استقالات الوزراء في مصر.. بداية الطريق لبناء دولة القانون

تتعرض الحكومة المصرية إلى انتقادات عديدة تتعلق بسوء اختيار الوزراء، بعد استقالة أربعة وزراء خلال عامين لأسباب مختلفة، إلا أن تعدد الاستقالات يشي بأن هناك تطورا ملحوظا في مواجهة الدولة المصرية للفساد.
الاثنين 2016/08/29
الحكومة تدفع ثمن أخطائها السياسية

القاهرة- قدم أربعة وزراء مصريين استقالاتهم من الحكومة لأسباب مختلفة على مدى عامين، مما فتح الباب أمام العديد من التساؤلات حول الدوافع الرئيسية، ومدى ارتباطها بمواجهة الفساد، وعلاقتها بسوء اختيار القيادات من قبل الجهات المعنية في الدولة.

آخر الاستقالات قدمها خالد حنفي وزير التموين، قبل أيام على خلفية اتهامه بإهدار المال العام من خلال توريد محصول القمح المحلي، كما اتهم بإثارة الرأي العام ضد الحكومة لإقامته في أحد الفنادق الكبرى بالقاهرة، في وقت أعلنت فيه الحكومة عن سياسة قاسية للتقشف، تؤثر بقوة على قطاع كبير من المواطنين البسطاء.

وقبل عام أرغم وزير الزراعة صلاح هلال على تقديم استقالته لتورطه في قضية فساد كبرى داخل وزارته، وهي القضية الرئيسية التي أدت لاحقا إلى الإطاحة بحكومةَ إبراهيم محلب.

ولم تكن شعبية المستشار أحمد الزند، وزير العدل السابق، بين جموع القضاة كافية لنيل ثقة السيسي، بعد تصريح مسيء اعتبره الشارع المصري تجاوزا في حق الرسول الكريم، وهو الخطأ نفسه الذي ارتكبه وزير العدل الأسبق المستشار محفوظ صابر، إذ استقال أيضا بسبب تصريح في أحد الحوارات التليفزيونية، قال فيه “إن ابن عامل النظافة لا يمكن أن يكون قاضيا”، واضطرت الحكومة إلى إجباره على تقديم استقالته.

وأكد مراقبون لـ”العرب”، أن استقالة الوزراء الأربعة كانت أشبه بالإقالة، وأن تكرار الأمر يعد مؤشرا واضحا على عدم تستر الدولة المصرية على الفساد داخل الحكومة، وهي ميزة لم تكن موجودة من قبل، حيث لم يعرف كثيرا عن الحكومات السابقة، إقالة وزراء بسبب أخطاء كهذه.

الحكومة المصرية مازالت غير جادة في مواجهة الفساد، وأن مواجهتها تتسم بالانتقائية، كما أن الإجراءات القانونية والرقابية لمواجهته غير كافية للحد منه أو القضاء عليه

وتشير عدة تقارير صادرة عن مراكز استطلاعات الرأي العام، إلى أن أحد الأسباب الرئيسية التي تسببت في تراجع شعبية الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، هو اختياره لعدة شخصيات لتولي مناصب وزارية في الحكومة، أساءوا استغلال وظائفهم، إلا أن الإجراءات التي تم اتخاذها ضد المسؤولين المسيئين، جعلت مصر تقفز خلال العام الحالي 36 مركزا دفعة واحدة في مؤشر مكافحة الفساد والرشوة، وفقا لتقديرات ما يعرف بـ”الأمانة الفنية للجنة الوطنية التنسيقية للوقاية من الفساد”، حيث شهد ترتيب مصر تحسنا ملحوظا مقارنة بالعام الماضي، وصعدت من المرتبة 101 إلى 65 عالميا.

وأسفرت جهود هيئة الرقابة الإدارية (المعنية بكشف الفساد الإداري داخل مؤسسات الدولة) خلال الأربعة أشهر الماضية، عن ضبط 687 جريمة فساد شملت 3 آلاف متهم أحيلوا إلى المحاكمات، وفحصت الهيئة 547 شكوى، ونسقت مع المسؤولين بالدولة لاتخاذ اللازم بشأن أوجه الخلل والقصور في مواقع الإنتاج والخدمات، وإجراء التحريات عن 1757 مطلبا من قطاعات الدولة المختلفة.

وقال سعيد صادق أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية بالقاهرة، في تصريحات لـ”العرب”، إن تعدد استقالات الوزراء خلال العامين الماضيين يشي بأن هناك تطورا ملحوظا في مواجهة الدولة المصرية للفساد، وهو ما انعكس على رفض العديد من الشخصيات تولي المناصب العامة والوزارية، خوفا من التورط في أي منها.

وأضاف أن مواجهة الفساد في مصر تأخذ أبعادا سياسية واقتصادية، فالحكومة تقدم غالبا ضحية لأخطائها السياسية في وقت يزداد فيه الغضب الشعبي ضدها، كما أن حالة وزير التموين المستقيل مؤخرا (خالد حنفي) ترتبط بالصورة الذهنية للدولة في الخارج، بالتزامن مع رغبتها في الحصول سريعا على قرض صندوق النقد الدولي.

سعيد صادق: المكاسب السياسية التي تجنيها السلطة من استقالة الوزراء أكبر من أي آثار سلبية
وأوضح أن المكاسب السياسية التي تجنيها السلطة من استقالة الوزراء أكبر كثيرا من أي آثار سلبية قد تجلبها، على خلفية الاختيارات الخاطئة لكوادرها التنفيذية، وبالنظر إلى الفترة الحالية فإنها تصب في صالح تروجيها لسياسات التقشف والشفافية.

لكن بعض المراقبين يرون أن الحكومة المصرية مازالت غير جادة في مواجهة الفساد، وأن مواجهتها تتسم بالانتقائية، كما أن الإجراءات القانونية والرقابية لمواجهته غير كافية للحد منه أو القضاء عليه، بعد أن أضحى سلوكا اجتماعيا.

من جهته أوضح حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن اندلاع ثورتين كان لابد أن يحدث تغييرا ما، وأن هذا التغيير حدث بالفعل من خلال تعامل الدولة مع الوزراء وتحديدا المرتبطين بالتعامل المباشر مع الجماهير، وإن كان هذا التغيير بطيئا إلا أنه يسير في اتجاه محاولة بناء دولة القانون.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب”، أن رسائل السيسي في أكثر من مناسبة تشير صراحة إلى أنه لا أحد فوق القانون، وأن اختيار الأشخاص في المناصب القيادية والتنفيذية لا يعني أن يظل الشخص بعيدا عن المتابعة والمساءلة، وهو ما ظهر من خلال الدور المتنامي لهيئة الرقابة الإدارية.

وأشار إلى أن مواجهة الفساد في كل صورها تصب في صالح النظام الحاكم، كما أن الملاحظ خلال العامين الماضيين تحديدا أن مواجهته تتم في العلن وليس في الخفاء، كما كان يحدث من قبل، وهو ما يعد أحد أوجه المشاركة الشعبية في مواجهته، ما يعطي المواطنين العاديين المزيد من الثقة في رأس الدولة تحديدا.

لكن تبقى مشكلة عدم وجود معايير واضحة لاختيار القيادات التنفيذية أبرز ما يعيب النظام المصري الحالي وما قبله من الأنظمة المتعاقبة، فهناك تصور خاطئ لدي بعض الأجهزة يشير إلى أن الشخص الغني ليس بحاجة إلى السرقة مجدداً، وهي نظرية ثبت فشلها بعد الكشف عن الكثير من القضايا التي تورط فيها رجال أعمال كبار ومسؤولون أثرياء.

كما أن المعيار الأمني الذي تعتمد عليه الأنظمة الحاكمة ليس كافيا بمفرده لاختيار الوزير أو المسؤول، فمازالت معايير الخبرة والكفاءة غير واضحة في العديد من الاختيارات، الأمر الذي سوف يؤدي إلى المزيد من الاستقالات في المستقبل.

2