استفتاء لتعديل الدستور الموريتاني وسط انقسام حاد

رغم تعهد الرئيس الموريتاني مرات عدة بعدم المساس بعدد الولايات الرئاسية فإنه لم يتمكن من تهدئة مخاوف المعارضة التي تبرر قلقها بالإشارة إلى تصريحات لوزراء أو مقربين منه يؤيدون إدراج ولاية رئاسية ثالثة.
الأحد 2017/08/06
تحدي المعارضة

نواكشوط – أدلى الموريتانيون بأصواتهم السبت في استفتاء حول تعديل دستوري مثير للجدل يشمل إلغاء مجلس الشيوخ وتغيير العلم ودعت أحزاب المعارضة الرئيسية إلى مقاطعته.

وبعد حملة صاخبة سادها التوتر وشهدت أعمال عنف خلال تظاهرات للمعارضة، افتتحت صناديق الاقتراع الساعة السابعة صباحا بالتوقيت المحلي (مطابق لتوقيت غرينتش) في عموم البلاد، وسط إجراءات أمنية مشددة خوفا من اندلاع مظاهرات لمعارضي الاستفتاء.

وتقول المعارضة المقاطعة للاستفتاء الدستوري، إن التعديلات المقترحة من الحكومة، تشكل خطرا على أمن البلاد ووحدتها الوطنية وتماسكها الاجتماعي.

فيما ينظر الداعمون إلى تلك التعديلات الدستورية على أنها تكرس ديمقراطية البلد وتهدف إلى تعزيز تنميته وتشجع روح الوطنية وتكرم شهداء المقاومة الوطنية.

ونقلت وكالة الأخبار عن الرئيس الموريتاني محمد ولد عبدالعزيز تعليقه على غياب وفد يمثل الاتحاد الأوروبي لمراقبة الاستفتاء بأن الاتحاد ليس معيار الحقيقة.

وقال ولد عبدالعزيز بعد إدلائه بصوته في حي تفرغ زينة الراقي بالعاصمة نواكشوط “من يعتبرون الاتحاد الأوروبي معيارا للحقيقة هم من يفكرون بعقلية استعمارية”.

ونفى ولد عبدالعزيز أن تكون المعارضة قد قاطعت الاستفتاء، معتبرا أن من يقاطعها هم قلة قليلة لا وجود لها إلا على مواقع التواصل الاجتماعي.

وتعتبر التعديلات الدستورية المعروضة للاستفتاء الشعبي، الأكثر جدلا في تاريخ البلاد، بسبب الرفض الواسع الذي قوبلت به من طرف غالبية أحزاب المعارضة النشطة ومن بينها المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة (تحالف من 14 حزبا).

كما تعارضها أحزاب “تكتل القوى الديمقراطية”، وحزب “الصواب”، و”القوى التقدمية للتغير” وعدد من المنظمات والهيئات النشطة بينها حركة (إيرا) المدافعة عن حقوق الأرقاء السابقين في البلاد.

بينما يؤيد الاستفتاء، شركاء حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم، بجانب حزبين معارضين، شاركا في الحوار الذي أجري في سبتمبر الماضي، هما حزب “الوئام” وحزب “التحالف الشعبي”. أما حزب “اللقاء الديمقراطي” المعارض، الذي يقوده الوزير السابق، محفوظ ولد بتاح، فقد تبنى حملة تطالب بالتصويت بـ”لا” في الاستفتاء.

ويتوقع أن تعلن النتائج مطلع الأسبوع في الاستفتاء الذي تعتبره المعارضة “تمريرا قسريا” لهذه التغييرات بعدما رفضت في البرلمان وتخشى سابقة يمكن أن تسهل على مر الوقت تعديل عدد الولايات الرئاسية المحددة باثنتين حاليا.

المعارضة الموريتانية فشلت في دفع الحزب الحاكم إلى تأجيل أو إلغاء التعديلات الدستورية المثيرة للجدل والتي أحدثت انقساما حادا في المجتمع بعد حملة شابتها توترات واحتجاجات كبيرة

وتعتبر التعديلات نهائية، إذا نالت الأغلبية البسيطة (50 بالمئة +1) من الأصوات، المعبر عنها في الاستفتاء.

ويقضي التغيير الدستوري الذي أعد خلال حوار بين السلطة والمعارضة التي توصف بالمعتدلة في سبتمبر وأكتوبر الماضيين، بإنشاء مجالس جهوية بدلا من مجلس الشيوخ وإلغاء محكمة العدل السامية ومنصب وسيط الجمهورية والمجلس الإسلامي الأعلى وتغيير العلم الوطني.

وتتهم المعارضة الرئيس محمد ولد عبدالعزيز (60 عاما) بالسعي إلى سابقة يمكن أن تسهل إلغاء سقف عدد الولايات الرئاسية المحددة باثنتين.

ومن أهم الرهانات في هذا الاستفتاء نسبة مشاركة الناخبين وعدد المسجلين منهم 1.4 مليون مقترع، إذ أن المعارضة دعت إلى “مقاطعة فعلية” للتصويت على أمل الاستفادة من امتناع عدد كبير من الناخبين.

وأدانت المعارضة في تحالف “المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة” في بداية الحملة التعديلات معتبرة أنها “مغامرة غير مجدية” و”انقلاب على الدستور”. وهي تتهم الرئيس ولد عبدالعزيز “بالميل الخطير إلى الاستبداد”.

وشهد اليوم الأخير من الحملة لهذا الاستفتاء الخميس تدخلا من قبل الشرطة التي فرقت معارضين بالهراوات والغاز المسيل للدموع في ثلاثة من أحياء العاصمة نواكشوط.

كما شنت السلطات الأمنية حملة اعتقالات في صفوف شباب المعارضة المقاطعة للاستفتاء الدستوري، غير أنها أفرجت عنهم بعد ساعات.

وفي جنيف عبر مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الخميس عن “قلقه” من أجواء الحملة و”الإلغاء الظاهر لبعض الأصوات المعارضة”.

وأقر النواب النص في التاسع من مارس لكنه رفض من قبل أعضاء مجلس الشيوخ. وأثار قرار الرئيس تجاوز رفض البرلمان للنص وطرحه في استفتاء، جدلا حادا وخلافا ودفع المعارضة وعددا من المدافعين عن الدستور إلى الطعن في شرعية هذا الإجراء.

ويواجه الرئيس الموريتاني الجنرال السابق الذي وصل إلى السلطة بعد انقلاب في 2008 وانتخب في 2009 ثم أعيد انتخابه في 2014 لخمس سنوات، تمرد أعضاء مجلس الشيوخ المؤيدين، في معظمهم، للسلطة والذين يعارضون نصا يقضي بزوال المجلس.

وبينما بدأ نحو عشرين من أعضاء مجلس الشيوخ اعتصاما في المجلس الأربعاء للمطالبة باعتذارات من قبل الرئيس بعدما اتهمهم بالفساد، جدد الرئيس ولد عبدالعزيز اتهاماته في تجمع كبير في إطار حملته.

وقال رئيس الدولة “يطلبون مني تقديم اعتذارات، لن أفعل ذلك أبدا”، معتبرا أن أعضاء مجلس الشيوخ “خانوا الأمة”.

وأضاف أن “هؤلاء قالوا بأنفسهم إنهم قاموا بتقاسم أموال جاءت من رجال الأعمال لتقويض مؤسسات البلاد”، داعيا الحشد إلى الموافقة على حل مجلس الشيوخ “المكلف جدا ولا يفيد في شيء”.

وعشية الاستفتاء، اتهم الرئيس الدوري للمنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة (تحالف من عدة أحزاب معارضة) محمد جميل ولد منصور السلطات بالإعداد لعمليات تزوير وحذر من اندلاع أعمال عنف.

وقال ولد منصور في مؤتمر صحافي إن الاستفتاء “شابته خروقات كبرى منها استبدال مديري مكاتب التصويت الرافضين للتزوير ورفض حضور المراقبين فضلا عن استخدام وسائل الدولة في التعبئة للتصويت بنعم”. وأضاف أن “السلطة تدفع الناس إلى العنف بمعارضتها أي شكل من أشكال التظاهر مخالفا لمشروعها”.

وتعهد رئيس الدولة مرات عدة بعدم المساس بعدد الولايات الرئاسية، مؤكدا أن “الدستور لا يمكن أن يتغير لمصالح شخصية”، لكنه لم يتمكن من تهدئة مخاوف المعارضة التي تبرر قلقها بالإشارة إلى تصريحات لوزراء أو مقربين منه يؤيدون إدراج ولاية رئاسية ثالثة.

وأدلى الموريتانيون بأصواتهم في صندوقين واحد للتعديلات الرئيسية والثاني لتغيير العلم الذي سيضاف إليه خطان أحمران يرمزان إلى دماء “شهداء المقاومة” للاستعمار الفرنسي. وحصلت موريتانيا على استقلالها في 1960.

2