوافع ظهور القارئ الافتراضي، أما في كتاب سامح فايز، فيشير إشارة خاطفة إلى أسباب ظاهرة “الإسهال الإبداعي” لو استخدمنا مصطلح محمد مستجاب، فالمؤلف يرجع هذا إلى المواقع الإلكترونية خاصة المواقع التي تخصصت في تجميع روابط قرّاء روايات الجيب مثل موقع “روايات” الذي أسسه داني بور عام 2000، ثم موقع ومنتدى “شبكة روايات التفاعلية”.

فهذه المواقع دون قصد “حوّلت الآلاف من القرّاء في العالم العربي إلى كتّاب”. كما كان متاحا عبرها مساحة تعطي لزوار الموقع، نشر خواطرهم وقصصهم ومقالاتهم. وهكذا تحولت هذه المواقع إلى ورش لتعليم الكتابة. على نحو ما أتاحت صفحات الفيسبوك والمدونات الشخصية وموقع جود ريدز لممارسة القراءة والنقد، وجميعها أسهمت في خلق الناقد الافتراضي.

قارئ جديد وجدل مع الأدب (لوحة للفنان حمد عبدالله)
قارئ جديد وجدل مع الأدب (لوحة للفنان حمد عبدالله)

 

15