استفحال اقتصاد الظل يدفع مصر إلى اعتماد أساليب ردع جديدة

173 مليار دولار حجم اقتصاد الظل والبيروقراطية والتشريعات المتضاربة عقبات رئيسية.
الاثنين 2020/10/19
أسواق بلا حسيب ولا رقيب

دفع اتساع دائرة الاقتصاد الموازي الحكومة المصرية إلى البحث عن أساليب جديدة للردع عبر سلاح الفتاوى الشرعية من أجل ضم الاقتصاد الموازي الذي يعمل في الخفاء إلى منظومة الاقتصاد الرسمي، بعد أن فشلت العديد من التشريعات والقوانين التي تم سنّها في حفز القطاع الذي يقترب حجمه من نصف القطاع الحقيقي للبلاد.

القاهرة - قالت دار الإفتاء المصرية أخيرا، إن إنشاء المصانع غير المرخصة أمر محرم شرعا، لما فيه من الأضرار والمخالفات، واعتبرت من يظن جواز تهربه من الضرائب مخطئا.

وتكشف تلك الخطوة عن افتقاد بوصلة التشريع القانوني، والتي فشلت في حفز الاقتصاد الخفي للانضمام إلى المنظومة الاقتصادية الرسمية للبلاد.

ويصل حجم الاقتصاد الموازي تقريبا نحو 173 مليار دولار، على اعتبار أن الناتج المحلي الإجمالي لمصر في الموازنة الحالية نحو 433 مليار دولار.

وتعمل مصانع الاقتصاد الموازي أو الظل بمعزل عن الرقابة، ولا تتحمل أعباء مباشرة، وتقوم بطرح منتجاتها في الأسواق بأسعار أقل من منتجات المصانع الرسمية، ما يهدد المنظومة الاقتصادية الرسمية، فضلا عن تهربها من الضرائب بشكل ينال من الإيرادات السيادية للموازنة العامة للدولة.

وفي ظل ضبابية الأوضاع في الأسواق بات الاحتكام إلى الفتاوى يتطرق إلى أدق تفاصيل المعاملات التجارية، وهي الظاهرة الآخذة في الانتشار بدول أخرى.

وليد جاب الله: فتاوى تحريم الاقتصاد الموازي هدفها إيجاد حل لمشكلة عميقة
وليد جاب الله: فتاوى تحريم الاقتصاد الموازي هدفها إيجاد حل لمشكلة عميقة

وقد خفتت مفاهيم الشمول المالي بين تحريم التعامل مع المصارف ورهبة دخول البنوك لدى شريحة من السكان، ومحاولات العمل في الخفاء، وتوهجت عمليات توظيف الأموال بشكل غير شرعي، وامتد الأمر إلى اللجوء لغسيل الأموال.

وهدف شيوع ثقافة الشمول المالي إلى تنفيذ كافة المعاملات المالية عبر البنوك من أجل ضم معاملات القطاعات الاقتصادية إلى المنظومة الرسمية، بالتالي وضع الاقتصاد الخفي تحت المظلة الرسمية.

ومن الأمور التي تزيد تضخم الاقتصاد الموازي في المنطقة استمرار تدفق فتاوى تحريم التعامل مع البنوك، الأمر الذي يزيد تشابه الأمور على الأفراد.

وأفضى هذا التشابه لاتساع فجوة عدم الثقة بين الأفراد والبنوك والحكومات، وفتح الباب أمام البحث عن بدائل لاستثمار أموال الأفراد، إلا أن جميع هذه الوسائل تعمل في الخفاء، ما يفاقم المشكلة.

وتعزز هذه الحالة ظهور عمليات توظيف الأموال بشكل غير شرعي، مدفوعة برغبة الأفراد في تشغيل أموالهم بعيدا عن اعتقادهم أن فوائد المصارف “ربا”، وفي ظل إغراءات بعوائد تفوق معدلات الفائدة بالبنوك بنسب تتجاوز الضعف.

ونجحت هذه الفئة في جمع أكثر من ملياري دولار من المصريين خلال الأربع سنوات الماضية بعد إيهامهم بحُرمة الإدخار في البنوك، وأهمية توظيف أموالهم مقابل عائد استثماري كبير جدا.

وانتقد البنك الدولي صراحة أداء بعض الدول العربية في وضع الشفافية المالية، وقال إنها ليست جيدة، فيما كشف استطلاع أجرته المبادرة العالمية للشفافية المالية أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سجل أداؤها عشرين درجة على مؤشر الميزانيات المفتوحة المكون من مئة درجة، وهي الحد الأدنى من حيث شفافية الميزانية والمساءلة.

وقال وليد جاب الله، خبير التشريعات الاقتصادية وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد والإحصاء والتشريع، إنه لا يوجد تعارض بين الفتاوى بخصوص القضايا الاقتصادية وبين بوصلة التشريع القانونية، لأن فتاوى دار الإفتاء تأتي داعمة للقوانين التي تصدرها الدولة.

أيمن هدهود: الحكومة تتحمل مسؤولية استمرار الاقتصاد الموازي
أيمن هدهود: الحكومة تتحمل مسؤولية استمرار الاقتصاد الموازي

وأضاف لـ”العرب”، أنه على سبيل تحريم الإفتاء للاقتصاد الموازي، فإنها جاءت من أجل حضهم على الانضمام للاقتصاد الرسمي، والعمل تحت رقابة الدولة يعد بمثابة التزام من صميم الدين.

هل تستطيع الفتاوى وحدها حل مشكلة الاقتصاد الخفي الذي يزداد حجمه يوما بعد يوم، مع توالي إصدار فتاوى اقتصادية من دار الإفتاء التابعة للدولة؟

يقول خبراء من الصعوبة تحقيق ذلك، لأنها تواجه بفتاوى من جانب شيوخ يحللون عمل هذه المصانع، بذريعة أنها مصدر رزق لشرائح كبيرة من الشباب عجزت الدولة عن توفير وظائف لهم.

وأمام تقاذف الفتاوى الاقتصادية يبحث الأفراد عن مصدر رزقهم، بغض النظر عن تحريم العمل أو تأسيس مصانع الاقتصاد الخفي.

وأطلقت القاهرة مبادرة لتمويل المشروعات الصغيرة بقيمة 12.5 مليار دولار بفائدة تصل لنحو 5 في المئة لمساندة هذا القطاع الذي يتجاوز حجمة 85 في المئة من اقتصاد البلاد، وضم الشرائح التي تعمل تحت نطاقه للمنظومة الرسمية، إلا أنها لم تحفز الاقتصاد الموازي للتجاوب مع نداء الحكومة.

ومع غلاء الأسعار في البلاد تجد منتجات مصانع الاقتصاد الموازي قبولا كبيرا في الأسواق، خاصة الأسواق الشعبية، بوصفها الأرخص، ويقبل عليها السواد الأعظم من المستهلكين للمنتجات الغذائية.

وينفق المصريون وفقا لبحث الدخل والإنفاق الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء نحو 37.1 بالمئة من إجمالي دخلهم على الطعام والشراب.

وقال أيمن هدهود المستشار الاقتصادي لاتحاد جمعيات التنمية الاقتصادية، إن الأصل في المشكلات الاقتصادية ألا ينظر إليها من جانب الحرام أو الحلال.

وأوضح لـ”العرب”، أن الحكومة تتحمل مسؤولية استمرار الاقتصاد الموازي، فأصحاب المشروعات التي تعمل فيه يعتبرون أن توفيق أوضاعهم يعرضهم لتحمل أعباء ومصروفات إضافية تقلل أرباحهم، بل ويعتبرون تحولهم للاقتصاد الرسمي دخولا في منظومة البيروقراطية الحكومية.

غلاء الأسعار يدفع للبحث عن منتجات مصانع الاقتصاد الموازي
غلاء الأسعار يدفع للبحث عن منتجات مصانع الاقتصاد الموازي

وأشار إلى أن دار الإفتاء تحاول القيام بدورها الديني تجاه القطاع الاقتصادي والمعاملات التجارية من ناحية التوعية فقط، كما تخاطب الأفراد من أجل إحياء ضمائرهم فقط، ولكنها لن تصلح الأزمات والقضايا الاقتصادية.

ويكمن الحل العملي لمواجهة الاقتصاد الموازي في حوافز ملموسة لأصحاب هذه المشروعات، مثل منح إعفاءات ضريبية مستقبلية لحين توفيق أوضاعهم، وعدم محاسبتهم عن الفترات الماضية، فضلا عن شمولهم تحت مظلة تأمينية توفر لهم رعاية طبية وتأمينات اجتماعية تضمن لهم معاشات كريمة.

وقد تكون هذه الإجراءات حوافز عملية تشجع أصحاب المشروعات للانضمام إلى الاقتصاد الرسمي، بدلا من قيامه بدفع إتاوات مقابل غض الطرف عن نشاطه.

ويبقى هناك دور رئيسي على الحكومة في إنفاذ القانون وتطبيقه على الجميع، إلى جانب إصلاح منظومة الاستثمار والتي كشف عوارها تقرير مناخ الأعمال الذي يصدره البنك الدولي.

وكشف التقرير أن مؤشرات الاستثمار في مصر تحتاج إلى إصلاح هيكلي، ففي مجال إنفاذ العقود، جاءت في المركز 160 ضمن القائمة التي تضم 190 دولة.

وزاد الأزمة مؤشر جودة الإجراءات القضائية، حيث منح التقرير القاهرة 5.5 من إجمالي 18 درجة، بجانب طول عدد أيام التقاضي وإنفاذ العقود وفق التقرير لتصل لنحو 1010 أيام.

11