استفتاء انفصال كردستان عن العراق: الواقع والتحديات

يسود اعتقاد راسخ لدى غالبية سكان الإقليم الكردي العراقي بأن ما سيحصل بعد استفتاء الانفصال والخروج عن صف الحكومة المركزية في بغداد لا يمكن تحمل تبعاته، فيما يحدو الأمل شقا ثانيا يطالب بمنح حكومة أربيل حكما ذاتيا كفيلا بإخراجها من دائرة الأزمة الاقتصادية. لكن على الجانب الآخر بين هذا وذاك تقف إيران وتركيا في صف الجدار العازل على أمل نسف العملية برمتها، عبر إجراء مناورات عسكرية يضعها المحللون في صف التخويف لحكومة الإقليم الكردي العراقي الماضية في الانفصال.
الاثنين 2017/09/25
مشروع لا تحمد عقباه

أربيل - تسود أجواء من الترقب الحذر قبل موعد إجراء الاستفتاء على استقلال إقليم كردستان العراق، وسط خشية من اضطرابات قد تحصل، تدعمها تحذيرات متتالية من دول الجوار التي تعارض هذا المقترح بشدة.

وفي أربيل، كبرى مدن إقليم كردستان ومعقل رئيسه مسعود البارزاني الذي دعا في يونيو الماضي إلى الاستفتاء، تزيّن الأعلام الكردستانية المنازل والمباني والسيارات. غير أن غالبية الذين سيدلون بأصواتهم يعبّرون عن مخاوفهم من تبعات هذه الخطوة على الإقليم قبل الحكومة المركزية في بغداد.

ويقول المواطن أحمد سليمان (31 عاما) “في الحقيقة ننتظر بفارغ الصبر ما سيكون عليه الوضع بعد 25 سبتمبر الجاري، لأننا نعرف النتائج مسبقا وأن أغلب شعبنا الكردي سيصوت بنعم للاستفتاء لأنه سيحدد مصيرنا ويحقق حلمنا في بناء دولتنا”. لكنه أشار في المقابل إلى المخاوف من “الأعداء. لديهم نوايا شريرة ضدنا”.

تخوف من النتائج

يدلي الملايين من الأكراد بأصواتهم في ثلاث محافظات تتمتع بحكم ذاتي، إضافة إلى مدينة كركوك الغنية بالنفط والمتنازع عليها بين بغداد والإقليم. وقال كروان محمد (27 عاما) إن “ما نخشاه هو مخططات دول الجوار، وإلا فجميع شعبنا مع الاستقلال لأننا لم نر الخير مع العراق طوال هذه السنين”.

تركيا ستكون أول المتضررين من انفصال كردستان عن العراق وخصوصا من حيث واقع أنقرة الداخلي قبل الخارجي

يذكر أن تركيا كما إيران سبق وأن أعلنتا رفضهما القاطع لهذا الاستفتاء منذ الإعلان عن موعد قيامه. وأضاف الشاب الذي يعمل في بيع الملابس “اليوم نرى دول الجوار تتفق ضدنا رغم أن لديهم العديد من الخلافات”.

وفي السليمانية ثاني أكبر مدن الإقليم التي يسيطر عليها الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني يبدو المشهد أقل حماسة تجاه الاستفتاء. ويقول كامران أنور (30 عاما) “سأتوجه إلى صندوق الاقتراع غدا، لكي أصوت ضد استقلال كردستان لأن الوضع الحالي غير مناسب للاستقلال عن بغداد”.

لكن أنور الذي يعمل معلما أعرب عن خشيته مما يأتي بعد الاستفتاء قائلا “لدي مخاوف من حصار اقتصادي قد يفرض على الإقليم ومن اندلاع حرب داخلية مع الحشد الشعبي، كما أخاف أن أستيقظ من النوم لأشاهد دبابات تركية تدخل الإقليم”.

لكن المدينة الأكثر حساسية هي كركوك التي تهافت سكانها على شراء المواد الغذائية، لكنها بدت هادئة صباح الأحد، وقد غطت شوارعها الأعلام الكردية ورايات حسينية لإحياء ذكرى عاشوراء.

وفي إطار خططه لمنع إجراء الاستفتاء قدم الاتحاد الوطني الكردستاني مقترحا إلى البارزاني يتضمن تأجيل الاستفتاء في مدينة كركوك والمناطق المتنازع عليها تفاديا لاندلاع نزاع.

وقالت النائبة آلاء طالباني في رسالة حصلت وكالة الصحافة الفرنسية “فرانس برس” على نسخة منها “هناك اجتماع في أربيل حول تأجيل الاستفتاء في كركوك والسيد نيجرفان البارزاني على تماس تام معنا حول هذا الموضوع والرجل متفهم تماما للمناشدات المحلية والدولية”.

لكن مهما كانت لغة المطالبة بتأجيل الاستفتاء، فإن القيادة في أربيل تبدو ماضية في كسب المزيد من الأصوات التي لا تسمح لها بالمناورة على مسألة مصيرية بالنسبة إليها.

وليست كركوك جزءا من المحافظات الثلاث التي تشكل منطقة الحكم الذاتي في كردستان. وهي منطقة متنازع عليها بين حكومة بغداد والأكراد الذين يؤكدون أنها تعود إليهم تاريخيا قبل أن يطردهم منها نظام صدام حسين ويوطن عشائر عربية فيها. وتصاعدت التهديدات وأصبحت أكثر وضوحا داخل العراق ضد كردستان.

وقال مستشار الأمن الوطني رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض إن “الحكومة الاتحادية ستؤدي كافة مسؤولياتها التي كفلها لها الدستور لحماية الأراضي العراقية وعدم تقسيمها”.

وأضاف أن “الاستفتاء هو عمل استفزازي وكسر للأطر التاريخية بين العرب والأكراد وسيكلف الجهات الراعية له ثمنا باهظا”، موضحا أنه “متى ما تم الاستفتاء سيتم الرد عليه بأسلوب دستوري وقانوني”.

وتشكلت معظم الفصائل المكونة للحشد الشعبي بعد انهيار الجيش العراقي وتراجعه في 2014 عن محاربة تنظيم الدولة الإسلامية الذي استولى على ثلث مساحة العراق.

وسجّل رد فعل حاد من عصائب أهل الحق، أحد أبرز الفصائل المسلحة ضمن الحشد الشعبي تجاه الاستفتاء.

وقال محمود الربيعي المتحدث باسم الجماعة “ندعو ونؤكد على أن تقوم السلطات الاتحادية التشريعية والتنفيذية بواجبها الوطني واتخاذ الإجراءات القانونية الكفيلة بالتصدي لهذا المشروع الذي يهدد السلم الأهلي والأمن الوطني وينذر بتصعيد وتوتر مجتمعي قد يفضي إلى ما لا يحمد عقباه”.

ماذا بعد الاستفتاء

واعتبرت تركيا أن الاستفتاء “غير شرعي” فيما نبّه رئيس وزرائها بن علي يلديريم إلى أن التدابير التي ستتخذها أنقرة في حال إجراء الاستفتاء “ستكون لها أبعاد دبلوماسية وسياسية واقتصادية وأمنية”.

وطالبت إيران وتركيا والعراق السلطات في إقليم كردستان بإلغاء الاستفتاء وهددت باتخاذ بإجراءات قاسية. وفي أول خطوة قبل يومين من الاستفتاء المزمع إجراؤه، باشرت تركيا وإيران إجراء مناورات عسكرية على الحدود مع الإقليم الطامح إلى الاستقلال، فيما اعتبر توجّسا من تبعات الانفصال على حدود البلدين، لكنّ محللين يرجحون اتباع أنقرة وطهران لسياسة التخويف.

تركيا أول المتضررين

معلوم أن تركيا ستكون أول المتضررين من إجراء استفتاء استقلال كردستان العراق. هذا مكشوف ويعلمه الأتراك قبل غيرهم. لكن ما هو مخفي هو المخلفات التي سيتركها الاستفتاء على واقع أنقرة في الداخل قبل الخارج. الداخل التركي يمر بمرحلة حرجة من الاضطهاد والتنكيل والإيقافات دون حدود منذ محاولة الانقلاب على الرئيس رجب طيب أردوغان في 2016.

النظام في تركيا يشك في كل شيء. في الشرعي ودونه. في الانقلابيين وحتى المواطنين من عامة الشعب الذين لا حول لهم ولا قوة. يئس أردوغان من الأكراد كما يئسوا هم أنفسهم منه. الأكراد منبوذون وأغلبية ساحقة منهم موضوعة على قوائم الإرهاب في تركيا.

لكن ماذا عن أكراد تركيا ما بعد الاستفتاء؟ حزب العمال الكردستاني بقيادة عبدالله أوجلان من المنتظر أن يصبح أقوى في حال استقلال الأكراد عن العراق. فيما حزب الشعوب الديمقراطية بقيادة صلاح الدين دمرداش يجد نفسه هو الآخر أمام فرصة تاريخية وقد يشتد عوده.

المقاربة من منظور تحليلي تبدو جد محتملة وإن غابت بعض الدلائل الموضوعية على حدوثها، لكن الذي لم يكن يتصور إجراء استفتاء على انفصال الأكراد عن بغداد بإمكانه أن يتصور كل شيء.

على ضوء المجريات الحاصلة في المنطقة والتغيرات الاستراتيجية التي تلوح في الأفق، فإن الإقرار بتغيّر خارطة جديدة في المحور العراقي التركي الإيراني جد واردة. وللحديث ما يبرره لجهة الأدوار الموكولة لبعض العناصر والأقليات المهمة التي يمكن أن يشعل فيها استفتاء العراق نعرة الخروج عن الصف. أولى هذه الأقليات تلك الكردية التركية التي تستشيط لؤما وغضبا من سياسة أردوغان وكيفية إدارته لتركيا.

العراق بدوره يعيش مخاض الحرب على داعش يغذيه طموح أكراده إلى الانفصال في ظل حكومة عراقية عاجزة عن تقديم البديل عدا التحذير من خيبات أربيل ما بعد الاستفتاء إن لم تتراجع عن ذلك.

إيران هي الرابح الوحيد من هذا وذاك، لكن الخوف ينسحب عليها هي أيضا لجهة الدور الموكول للأكراد فعله ضدها بعد حصولهم على استقلال ذاتي، إن لم تحاول استقطابهم. سياسة طهران التي ضمنت صف تركيا وبغداد في محاولة لخلق حلف ثلاثي ضد الاستفتاء، تقوم على المناورة والتضليل لجهة مصالحها الاستراتيجية في بغداد أولا. إيران ليس من مصلحتها حدوث نزعة انفصالية في هكذا توقيت بالذات، فيما تركيا خوفها مسقط على فتح جرح غائر في خاصرتها الجنوبية قد يعود إلى النزيف في أي لحظة.

الأكراد عازمون على الاستقلال، كلفهم ذلك ما كلفهم. فيما التحاليل وأغلب الأطروحات منصبة على ما بعد الاستفتاء. حرب يمكن أن تقوم بين الأكراد من جهة وتركيا وإيران وبغداد من جهة ثانية، قراءة متأنية قد تستبعد هذا الطرح، لكنه محتمل.

بغداد ليس من مصلحتها فتح جبهات عدة للحرب، فهي منهمكة في مطاردة فلول داعش على عدة جبهات. تركيا المنهكة أمنيا من الداخل بدورها لا يعتقد أن خوض صراع على حدودها ومع الأكراد بالذات سيكون حلا مناسبا لتسكين هواجس أكرادها وإبعاد فكرة المطالبة هم أيضا باستقلالهم الذاتي. بقيت إيران، الدولة التي لا يهدأ لها بال إلا بجر المنطقة إلى المزيد من التشرذم والإغراق في الأوحال.

ربما تنجح سياسة “الحلف”، الذي بدأ بالتشكل على ضوء المعطيات الحاصلة في إقليم كردستان العراق، في تطويق الخناق على أربيل ومحاولة دفعها إلى التراجع عن قرارها، لكن مهما بدا من تململ تركي وإيراني، عسكريا، فإن كل الاحتمالات تظل مفتوحة على سيناريو قد لا ينتظره الجميع.

7