استفتاء كردستان.. آخر مسمار في نعش العملية السياسية

الأربعاء 2017/10/11

لو كان الاستفتاء مجرد استبيان موقف الناس، لقبل ضمن حق إبداء الرأي والجهد المعرفي؛ لكن ما رافقه من طقوس واحتفالات وهياج وتغييب للعلم العراقي ورفع لعلم كردستان فقط، وبعضهم لوح بعلم إسرائيل، وإعلان مسعود البارزاني أنه خطوة نحو الاستقلال، وإذا لم يستجب الطرف الآخر لحواره الذي هو نفسه قرر موعده وموضوعه وأسسه، فإن الاستقلال يكون قد أصبح أمرا واقعا على الأرض، وكل يحتفظ برأيه وموقفه، كل ذلك يجعله بمثابة إعلان لدولة كردستان.

ومثل هذه القضية المصيرية لا يمكن أن تتم إلا بتوافق الطرفين، (ناهيك عن جارتين كبيرتين ترفضانه تماما) ولو كل مدينة أو ثلاث مدن في العالم تستفتي سكانها لتستقل لأصبح وضع الدول على زلازل وبراكين، ولصارت دول العالم اليوم شظايا ومِزَقًا، ولتحولت الأمم المتحدة إلى ناد لسباق الخيل.

لذا فإن الحديث عن الاستفتاء صار حديثا عن الانفصال، وكان طبيعيا أن يحدث انعكاسات وإفرازات كبيرة وثقيلة وبحجمه في مختلف الأماكن والاتجاهات. أهم تداعياته ونتائجه هو أنه ضرب العملية السياسية الجارية في الصميم مُنزلا آخر مسمار صدئ في نعشها، كاشفا عن كونها فضيحة وكذبة كبرى أو كما أسماها عراقيون “عرس واوية”.

فهي ودستورها قاما وبمباركة أميركية على تحالف بين متزعمي الشيعة الطائفيين المرتبطين بإيران وبين متزعمي الأكراد المعروفين بعنصريتهم وبعدهم عن مصالح غالبية الأكراد من الفقراء والكادحين، وكان لكل طرف هدفه المعلن والمضمر.

فالطائفيون من الشيعة كان هدفهم الحصول على أغلبية برلمانية تضمن سيطرتهم على الحكم، فيستبعدون السنة عن مركز القرار ويتمتعون بإذلالهم والانتقام منهم بحجة أحداث وأوهام يدعون وقوعها قبل مئات السنين وتنفيذا لمخطط إيراني توسعي يمضي عبرهم إلى سوريا ولبنان وشواطئ المتوسط، فتنازلوا عن القومية من أجل المذهب، وتنازل متزعمو الأكراد عن المذهب من أجل القومية.

هكذا عُقد عرس الواوية في أشهر عسل متواصلة تبادلوا فيها العناق بين المنطقة الخضراء وقصور مسعود البارزاني وجلال الطالباني. فتوافقوا على حل الجيش الذي كان يمكن أن يكون حافظا لأمن الدولة واستقرارها، ما فتح الباب للإرهاب وشتى أنواع الميليشيات.

الطائفيون من الشيعة حلوا الجيش لأنه دحر مخطط الخميني في احتلال العراق. وحله القوميون الأكراد انتقاما لحروبه الطويلة معهم، التي ارتبطت في فترات كثيرة بشاه إيران وزيارات البارزاني الأب إلى إسرائيل عارضا بندقيته للإيجار لطعن العرب من الخلف، وعلى أيدي هذا التحالف صار قانون حل حزب البعث تصفية للسنة ومحاصرتهم.

لذا لا نعدو الحقيقة إذ قلنا أن هذا الحلف الطائفي العنصري الذي حاصر السنة ومدنهم وخنقهم بهذه الكماشة الكبيرة هو الذي خلق الظروف والأسباب والبيئة الخصبة لظهور التطرف والإرهاب وصار حاضنة للقاعدة ثم الدواعش فيما بعد.

من يحكم العراق اليوم هي مجموعات دينية تمارس تطرفها وإرهابها في كتمان ينتج المزيد من التطرف والإرهاب على الطرف الآخر، فحزب الدعوة الذي هو النسخة الشيعية من الإخوان المسلمين وجد حليفه في النسخة السنية ممثلة بسليم الجبوري وأقرانه الذين رضوا أن يكونوا مجرد ديكور في حكم لا حول لهم فيه ولا رأي، فالقرار هو دَعْوَتي إيراني أولا، ثم كردي صار يتضاءل يوما بعد آخر لقاء توسع متزعمي الأكراد واستحواذهم على مناطق عربية وتركية وتركمانية ومسيحية وإطلاق يدهم في استخراج وتصدير النفط.

اليوم وقد تصادمت مصالح الطرفين، فتعاركوا وتهاتروا بأن المسروق والمنهوب والمبيت، وصار واضحا للناس جميعا بعد أن كان بصرخات احتجاج واهنة هنا وهناك يتهم كل متحدث به أنه ضد العملية السياسية وعميل للإرهابيين ويساق للسجن وفق المادة “4 إرهاب”.

في ظلال هذا الحلف المدمر استفاد الطرفان وأتباعهما ماديا وإن خسروا أرواحهم في حلف فاوست الشيطاني الذي بموجبه يمنح كل شيء، مقابل أن تمسك الروح لتساق في منحدرات الشر. استفاد الطائفيون الشيعة أنهم تربعوا ولا زالوا على سدة الحكم غير مكترثين أن دولتهم تعجّ بالفاسدين واللصوص والمرتشين، ملهين الناس بالبكاء واللطم وتزييف التاريخ والقيم والشعارات ونشر الخرافات.

وتربع الأكراد على سلطتين في آن واحد فهم رجال حكم كاملو الدسم في بغداد، وحكام مطلقو الصلاحية في كردستان بلا رقيب ولا حسيب، بينما رئيس الوزراء في بغداد لا يستطيع تعيين أو عزل فراش مدرسة في أربيل ناهيك عن تحريك قطعة عسكرية في دهوك أو السليمانية أو التساؤل عن استيلاء البيشمركة على كل ما أسموه بالمناطق المتنازع عليها والتي وصلت إلى جلولاء وحدود بغداد.

واستفاد ممثلو السنة خاصة جماعة الإخوان المسلمين من تربعهم على مناصب لم يكونوا يحلمون بها، وضلع بعضهم بالفساد أيضا فاستحوذوا على الكثير من الثروات والأموال وفتحوا في عمان ودول في الخليج مكاتب لبيع حصتهم من المناصب والمقاولات والامتيازات.

واستنادا لذلك يمكن القول إن خطوة استراتيجية ستتحقق على طريق سد منابع الإرهاب والفساد وزوال أكبر أسبابهما بأن يسقط هذا الحلف الطائفي العنصري، ويقوم مكانه حلف ديمقراطي وطني بين القوى والعناصر التقدمية والمدنية يمتد من الشمال والوسط والجنوب عابرا التسميات القومية والطائفية مؤكدا على الهوية الوطنية العراقية. بذلك يمكن القول إن أرض العراق لم تعد صالحة لتنبت الإرهابيين والفاسدين، بل ستكون قاعدة لخلاص المنطقة من شرورهم.

لكن قادة التحالف الشيعي ومتزعمي الأكراد لا يريدون الإقرار بموت العملية السياسية الحالية وإعلان نهايتها وسيظلون متمسكين بها يغذونها بالحقن والمنشطات ويخفون احتضارها، فهم يستثمرون فيها الأسهم والسندات الطائفية والقومية وهي مجالهم الحيوي والماء الذي لو خرجوا منه ماتوا كالسمك، متجاهلين الشعب شمالا وجنوبا شرقا وغربا وهو يعاني مآسيه المتلاحقة.

وهكذا نراهم اليوم باسم عدم الانجرار للصراع وضرورة الحوار لا يتحدثون عن جوهر ما يحدث: وهو انتهاؤهم كقادة لعملية سياسية لم تؤد سوى إلى تفكك البلاد إلى دويلات ومناطق نفوذ غارقة في الفساد والإرهاب والفاقة والدمار.

مهما رقعت هذه العملية السياسية ووضع على وجهها من ماكياج فإنه لن يعود إلى ما كان عليه، وإن تغيرات نوعية وكمية قد حصلت في الواقع العراقي على مستوى سياقات الأحداث وتفكير الناس وما حل في الأرض من استحقاقات وديون سياسية كبيرة واجبة الدفع.

وسيكون دستورها المتخم ببنود التناقضات والصياغات الطائفية والقومية أول من يستدعى للتحقيق والمحاكمة والحكم بإلغائه. وسيدفع الطائفيون في بغداد للجماهير الثائرة تكاليف استعلائهم وتجاهلهم لآلام الناس وخنوعهم لإيران، كما سيدفع العنصريون والقوميون في أربيل والسليمانية ثمن غطرستهم وأنانيتهم وتلاعبهم بقضيتهم.

وسيدركون أن التاريخ الذي تجاهلوه طويلا لم يتجاهلهم، فهو قد سجل لهم مسارهم المثقل بالخطايا والآثام والذي تسبب بخراب العراق ووضعه في مهب الرياح وزعزعة استقرار المنطقة.

البارزاني بحركته الانفصالية الفاشلة سلفا لفت الأنظار إلى وضعه المتضخم والمتخم بما حلب هو ومن حوله من ضروع العراق، مذكرا بحكاية رجل كان لسنوات يحمل بطاقة مزورة يدخل بها مطعما للمسنين ويتناول وجباتهم دون أن يدفع شيئا، ومرة اشتبك مع نادل المطعم بمشادة حول طبق لم يعجبه فلفت إليه أنظار إدارة المطعم ففقد وجباته الشهية ومثل أمام القضاء.

ربما إذا سارت الأحداث في اتجاه صحيح ولو لفترة قصيرة سيفقد البارزاني وجباته الشهية التي تمتع بها لسنوات طويلة في أربيل وكركوك والمدن الأخرى، وقد يمثل أمام القضاء ليس وحده طبعا بل ومعه حلفاؤه العرب المتواطئون في بغداد لسنوات طويلة.

كاتب عراقي

9