استفتاء إيطاليا.. صدمة سياسية كبرى لأوروبا بعد بريكسيت

بريكيست ثان تعيش على وقعه القارة الأوروبية تمثل في رفض الإيطاليين في استفتاء، الأحد، تعديلات رئيس الوزراء، ماثيو رينزي، ما أحدث رجة أخرى لبروكسل حيث يتهاوى التكتل الأوروبي وينجح تصاعد اليمين المتطرف في تهديد وحدته بنشر الإقصائية ورفض الآخر في لاءات متتالية تفسر مدى توغل ونفاذ الأفكار الشعبوية في القارة العجوز، رغم الانتعاشة والإيجابية اللتين جسدتهما نتائج انتخابات النمسا في رفضها لهذا التيار الشعبوي، إلا أن الاتحاد الأوروبي يبدو، وفق مراقبين، مهزوزا بعد سلسلة من الاختبارات الانتخابية المحورية.
الثلاثاء 2016/12/06
الوحدة الأوروبية تتهاوى

تلقت حكومة رئيس الوزراء الإيطالي، الأحد، صفعة بعد أن صوت الناخبون الإيطاليون ضد الإصلاحات الدستورية التي اقترحتها الحكومة ما اضطر رئيس الوزراء، ماثيو رينزي، إلى إعلان استقالته، الأحد 4 ديسمبر الجاري، على المباشر خلال لقاء تلفزيوني، مؤكدا أنه سوف يسلمها، الاثنين، إلى الرئيس الإيطالي، سيرجيو ماتاريلا.

ويعتبر استفتاء إيطاليا الذي جاءت فيه النتائج معاكسة لما راهنت عليه حكومة رينزي، بمثابة “بريكيست ثان” بعد استفتاء “بريكيست البريطاني” الذي أسفر عن تصويت الناخبين البريطانيين لفائدة مغادرة الاتحاد الأوروبي، وهو مصيري لتحديد شكل المؤسسة التشريعية، والتأكيد على مركزية القرار من عدمه في تقرير السياسات العمومية للبلاد.

ويتمحور هدف التعديلات المقترحة من طرف أحزاب “يسار الوسط”، حول تقليص صلاحيات مجلس الشيوخ، وتدعيم سلطة مجلس النواب، وذلك لما يتمتع به مجلس الشيوخ من مكانة ونفوذ في المشهد التشريعي الإيطالي، بصفته ثاني روافد السلطة التشريعية بعد رئيس الجمهورية. وهي المكانة التي من المرجح أن يفقدها في حال كان التصويت بالأغلبية لفائدة التعديلات الدستورية.

ويرى عدد كبير من الإيطاليين أن الإصلاحات المقترحة تجمع العديد من الصلاحيات بيد رئيس الوزراء وتخفض من مستوى السلطات الجهوية، مما يجعل الحكومة المركزية تتحكم بسن سياسات عمومية في قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والتجهيز والنقل. وترى الحكومة أن الغاية من الإصلاحات المقترحة هي ترشيد الإنفاق العمومي في ظل الهزات المالية والأزمات الاقتصادية التي يشهدها العالم بأسره.

في المقابل، تعالت بعض الأصوات اليمينية معتبرة أن الغاية من الإصلاحات لا تعدو كونها تركيزا للسلطة بيد الحكومة في روما على حساب المجالس الجهوية، ما يجعل من السهل تمرير سياسات الاتحاد الأوروبي، وبتالي يصبح الشعب الإيطالي خاضعا بشكل شبه تام لإرادة بروكسل.

الانقضاض على السلطة

باح استفتاء إيطاليا بأسراره وصوت 59 في المئة من الإيطاليين بـ”لا” في وجه الإصلاحات التي اقترحتها حكومة ماثيو رينزي، في حين صوت 41 في المئة فقط لصالح الإصلاحات، وأعلن الأخير عن استقالته، ما يرجح انقضاض قوى اليمين على السلطة في إيطاليا وعلى رأسها بيبو غريلو زعيم “حركة 5 نجوم”، وسيلفيو بيرلسكوني (رئيس الحكومة السابق) زعيم “فورتسا إيطاليا”، وماتيو سالفيني زعيم “عصبة الشمال”، المعادية للمهاجرين.

فوز دونالد ترامب زعيم الشعبوية في الانتخابات، يفتح الأبواب على مصراعيها أمام الزعيم اليميني الشعبوي بيبو غريلو

وفي وقت سابق، تعهد هؤلاء الزعماء الثلاثة بأنهم في حال صوت الشعب الإيطالي ضد مقترحات حكومة رينزي، وفي حال وصولهم إلى السلطة بتصويت الأغلبية، سوف يتوجهون إلى جمع التوقيعات من أجل تنظيم استفتاء شعبي للخروج من الاتحاد الأوروبي، متقفين أثر بريطانيا بعد التصويت لفائدة بريكسيت.

وتعيش القارة الأوروبية منذ فترة على وقع العديد من الأزمات الاقتصادية التي أثرت على اقتصاديات أكبر بلدانها، وتعد ألمانيا الناجية الوحيدة من هذه الأزمات، وكانت ألمانيا بقيادة المستشارة أنجيلا ميركل التي اعتبرتها وسائل الإعلام الغربية “آخر المدافعين عن الغرب الليبرالي”، والتي تسلمت شعلة الديمقراطية من الرئيس الأميركي باراك أوباما في آخر جولة له في أوروبا قبل مغادرته البيت الأبيض، من أكبر الداعمين لرئيس الوزراء الإيطالي ماثيو رينزي.

ويعد دعم ميركل لإيطاليا رينزي ليس بالأمر الجديد حيث قامت المستشارة الألمانية في يناير 2015 بزيارة إلى مدينة فلورنسا الإيطالية، مسقط رأس رئيس الوزراء ماثيو رينزي، عقب مشاركتها في قمة منتدى دافوس، وقد كانت عندها من أكبر الداعمين للإصلاحات الاقتصادية التي دأبت على اتباعها حكومة رنزي في وقت كان من المتوقع آنذاك أن يعلن البنك المركزي الأوروبي عن خطة لشراء السندات لإنعاش النمو ومكافحة الانكماش وسط مخاوف الألمانيين من أن مثل هذا العمل يمكن أن يساعد نظرائهم الأضعف في منطقة اليورو بعدم القيام بالإصلاحات اللازمة.

واستطاعت إيطاليا بقيادة رينزي التقليص من ديونها والسير نحو الانفراج الاقتصادي بعد التقدم الذي أحرزته الحكومة في مجال إصلاح أنظمة العمالة والضرائب والعدالة، بالإضافة إلى إصلاح المؤسسات السياسية، وراهن رينزي على المصداقية والشفافية في حل تلك القضايا، بعد ضغوطات تم تسليطها عليها من داخل الاتحاد الأوروبي.

لكن البلاد اليوم تشهد تشظيا جراء الأداء الهزيل للحكومة، والأزمة الحادة التي يشهدها القطاع المصرفي، ما دفع الحكومة إلى السعي إلى وضع خطة لإنقاذ ثمانية بنوك إيطالية مهددة بالإفلاس. كما أن معدل البطالة في إيطاليا بلغ نسبة مرتفعة استقرت في حدود 11.9 في المئة، ناهيك عن العجز الذي يشهده الميزان التجاري للبلاد.

"لا" الإيطالية تعمق الصعوبات

بعد التصويت ضد الإصلاحات الدستورية التي طرحتها حكومة رينزي هوى اليورو إلى أدنى مستوى له أمام الدولار الأميركي منذ نحو عامين. وأججت نتائج الاستفتاء قلق الأسواق بشأن آفاق الاقتصاد الإيطالي، غير أن اليورو تمكن من تقليص جزء كبير من الخسائر التي تكبدها عقب الإعلان عن نتيجة الاستفتاء في إيطاليا، فيما ارتفعت أسهم البنوك بعد تكبدها خسائر بـ 6 بالمئة.

وكان من ضمن خطط رينزي إنقاذ ثمانية بنوك إيطالية من الإفلاس، ومشكلة البنوك الإيطالية لا تقتصر على إيطاليا فقط ولكنها سوف تمتد إلى باقي منطقة اليورو، خاصة البنوك الأوروبية المستثمرة في الديون الإيطالية. وأشارت فاينيشل تايمز إلى أن البنوك الإيطالية في حاجة إلى 40 مليار يورو، لتجاوز شبح الإفلاس، موضحة أن المستثمرين لم يجازفوا بشراء أسهم بنوك مهددة بالإفلاس.

الزعماء اليمينيون يسوقون أنفسهم على أنهم جدار الصد في وجه تدفق اللاجئين الذين سوف يغيرون هوية أوروبا المسيحية

ولم تتوقف تداعيات الاستفتاء الإيطالي عند هذا الحد، حيث تم الإعلان أن وزير الاقتصاد الإيطالي، بيير كارلو بادوان، سوف يتغيب عن اجتماعين اقتصاديين مهمين في أوروبا، حيث أفاد مصدر حكومي في تصريح لوكالة رويترز للأنباء بأن “وزير الاقتصاد الإيطالي لن يحضر اجتماعين لوزراء المالية الأوروبيين يعقدان، الاثنين، والثلاثاء، عقب تلقي حكومته هزيمة ساحقة في استفتاء”. والاجتماعان اللذان سيتخلف عن حضورهما وزير الاقتصاد الإيطالي بادوان في بروكسل، هما اجتماع لوزراء المالية في منطقة اليورو، والآخر اجتماع مع ممثلين عن الاتحاد الأوروبي كله.

وفي ظل الصراعات والأزمات التي تعيشها القارة العجوز خاصة بعد تصويت البريطانيين لفائدة مغادرة الكتلة الأوروبية في استفتاء بريكيست، وتوقعات بصعود وجه يميني (فيون) في فرنسا مع قرب الاستحقاق الانتخابي في عام 2017، بالإضافة إلى صعود أسهم القوى اليمينية في كل من المجر وبولندا، فضلا عن فوز دونالد ترامب “زعيم الشعبوية” وصاحب الأفكار الراديكالية المتطرفة في الانتخابات الأميركية، تفتح الأبواب على مصراعيها أمام الزعيم اليميني الشعبوي، الممثل الكوميدي، بيبو غريلو، للوصول إلى السلطة في إيطاليا، خاصة وأن قوى اليمين التي يمثلها غريلو تمكنت من انتزاع رئاسة البلدية في ثلاثين مدينة إيطالية، من ضمنها العاصمة الإدارية روما، والاقتصادية ميلانو، من أحزاب “يسار الوسط” التي يمثلها ماثيو رينزي.

تصاعدت أسهم اليمين المتطرف في القارة العجور نتيجة لفشل سياسة القوى اللبيرالية وقد شكلت نتائج استفتاء 23 يونيو 2016، صدمة للرأي العام البريطاني ولأوروبا والعالم بأسره، في خطورة غير مسبوقة اعتبرها كبار المحليلين الأغبى في التاريخ الحديث، حيث قرر رئيس الوزراء البريطاني، دفيد كامرون، أن يعرض مسألة عضوية المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروربي على الاستفتاء الشعبي.

على خطى كاميرون، سار رينزي الذي اعتبر أن التصويت بـ “لا” على الإصلاحات يعني استقالته من منصبه.

ويرى العديد من زعماء اليمين المتطرف في إيطاليا أن إصلاحات حكومة رينزي كانت ستجعل بلادهم رهينة قرارات الاتحاد الأوروبي الذي يضم اقتصاديات متعثرة للعديد من الدول مثل اليونان والبرتغال وأيرلندا، من دون تحقيق أي فائدة حقيقة تعود على المجتمع الإيطالي.

في المقابل، عبّر وزير الخارجية الألماني، فرانك فالتر شتاينماير، عن قلقه من تداعيات نتيجة الاستفتاء الإيطالي على الإصلاحات الدستورية، معتبرا أن نتيجة الاستفتاء ليست نهاية العالم إلا أنها تعد تطورا سلبيا على الأزمة الحالية التي تمر بها أوروبا. وأكد أن بلاده تراقب تداعيات هذا الاستفتاء بقلق بالغ.

وأفاد شتاينماير بأن حكومة رينزي كانت تسير على الطريق الصحيح، داعيا الحكومة المقبلة إلى المضي قدما على هذا الطريق، موضحا أن التصويت كان مقياسا للمشاعر المناهضة للمؤسسات الحاكمة في أوروبا.

يعتبر الاقتصاد الإيطالي ثالث أكبر اقتصاد في أوروبا بعد ألمانيا وبريطانيا، لكن الكتلة الأوروبية تشهد تحولات عميقة وتباينا بين الدول الأعضاء. قبل عام، وفي ما يتعلق بالوضع الاقتصادي اليوناني المتأزم، قام الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات جماعية ضد شعب بأكمله لأنه طالب بالتخلي عن سياسات التقشف، إضافة إلى دول مثل اليونان والبرتغال وأيرلندا باتت مهددة بالتعاسة وسلب سيادتها نتيجة ديونها المتراكمة.

تهديد الكتلة الأوروبية

تعيش القارة العجوز على وقع التوجس من عمليات إرهابية يهدد بشنها تنظيم الدولة الإسلامية في كل لحظة وحين.

العديد من زعماء اليمين المتطرف في إيطاليا يرون أن إصلاحات حكومة رينزي كانت ستجعل بلادهم رهينة قرارات الاتحاد الأوروبي

وأمام تدفق أعداد هائلة من اللاجئين السوريين والعراقيين الفارين من جحيم الحرب المستمرة منذ خمس سنوات في البلدين، والتي تفاقمت بعد أن فتحت تركيا حدودها مع أوروبا، وإعلان ألمانيا استقبالها للاجئين، إلى جانب الوافدين الأوروبيين من أكرانيا ودول أوروبا الشرقية، نتيجة ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، والصعوبات الاقتصادية في اليونان، تجد أحزاب اليمين المتطرف الفرصة سانحة لتقدم نفسها بديلا عن الأحزاب الوسطية واليسارية، شعارها في ذلك حماية البلاد من الإرهابيين القادمين من بؤر التطرف.

ويسوق الزعماء اليمينيون أنفسهم على أنهم جدار الصد في وجه تدفق اللاجئين الذين، وحسب زعمهم، سوف يغيرون هوية أوروبا المسيحية. على سبيل المثال، احتدم الصراع على الهوية في فرنسا في أعقاب ما يعرف بأزمة البوركيني وهو اللباس الذي ترتديه النساء المسلمات أثناء السباحة، والذي يعارضه المرشح الأبرز لرئاسة فرنسا اليميني فرنسوا فيون.

باتت العديد من العوامل الاقتصادية والأمنية وحتى عامل الهوية تهدد أوروبا بالتفكك خاصة وأن بعض الدول لوحت بمغادرة الاتحاد الأوروبي نتيجة للأعباء التي أثقلت كاهلها من دون أن تحقق فائدة تذكر، بالإضافة إلى أن اليمين الأوروبي يسعى إلى استغلال قرار البريطانيين، والإيطاليين من بعدهم، حيث أن رئيسة الجبهة الوطنية الفرنسية، مارين لوبن، والنائب الهولندي خيرت فيلدرز والإيطالي ماتيو سالفيني دعوا إلى إجراء استفتاءات في بلدانهم حول استمرار عضويتها في الاتحاد الأوروبي.

في المقابل صرح رئيس المجلس الأوروبي، دونالد تاسك، في بروكسل، في وقت سابق “نحن اليوم مصممون على الحفاظ على وحدة أعضائنا السبعة والعشرين. إنها لحظة تاريخية، ولكنها بالطبع ليست لحظة لإبداء رد فعل هستيري“.

وقال رئيس وزراء بلجيكا، شارل ميشال، إن أوروبا تلقت “صفعة”، داعيا إلى التزام الرصانة والعمل على إعادة إحياء المشروع الأوروبي.

وللإشارة فإن المستفدين من الدخول إلى الاتحاد الأوروبي وخاصة اعتماد اليورو كعملة رسمية هم دول أوروبا الشرقية، التي تمتلك اقتصادات ضعيفة تشكل عبئا على الدول الغربية القوية اقتصاديا.

ورغم الظرف الدولي الاستثنائي، الذي شهد صعود اليمين الشعبوي في أكثر من دولة بالعالم، إلا أن النمسا تمكنت من النجاة من حكم اليمين المتطرف بعد أن أعلن مرشح حزب الحرية الشعبوي، نوربوت هوفر، الأحد 4 يناير عن هزيمته بنسبة 46.4 في المئة من الأصوات أمام غريمه ألكسندر فان دير بيلين، (53.6 في المئة) مرشح التوافق اليساري والليبرالي.

وشكلت نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية النمساوية صدمة للكثيرين، حيث تصدر التصويت نوربرت هوفر، مرشح حزب الحرية، أحد أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا، بنسبة 36 في المئة من إجمالي الأصوات، يليه المرشح المستقل المدعوم من حزب الخضر ألكسندر فان دير بيلين بنسبة 20 في المئة.

كاتب ومترجم من تونس

7