استفتاء رمزي لانفصال برقة.. توظيف سياسي أم خيار واقعي

كوابح داخلية وخارجية تمنع تقسيم ليبيا، والجغرافيا والسكان والموارد والجيش مكونات رئيسية لتحديد مصير أقاليم الدولة.
السبت 2018/03/03
ميل نحو خيار اللامركزية

ترتبط تهديدات الانفصال التي تتصاعد حينا وتخفت أحيانا أخرى في ليبيا باستحقاقات وأزمات سياسية داخلية تسعى خلالها الأطراف المتنافسة إلى الضغط على بعضها، في ما بين قوى سياسية داخل الشرق أو من جانب ذلك الأخير تجاه مناطق الغرب أو حتى بعث رسالة تهديد للمجتمع الدولي ا عبر خيارات انفصالية.

وبخلاف ما انطوى عليه الاستفتاء الرمزي الذي نظمه مؤخرا عدد من سكان المنطقة الشرقية لانفصال إقليم برقة، من انتقادات للمشاركين لمسائل مثل، سيطرة الميليشيات المسلحة على العاصمة طرابلس وإهمال برقة في التطويرات المالية والتنموية، بدت رسالته الأساسية مرتبطة برفض مسودة الدستور الليبي التي أقرتها الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور في نهاية يوليو الماضي بأغلبية أعضائها.

ورفض عدد من نواب الشرق تلك المسودة كونها لا تعالج المظالم السياسية والتنموية للمنطقة، فيما دعمها البعض من النواب ونظروا لها كحد أدني للخروج من مأزق الانتقال الليبي.

رسالة الاستفتاء

بدت الرسالة التي ينطوي عليها الاستفتاء الرمزي نوعا من استدعاء الضغوط الشعبية لأنصار التيار الفيدرالي في مواجهة المؤيدين لمسودة الدستور، لا سيما أن عددا من نواب برقة أعلنوا الشهر الماضي رفض مناقشة المسودة في مجلس النواب أو إصدار قانون للاستفتاء عليها، ودعوا للعودة إلى دستور1951 وتعديله توافقيا أو التهديد بالانفصال.

ويأخذ هذا الخلاف داخل الشرق الليبي أبعادا صراعية أكثر اتساعا مع الغرب، لما حظيت به مسودة الدستور من دعم حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج، والمجتمع الدولي ومبعوثه الأممي غسان سلامة، في مسعى لتأسيس أوضاع دستورية وسياسية جديدة، تتجاوز معضلة موازين القوى الميدانية الراهنة. وينظر السراج وحلفاؤه في غرب ليبيا إلى تلك الموازين على أنها ليست في صالحهم عموما، مع سيطرة قائد الجيش الليبي المشير حفتر على الشرق باستثناء درنة ومعظم الجنوب، بينما يسعى سلامة لإنقاذ خطته الأممية المتعثرة والدفع بالاستفتاء على الدستور ليكون محفزا لخطوة إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية مع نهاية العام الجاري.

 

تشكّل المطالبات بانفصال إقليم برقة الليبية والدعوة إلى الحق في تقرير المصير، اللتين عبر عنهما استفتاء رمزي شارك فيه مواطنون ونواب الأربعاء 28 فبراير 2018 في مدينة البيضاء بشرق ليبيا، ورقة للتوظيف السياسي الداخلي أكثر من كونهما خيارا واقعيا يملك فرصة على أرض الواقع.

وبشكل عام، تعرضت مسودة الدستور الليبي إلى صراع مناطقي بين الشرق والغرب والجنوب حول موادها وطريقة صياغة مؤسسات الدولة وشكل الحكم، إبان مناقشات هيئة صياغة الدستور التي تم انتخابها في العام 2014 على أساس مناطقي (20 ممثلا لكل إقليم).

وبدا الصراع واضحا بين منطقي الكثافة السكانية التي تحظى بها طرابلس والمفضلة للمركزية في شكل الحكم والدولة من ناحية، والغلبة الجغرافية للشرق والمفضل للامركزية بمعناها الأفقي الإقليمي، بحكم ما تعرضت له هذه المنطقة من تهميش تنموي يتناقض مع ثرواتها من ناحية ثانية.

نظرا لذلك الصراع، بخلاف اعتراضات التبو والأمازيغ على مسودة الدستور، تبنت الأخيرة نظاما مختلطا (شبه رئاسي) يميل في مجمله إلى المركزية السياسية، عبر أسلوب الصلاحيات المقيدة المتبادلة بين سلطات الرئيس والبرلمان (مجلسا النواب والشيوخ)، وإن لجأ أكثر إلى اللامركزية الإدارية على المستوى المحلي.

ليست هذه المرة الأولى التي يتم فيها توظيف التهديد بانفصال برقة، في إطار الصراع المناطقي بين الشرق والغرب، فقد سبق أن لوّح به بيان صادر في مطلع أبريل 2016 عن اجتماع لرئيس مجلس النواب عقيلة صالح، وعدد من زعماء وعمداء البلديات في شرق ليبيا، عندما تحدث عن حق تقرير المصير لبرقة.

وجاء ذلك وقتها على خلفية أمرين: الأول دخول حكومة الوفاق الليبي طرابلس في مارس من هذا العام مدعومة بقوى ميليشاوية وتأييد دولي. والثاني فرض عقوبات من الاتحاد الأوربي على عقيلة صالح.

وهنا بدا التلويح بحق تقرير المصير جزءا من أوراق قوى الشرق الليبي التي استشعرت في حينه أن المجتمع الدولي يناصر الغرب وحكومة الوفاق على حسابه، وهو ما تجلى في دعم تلك الحكومة والاعتراف بها، مع أنها لم تحظ بثقة مجلس النواب.

وبالمثل أيضا، برز التهديد بانفصال برقة قبل أربعة أشهر من أول انتخابات ليبية في يوليو 2012، عندما أعلن بعض زعماء منطقة برقة إقليميا فيدراليا اتحاديا، وأسسوا مجلسا انتقاليا لإقليم برقة، ودعوا المواطنين إلى مقاطعة هذه الانتخابات.

ولم يلق ذلك قبولا في ظل مظاهرات معارضة واستفتاء رمزي آنذاك في بنغازي دعم وحدة ليبيا، الأمر الذي دفع بعضا من مناصري الفيدرالية إلى عسكرة مطالبهم، عبر ما سمّي بجيش برقة الذي سيطر على موانئ نفطية في الشرق قبل أن تتبلور قوة الجيش الوطني الليبي لتسيطر على مناطق الهلال النفطي.

للوهلة الأولى، يبدو الواقع الليبي المأزوم محفزا لدعوات الانفصال وتفكك الدولة، في ضوء مؤشرات متعددة مثل، الانقسام بين ثلاث حكومات (حكومتا الوفاق والإنقاذ في الغرب) وأخرى (لحكومة المؤقتة) في الشرق، ووجود جيش وطني يهيمن على الشرق، بينما تسيطر قوى عسكرية وميليشياوية عديدة في الغرب، واستشعار الجنوب بأنه مهمش ويتم توظيفه في صراع الشرق والغرب، بما أظهر دعوات انفصالية في العام 2013. ولم تفلح خطة المبعوث الأممي غسان سلامة في جسر الفجوة بين الفرقاء الليبيين.

وتتلامس تلك المؤشرات مع معضلات أكثر عمقا وهيكلية تتعلق ببنية الدولة الليبية منذ استقلالها في العام 1951، فهناك صراع جيوسياسي ممتد بين طرابلس وبرقة على أيهما تكون النواة المركزية للدولة. وإذا كانت طرابلس استطاعت بحكم كثافتها السكانية وتطورها، تعليميا وتنمويا، أن تكون عاصمة سياسية، فإن بروز النفط في برقة في ستينات القرن الماضي أوقد فكرة الانفصال، ما جعل الحكم الملكي آنذاك يلغي الحكم الذاتي للأقاليم خشية تفكك الدولة، ويعلن عن دولة مركزية موحدة في العام 1963.  وحافظ العقيد معمر القذافي على ذات النهج لأكثر من أربعة عقود. وأخضع الأقاليم الليبية لحكم مركزي وظف فيه ثروات برقة النفطية وهمّشها سياسيا وتنمويا، الأمر الذي يفسر لماذا اندلعت الثورة ضده من الشرق في فبراير2011.

ثمة عدم اتفاق بين قوى الشرق أساسا حول كيفية معالجة مظالم تهميش برقة، فهل يتم ذلك عبر الانفصال عن جسد الدولة أم تعزيز اللامركزية التي تتيح لها استغلالا أفضل للثروات لدعم التنمية في إطار بقاء الدولة، أم تبني خيار فيدرالي بين أقاليم ثلاثة (فزان وبرقة وطرابلس) على غرار النماذج الأوروبية والأميركية؟

 

الاتجاه العام في شرق ليبيا يميل نحو خيار اللامركزية، لأن الانفصال خيار غير موات من حيث فرصه ومعطياته، كما أن النموذج الفيدرالي لا تتوفر أسسه في البيئة الليبية الراهنة

بين الانفصال والهشاشة

بشكل عام، يميل الاتجاه العام في شرق ليبيا نحو خيار اللامركزية، لأن الانفصال خيار غير موات من حيث فرصه ومعطياته، كما أن النموذج الفيدرالي لا تتوفر أسسه في البيئة الليبية الراهنة، لأنه يتطلب بنية توافقية مجتمعية ومؤسسات أمنية مركزية تمثل الرابط الأساسي بين الأقاليم الفيدرالية للدولة.

ولعل إحدى المعضلات في الحالة الليبية أن ثمة خلطا واسعا بين خياري الفيدرالية والانفصال، فالأول يقود أو لا يقود أحيانا إلى الثاني، بحسب مدى توافر معطيات نجاح النموذج الاتحادي من عدمه.

الأهم أن خيار الانفصال يواجه معارضة الجيش الوطني الليبي بزعامة المشير خليفة حفتر الذي يشكل اللاعب الأكثر حسما في موازين القوى العسكرية في الشرق الليبي، والرجل يدعم بقاء مؤسسات الدولة موحدة،  وربما يكون مرشحا رئاسيا، ما يعني أنه يناصر فكرة توحيد السلطة ومركزية الدولة وليس اتجاهات انفصالية.

ولوحظ أن تصاعد ثقل الجيش الليبي في الشرق في السنوات الأخيرة حد كثيرا من دعوات الانفصال وجعلها ترتبط بالسياق التوظيفي لا الواقع، لأن بعض أنصار التيار الفيدرالي باتوا يساندون حفتر، وتجلى ذلك في البيان الأخير الذي أصدره الحراك البرقاوي الرافض لمسودة الدستور في طبرق.

تضاف إلى ذلك، طبيعة تشابك الموارد الاقتصادية في جغرافية الدولة الليبية، فلا تتعلق المسألة بخيار الانفصال بالنفط الذي تتركز غالبيته في الشرق، لكن الجنوب يملك موارد طبيعية، أهمها المياه الجوفية التي تحتاجها أقاليم الدولة ككل، بالإضافة إلى أن مناطق الغرب تحوي على احتياطيات كبيرة من الغاز تتكالب عليها شركات غربية لن يكون في مصلحتها تفكك الثروات الليبية بين الأقاليم الثلاثة.

وبقدر ما يمثل العامل القبلي في المجتمع الليبي عنصرا مهما في المعادلة الصراعية بين هذه الأقاليم، فإن ثمة أصولا لسكان وقبائل في شرق ليبيا مرتبطة بمدن في الغرب والجنوب.

ويبدو أي سيناريو لانفصال برقة في غير مصلحة قوى عديدة ذات مصلحة متماسة مع ليبيا، فمصر والجزائر وتونس من مصلحتها دعم بقاء الدولة الليبية.

وليس من مصلحة بعض القوى الأوروبية تفكك ليبيا أو انفصال برقة، لأن ذلك يصب في اتساع تهديدات الهجرة غير الشرعية عبر البحر المتوسط، وإضعاف تدفق موارد الغاز والطاقة، بخلاف أنه يفتح الباب أمام انتشار عدوى الانفصال في منطقة الساحل الأفريقي، من جهة النيجر وتشاد المتماستان مع جنوب ليبيا، ما يعني تهديدا مباشرا لبعض المصالح الغربية في هذه المنطقة.

وتستحسن قوى كبرى سيناريو إبقاء ليبيا دولة هشة على أن تتحول إلى كيانات ممزقة لا يمكن وقف التهديدات التي خلفتها تجربة إسقاط نظام القذافي، وهي لا تزال تمثل درسا صعبا لبعض القوى الغربية، حيث فتحت عليها باب أزمات عابرة للحدود لم تستطع السيطرة عليها حتى الآن.

6