استقالة المفاوضين.. تكشف أزمة سياسية عميقة

الجمعة 2013/11/15

يوم الأربعاء 13 نوفمبر أعلن الرئيس محمود عباس أن الفريق الفلسطيني للمفاوضات قد قدم استقالته بالفعل، لكنه أوضح أن المفاوضات سوف تستمر بفريق مفاوضات جديد أو بالفريق نفسه إذا عدل عن استقالته. يعكس هذا التصريح أزمة المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية من جهة، ويكشف من جهة ثانية عن اضطراب عميق في رؤية القيادة وأساليب عملها.

تردد منذ أواخر أكتوبر الماضي على نطاق واسع أن كبير المفاوضين صائب عريقات قد قدم استقالته هو والفريق المفاوض، بعدما بلغت المفاوضات طريقاً مسدوداً مع إصرار حكومة الاحتلال على مواصلة الغزو الاستيطاني للضفة الغربية، ومع تمسك نتنياهو بإبقاء سيطرة الاحتلال على مناطق الغور المحاذية للحدود الأردنية (هذه المرة بزعم أن الوجود العسكري للاحتلال ضروري في المنطقة، لمنع تدفق لاجئين سوريين).

مع توقف المفاوضات في مطلع نوفمبر عقّب نتنياهو في لقاء له مع الوزير الأميركي جون كيري أن الجانب الفلسطيني يصطنع أزمات، باعتبار أنه لا يحق للجانب الفلسطيني أن يبدي القلق أو الاحتجاج على التغول الاستيطاني، أو أن يرفض إقامة دولة لا حدود لها. علماً بأن الحدود مع الأردن هي الحدود البرية الوحيدة المتاحة للضفة الغربية مع العالم الخارجي، بينما يتصل قطاع غزة بحدود مع مصر، هي أيضا الحدود البرية الوحيدة لجغرافيا القطاع.

في واقع الأمر إن تصريحات عباس لقناة سي بي سي المصرية تصب في الاتجاه ذاته للأسف، حتى مع اختلاف النوايا. إذ يفهم المرء من تصريحاته أن الفريق الفلسطيني المستقيل هو سبب وقف التفاوض، بدليل أن عباس حاول ثني هذا الفريق عن الاستقالة وقد رفض ذلك حتى تاريخه، وأن التفاوض حسب عباس سوف يُستأنف بالفريق نفسه إذا تراجع عن الاستقالة، أو بفريق جديد.

هي إذن أزمة مفتعلة، وتتبدّى في «سلبية» الفريق الفلسطيني المفاوض برئاسة صائب عريقات. فالأصل أن تكون هناك مفاوضات ماراثونية دائمة لا تنقطع، ولا صلة لها بالبيئة السياسية المحيطة وخاصة بسلوك الطرف (الاسرائيلي)، فإذا ما احتج فريق فلسطيني مفاوض على عبثية المفاوضات، واتخاذها من طرف الاحتلال وسيلة للتمويه على ما يجري على الأرض وصرف الأنظار عن هذه المجريات، فإن كل ما يَسَع عباس قوله وفعله هو العمل على إدامة التفاوض، وتبديل طواقم التفاوض بما في ذلك الاستغناء عن خدمات عريقات رئيس دائرة المفاوضات، الذي واكب سائر جولات التفاوض منذ مؤتمر مدريد عام 1991 حتى اليوم.

وفي ذلك رسالة للأميركيين ومن يشايعهم في المنطقة وفي العالم، بأن القيادة الفلسطينية ترغب بما ترغب به الإدارة الأميركية وبعض الدوائر الأوروبية، من استناف التفاوض بغير توقف وإشاعة أجواء من الارتخاء، وإثبات الجدية اللامتناهية في التمسك بحل ثنائي متفاوض عليه. هذا رغم أن الاحتلال يسحب الأرض من تحت أقدام المفاوضين عبر الاستيطان المتمادي، ويغيّر معالم الأرض، ويستقدم المزيد من المستوطنين الغزاة. وبينما تشكل المفاوضات في تاريخ الصراعات وسيلة بين وسائل أخرى لانتزاع الحقوق المسلوبة، أو تكريس هيمنة خارجية، فإنها لدى قيادة الرئيس عباس تبدو هدفاً في حد ذاته، وغاية قائمة بنفسها، فالنضال الوحيد الذي تجيزه هذه القيادة وتنصرف كُليةً إليه هو النضال التفاوضي، فإذا ما توقفت المفاوضات لسبب طارىء مثل استقالة الوفد المفاوض، فإن هذه القيادة تعقد العزم على استئناف التفاوض في أقرب وأول فرصة، كي تعود الأمور إلى مجاريها.

في ظروف أخرى من الرشد السياسي والوطني، فإن هذه التطورات تُملي انشغالا عميقاً ومسؤولا، فالفريق المفاوض لم يوقف التفاوض فقط لتعنّت الجانب الآخر وإقامته على أطماعه التوسعية، بل إنه قدّم استقالته.

مغزى ذلك أن هناك معضلة قائمة في التفاوض مع الطرف المحتل، وفي الوقت ذاته مشكلة كبيرة بين الوفد المفاوض والقيادة السياسية تجعل استمرار عمل الوفد معها متعذراً، مع ما لذلك من انعكاسات على القضية الوطنية مما يوجب الاستقالة. ولو كان الأمر خلاف ذلك، لاكتفى الفريق المفاوض بوقف التفاوض دون تقديم استقالته.

وبدلاً من إثارة جدل وطني مفتوح حول هذه المسألة الحساسة في ما تبقى من مؤسسات، ومع قطاعات الرأي العام والمجتمع السياسي والمدني من أجل بلورة رؤى وطنية مشتركة وملزمة، فإن الرئيس عباس يختزل المسألة كلها بقرار إداري يجري فيه عند الاقتضاء تشكيل فريق مفاوض جديد، مع التعمية على الأسباب الفعلية لوقف التفاوض، وكذلك أسباب رفع الاستقالة، ولو أدى ذلك إلى الرجوع إلى النقطة صفر على مستوى الخبرات التفاوضية، هذا إذا كانت معاودة التفاوض مُجدية وذات معنى.

هذه المستجدات تكشف عن خواء المسار السياسي المتبع، وهو مسار تجري هندسة هياكله الخاوية بهدف استمرار التمتع بثقة «الراعي» الأميركي وبعض شركائه الأوروبيين والإقليميين، مع إدارة الظهر لتوجهات الرأي العام وممثليه، وتبخيس قدرات الشعب الرازح تحت الاحتلال وطرحها جانباً، واحتجاز الحركة المدنية الاحتجاجية المناهضة للاستيطان ولجدار الضم والتوسع وتقييدها (منعاً لإشاعة الفوضى والفلتان الأمني).

عاماً بعد عام تتراجع مكانة القضية الفلسطينية باطّراد على جدول الاهتمامات العربية الرسمية والشعبية، على المسرح الدولي والإقليمي، حتى تكاد هذه القضية تدخل منذ سنوات في غيبوبة عميقة وطويلة، وذلك بعد أن فقد الأداء السياسي للقيادة كل زخم أو دينامية في مقارعة الاحتلال (ونعني هنا، خصوصاً، المقارعة السياسية والجماهيرية)، ووقع انفصال يزداد اتساعاً بين هذا الأداء وبين نبض الحركة الشعبية، مع إيكال تقرير مصير القضية لما يجود به وزراء الخارجية المتعاقبون في واشنطن، ولا يغدو غريباً في ضوء ذلك وأمام هذا الضعف الاختياري، والارتخاء الإرادي أن تتضخم نزعات اليمين الاسرائيلي الأشد تطرفا وتزداد جموحاً، وأن تتكرس المطابقة بين حكومات الاحتلال ومنها حكومة نتنياهو الحالية، وبين زعماء الاستيطان والقوى الأكثر يمينية. فمن يختر الهزيمة بنفسه ويحتسبها قدراً له، فمن الطبيعي أن يُهدي بذلك النصر المريح لأعدائه وخصومه، ويثير شهيتهم لتحقيق مكاسب أكبر.

______


* كاتب أردني

9