استفتاء كردستان.. الدولة الدينية الطاردة

الدولة الدينية هي دولة متسلطة وإقصائية بالضرورة، ذلك أنها تريد أن تجعل من طيفها المذهبي الواحد، وطنا قسريا لبقية المكونات التي تجد نفسها مضطرة للبحث عن كيانات بديلة ومظلات تحتمي بها. ولعل استفتاء كردستان، يعطي المثال الواضح على أن المقدمات المغلوطة والخيارات التعسفية التي انتهجت في العراق بعد 2003 قد أفضت بالضرورة إلى نتائج مخيبة واستحقاقات مرتبكة بل وربما كارثية.
الجمعة 2017/09/29
استفتاء أربيل يعري حقائق كثيرة

الحديث عن الدولة الدينية ينطلق أولا من تناقض كبير يحمله اللفظ نفسه، بين الدولة بما تُثقلُ به من معان سياسية حديثة، وما تمثله من كيان قانوني اعتباري، وبين الدين بوصفه إيمانا شخصيا يتعلق أساسا بالأفراد، هو أيضا يؤدي إلى دلالات الهون التي تحملها تلك الدولة المتناقضة في مسماها، والمكبلة في أدائها بمتصورها للعالم وللأفراد القائم على الفرز الديني، والمعتلة في علاقتها بالحاضر والراهن باعتبار ارتدادها إلى لحظة غائرة في التاريخ تنهل منها شرعيتها وإحداثياتها.

في الخامس والعشرين من الشهر الجاري انتظم استفتاء إقليم كردستان العراق، رغم كل ما سبقه من تهديد وتشكيك ومحاولات فتح قنوات حوار متأخر.

وبعد الاستفتاء، لم تبرح المواقف الرافضة للفكرة والقائمين عليها وللمتوجسين من مآلاتها، المواقع التي تنطلق منها. حيث ظلت المواقف نفسها تتحدث عن أهمية الحفاظ على العراق موحدا، وعلى أن خطوة الاستفتاء متسرعة وغير قانونية وغير دستورية، وعلى أنها قد تدحرجُ كرة الثلج الكردية في الأراضي التركية والإيرانية وغيرها.

على أن رفض الاستفتاء أو القبول به، ونقد المساعي البارزانية، بدءا من حلم مصطفى أو جهود مسعود، أو البحث عن الارتباطات الكردية بإسرائيل ومسارات التطبيع التي عُدّت مفتاحا ذكيا مكّن الأكراد الحالمين من ولوج أبواب موصدة، كلها قراءات وإن حاولت توفير بعض الوجاهة إلا أنها أغفلت بعدا أساسيا لا يعفي الأكراد من نزوعهم الانفصالي ولا يبرّئهم، لكنه أيضا ينهل من مناهل غير كردية. المنطلق المنسي في جلّ القراءات مفاده أن الدولة الدينية، كل دولة دينية، هي بالضرورة دولة طاردة للمكونات، نابذة للتعدد، ومانعة للتعايش، طالما أنها تعلي الانتماء الديني والمذهبي والطائفي على الانتماء الوطني الذي توفر قوانينه ودساتيره رحابة تستوعب الاختلاف والمساواة أمام القانون.

الدولة التي تشكلت في العراق بحسابات أعدت خارج العراق بعد العام 2003، صعّدت أحزابا دينية، شيعية وسنية، ثم أتاحت حسابات الخارج نفسها صعود أحزاب شيعية، كانت تستند على مظلوميات غائرة، وعلى سعي لـ“استرداد الحقوق”، ببحثها عن اجتثاث حزب أو حلّ جيش، أو الانتقام لثأر قديم، وكأن “الاستبداد” القديم كان غير عادل في توزيع منسوب استبداده على المستبد بهم.

المهم أن الحسابات الخارجية والمظلوميات العميقة والحزن المعمم، عوامل تضافرت لتنتج أحزابا لا ترى الوطن وطنا ولا المواطنين كذلك. أدى ذلك كله إلى تبلور “دولة” بقيادة مذهب وطغيان طائفة، مع الاعتراف بأسبقية المذهب والطائفة على الأحقاد الجديدة، وبراءتهما من أن يحوّلا إلى سلوك سياسي.

الطائفية لا يمكن أن تنتج سوى ردود مغالية من قبيل داعش، وهذا لا يعني أن نشوء داعش كان فقط إلى ما وفرته الأحزاب الدينية

الأحزاب الدينية الطائفية التي حكمت العراق كانت تتنافس داخل عملية سياسية قوامها الولاء للمذهب وللطائفة، وهي تبعا لذلك عملية سياسية معتلة، لأن كل تلك الأحزاب على اختلافها وتنافرها أحيانا كانت متفقة على مقولات دينية ومذهبية أكثر من إجماعها على تقديم ما ينفع الناس ويمكثُ في الأرض.

الأداء السياسي للأحزاب الدينية العراقية كان يدفع رأسا نحو سؤال عميق: هل كانت الدولة العراقية، خاصة بعد مفصل العام 2003، دولة تسمح بالتعدد؟

علاقة الدولة بالتعدد تنبع من القوانين التي تشرّعها والتي تنظم من خلالها العلاقات بين الناس وبينها وبين الناس، والتي تقوم فقط على التساوي أمام القانون.

أداء الدولة العراقية بعد مفصل أبريل 2003 لم يكن منطلقا من قوانين، على الرغم من وجودها النظري، ولم يكن باحثا عن تحقيق المساواة ولو من خارج القوانين، بل كانت سياسة بمفعول رجعي، أي أنها كانت تنهض على محاسبة الماضي وهندسة السياسة والعلاقات من خلال تلك المحاسبة.

ماض سحيق يسترجع عبر شعارات من قبيل أن “الذين قتلوا الحسين لم ينتهوا بعد، ها هم اليوم موجودون.. أنصار يزيد وأنصار الحسين يصطدمون مرة أخرى في مواجهة شرسة وعنيدة”، التي صرح بها رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، أو ماض قريب يسمح للفاعل السياسي العراقي أن يقسّم الشعب العراقي بين بعثي وغير بعثي.

التقاء الثارات القادمة من ماض سحيق مع الثارات المعاصرة، أنتج فرزا عميقا للمجتمع، وسمح بصعود منسوب الطائفية والمذهب على حساب الوطن والمواطنة، وفرض أيضا تراجع القوانين. هل كان ممكنا بمثل هذه العقلية وهذا التصور أن تنهض دولة تستوعب اختلاف مواطنيها، وتحوّله إلى عامل ثراء وتنوّع؟

لم تخرج اعتصامات السنة في مدن عراقية عديدة عن هذا الإطار، وحتى إن اصطبغت أحيانا بمنطلقات طائفية، فإنها كانت تمثل نتائج من نفس جنس الأسباب، فالطائفية غير الطائفة، الطائفية لا يمكن أن تنتج سوى تشنج وتوتر أو ردود مغالية من قبيل تنظيم داعش أو سواه، وهذا لا يعني أن نشوء داعش كان يعود فقط إلى ما وفرته الأحزاب الدينية العراقية من مقدمات، إلا أن تلك المقدمات كانت عاملا مؤثرا ومحددا في نشأة تنظيم تضافرت عوامل عديدة في إنتاجه.

كل دولة دينية، هي بالضرورة دولة طاردة للمكونات، نابذة للتعدد، ومانعة للتعايش، طالما أنها تعلي الانتماء الديني والمذهبي

لم يخرج السعي نحو انفصال كردستان العراق عن هذا الإطار، وإن كان محفوفا كغيره من الظواهر والأحداث السياسية بالعديد من الحيثيات التاريخية والسياسية والاقتصادية الأخرى (الداخلية والخارجية) التي تضافرت بدورها ووجدت في العملية السياسية العراقية المرتبكة أرضية خصبة، بل مبررا ودافعا ومحفزا.

جدير تأمل حصاد “التجارب المقارنة” في الدول الدينية (المعاصرة على الأقل) التي قامت أو حاولت القيام في أكثر من أرض عربية، لتأمل ما أنتجته وما تركته من خراب. والحصاد ليس مترتّبا عن بذور الدين، بل هي مستنبتة من استعمال تعسفي في حقول سياسية لا تحتمل غير النسبية وتطارح الأفكار والبرامج، عكس ما يقدمه الدين من أجوبة إطلاقية ومن خلاصات إيمانية للذوات والأفراد.

هنا تبدو تجربة العراق منذ العام 2003 مفيدة لدراسة ظاهرة الدولة الدينية، وما قد تؤدي إليه، كما قد تبدو تجارب السودان والصومال وباكستان وإيران وغيرها من التجارب المقارنة مفيدة أيضا في قراءة مآلات التنوع في ظل حكم أحزاب دينية أو أيديولوجيات أصولية.

قد يقول قائل إن المساعي الانفصالية ليست مقتصرة فقط على الدول التي تعيش تحت حكم ديني، وأمثلة إسبانيا وأسكتلندا وغيرهما مفيدة للحجاج، لكن الدولة الدينية طالما أنها تعلي من نسق الانتماء إلى الطائفة أو المذهب، فإنها تحفز ضحاياها على الخروج من الانتماء الوطني والبحث عن انتماءات وأشكال تنظم غير وطنية، والرد على الظلم الطائفي بردود أفعال طائفية ومن ضمنها الانفصال أو الثورة أو حتى الحروب الأهلية. هذا إضافة إلى الخصوصيات الدينية والثقافية للمجتمع العراقي وهي خصوصيات مختلفة حتما عن التجارب الانفصالية الأخرى.

استفتاء كردستان حدث مهم في تاريخ العراق والمنطقة، وأيّا كانت مآلاته القادمة، فإنه حدث لا يفترض أن نتعامل معه فقط بمنطق الرفض القاطع أو المساندة المطلقة، وإنما يفترض أيضا بحث أسبابه من داخل العملية السياسية العراقية، أو على الأقل العوامل التي سرّعت من نسق إنجازه.

استفتاء كردستان العراق سيصبح عملية قابلة للاستنساخ إذا لم ندرك أن المواطنة وحدها هي التي توقف مصانع التشدد والغلوّ. فدولة ديمقراطية في العراق كانت ستعفي الشعب من كل نتائج وتبعات التشدد والغلو بشتى أنواعهما، بدءا من عربدة تنظيم داعش، وصولا إلى استتباعاته المتشنجة من قبيل تنامي النزوع الانفصالي.

13