استقالة سعد الحريري عودة قوية إلى شعار "لبنان أولا"

شكلت استقالة رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري مفاجأة سواء لحلفائه أو خصومه السياسيين في لبنان. وبمجرد موافقة رئيس الجمهورية عليها تتحول الحكومة إلى حكومة تصريف أعمال، ضمن مشهد سياسي لبناني جديد يرى خبراء أن التطورات الحاصلة فيه مهمة وضرورية رغم حساسيتها وخطورتها من حيث استفزاز حزب الله وإيران، إلا أن هذا التصعيد هو أحد المراحل الأساسية ليصل لبنان إلى الاستقرار ويخرج من حالة الاستعصاء السياسي ويتحرر من الارتهان لإيران وسوريا والقوى الخارجية.
الأحد 2017/11/05
تصعيد أساسي للوصول بلبنان إلى مرحلة الاستقرار

بيروت - أشعل إعلان رئيس الحكومة اللبنانية وزير تيار المستقبل، سعد الحريري، من الرياض، السبت، استقالته من منصبه، تراشقا في التصريحات بين الرياض وطهران، في مؤشر على ارتفاع حرارة الحرب الباردة بين السعودية وإيران على الساحتين اللبنانية والإقليمية، وفي خطوة اعتبرها البعض عودة تيار المستقبل إلى طريقه الصحيح.

وفي تغريدة له، قال وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج العربي، ثامر السبهان “أيدي الغدر والعدوان يجب أن تبتر”، في تأكيد على تصريح مشابه ورد في خطاب استقالة الحريري، ضد إيران وحزب الله؛ فيما غرّد مستشار وزير الخارجية الإيراني حسين شيخ الإسلام، السبت، أن الاستقالة “قرار سعودي واضح لمواجهة حزب الله”.

وفي تصريح آخر، زعم المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي “هذه الاستقالة سيناريو جديد لإثارة التوتر في لبنان والمنطقة، لكننا نؤمن أن الشعب اللبناني سيتجاوز هذه المرحلة بسهولة”.

وأعلن الحريري، المعروف بشعار “لبنان أولا”، عن استقالته في خطاب متلفز من السعودية، وأرجع أسبابها إلى مساعي إيران “خطف لبنان”، وفرض “الوصاية” عليه، بعد تمكن “حزب الله من فرض أمر واقع بقوة سلاحه”.

وتعكس ردة الفعل الإيرانية أهمية هذا القرار الذي يعني تحرر تيار المستقبل من القيود التي كان يفرضها حزب الله عليه وعلى رئيس الحكومة سعد الحريري أساسا.

ويقول مراقبون إن الحريري يحاول إخراج لبنان من دائرة السيطرة الإيرانية الكاملة التي لطالما ساهم مسؤولون، من بينهم وزير الخارجية جبران باسيل، في دفع البلد باتجاهها، خصوصا فيما يتعلق بسياساته الخارجية.

صدمة سياسية

أثارت استقالة الحريري غير المتوقعة صدمة على الساحة السياسية اللبنانية وتضاربت ردود الفعل بين المستنكر والمتخوف من تبعات مثل هذه الخطوة.

وأعلنت الرئاسة اللبنانية، السبت، أن الرئيس ميشال عون، ينتظر عودة رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري إلى بيروت، للاطلاع منه على ظروف استقالته، التي أعلنها في وقت سابق من السعودية.

وأوضح البيان أن “الرئيس عون تلقى اتصالا هاتفيا من رئيس مجلس الوزراء، سعد الحريري، الموجود خارج لبنان، وأعلمه باستقالة حكومته”.

وأعلن رئيس البرلمان اللبناني، نبيه بري، قطع زيارته إلى شرم الشيخ المصرية، التي توجّه إليها للمشاركة في منتدى شباب العالم، على خلفية إعلان الحريري استقالته.

وأوضح التلفزيون اللبناني الرسمي أن بري علم باستقالة الحريري عند وصوله إلى مطار شرم الشيخ، واتخذ بعد ذلك قرارا بالعودة فورا إلى لبنان لمتابعة الأوضاع في بلاده.

مصطفى علوش: سعد الحريري وتيار المستقبل وقوى 14 آذار واللبنانيون جميعا حتى من يعتبرون أنفسهم من جمهور حزب الله لا يمكن أن يتحملوا وزر الإمعان في الغي والتخريب الذي يمارسه الحزب

أما الزعيم الدرزي النائب وليد جنبلاط فقد غرد على تويتر قائلا “إن لبنان أكثر من صغير وضعيف كي يتحمل الأعباء الاقتصادية والسياسية لهذه الاستقالة”.

وتابع “كنت وسأبقى من دعاة الحوار بين السعودية وإيران”، في تلميح إلى وقوف الخلافات بين البلدين وراء استقالة الحريري. وأضاف “مهما كانت الصعوبات فإن التضحية من أجل الحد الأدنى من الوفاق والحوار يجب أن تكون الأساس، من أجل لبنان”.

وفي تعليق من التيار الوطني الحر، الذي كان يرأسه عون ويعد من أبرز حلفاء حزب الله، قال وزير العدل سليم جريصاتي في تغريدة إن “استقالة الحريري ملتبسة ومرتبكة ومشبوهة في أربعة: التوقيت والمكان والوسيلة والمضمون”.

وأعرب أنطوان زهرا، النائب من كتلة القوات اللبنانية، عن رجائه أن تكون استقالة الحريري انتفاضة كرامة بوجه كل العراقيل السياسية أمام انطلاق الحكومة.

وتوقع أن يكون السبب الرئيسي وراء الاستقالة يعود لكلام مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية، علي أكبر ولايتي، بأن الانتصار اللبناني السوري العراقي ضد الإرهابيين يشكل انتصارا لمحور المقاومة، فهو ضم لبنان إلى المحور الإيراني دون استشارة اللبنانيين.

وشدد زهرا على أن الاستقالة هي رفض للأمر الواقع، فالمرحلة السياسية كما قال الحريري تشبه مرحلة ما قبل استشهاد الرئيس رفيق الحريري، فيما قال رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان “إن لبنان دخل في نفق يحتّم على جميع السياسيين رص الصفوف لأن لبنان وشعبه يستحقان التضحية”.

مشهد جديد

يرسم قرار استقالة سعد الحريري مشهدا جديدا في الساحة السياسية اللبنانية المقبلة على انتخابات نيابية مصيرية، يتوقع المراقبون أن يكون لموقف سعد الحريري تأثير كبير على ما سيحققه تيار المستقبل، في وقت يشهد فيه حزب الله تراجعا كبيرا في شعبيته ورفضا حتى في أوساط حاضنته في الضاحية الجنوبية.

وترتبط استقالة الحريري ارتباطا وثيقا بالتحولات الأخيرة على الساحة الإقليمية والتي يأتي لبنان في قلب أحداثها.

ويرى مراقبون في إعادة إنتاج حضور سعد الحريري لبنانيا في هذه المرحلة جزء من هذه التحولات، وتأتي استقالته لتضع “كل القوى السياسية أمام مسؤوليتها”، وفق الوزير اللبناني السابق محمد المشنوق.

ووصف النائب السابق مصطفى علوش استقالة الحريري بأنها “خطوة مفاجئة”، إلا أنه أكّد في نفس الوقت أنها “ليست مستغربة في ظل كل ما يحدث”.

وأوضح علوش، في تصريحات نقلتها قناة المستقبل، أن سعد الحريري دخل في تسوية مع الرئيس اللبناني ميشال عون على أساس أنها “ستؤدي إلى نوع من التهدئة” لتأمين الاستقرار وتسيير شؤون اللبنانيين والخروج بالبلاد من حالة الاستعصاء ومن أزمة سياسة طالت كثيرا، إلا أن التسوية لم تؤد حسب علوش “إلى أيّ تغيير في سياسة حزب الله الممعن في غيّه على المستوى الإقليمي كما أنها لم تؤد إلى أيّ أفق يسهم في التخفيف من التدخلات في كل الشؤون الأمنية”.

وأضاف النائب اللبناني السابق “الآن وصلنا إلى مرحلة المواجهة والمواجهة مفتوحة على المستوى الإقليمي والدولي مع حزب الله”.

وأكد أن “سعد الحريري وإرث رفيق الحريري وتيار المستقبل وقوى 14 آذار واللبنانيون جميعا، حتى من يعتبرون أنفسهم من جمهور حزب الله، لا يمكن أن يتحملوا وزر الإمعان في الغيّ والتخريب الذي يمارسه حزب الله”، لذا “اختار الرئيس سعد الحريري هذه اللحظة ليصعّد الأمور ويذهب بالمواجهة إلى الآخر”.

وأشار إلى أن “مرحلة التصعيد التي سنمر بها هي إحدى المراحل الأساسية كي نصل إلى الاستقرار”.

وتطيح بحكومة ائتلافية تجمع كل الأحزاب السياسية اللبنانية الرئيسية تقريبا، لكن لا يعتقد المحلل السياسي اللبناني فادي عكوم أنه ستكون هناك تداعيات سلبية كبيرة على الداخل اللبناني جراء الاستقالة، فقد بقى لبنان لأكثر من عامين بدون رئيس جمهورية، كما بقى لفترات أيضاً بدون حكومة، وكانت الوزارات والهيئات تدار عن طريق موظفيها، ووجود الحكومة من عدمها لا يفرق كثيراً، فلم تقدم شيئاً للمواطن لكي يغضب من أجلها، وقد وصل تفكك تلك الحكومة لأبعد ما نتصور، فلا توجد حكومة في العالم يتجابه بها وزير الخارجية ووزير الداخلية علناً، وكل منهما يعمل لصالحه بشكل "طائفي ، كما في لبنان.

في المقابل، أكد عكوم، في تصريحات صحافية، أن استقالة الحكومة تعد الضربة الاولى للانتخابات والتي كان مقرر اجراؤها الفترة القادمة، وباستقالة الحكومة ستعاد كل الملفات السابقة منذ وصول الرئيس وحتى هذا التاريخ إلى الواجهة وستكون نقطة انطلاق لحل الأزمات القادمة، ولا ننسى أن سلاح حزب الله، وقرار الحرب والسلم في لبنان مرتبط بجهات إقليمية عديدة وبصفة خاصة على الحدود مع سوريا وفلسطين، فما يحدث اليوم في سوريا سيضع الأسس المستقبلية للداخل اللبناني، وتبقى مسألة الحدود الجنوبية اللبنانية نظراً لوجود حزب الله هناك خاضعة لأوامر إقليمية ودولية.

الحريري يكشف في خطاب الاستقالة عن أن لإيران رغبة جامحة في تدمير العالم العربي مؤكدا رفضه استخدام سلاح حزب الله ضد اللبنانيين والسوريين

وكان سعد الحريري وصف في خطاب الاستقالة حزب الله، المشارك في الحكومة، بـ”الذراع الإيرانية ليس في لبنان فحسب بل في البلدان العربية”.

وأضاف “خلال العقود الماضية استطاع حزب الله للأسف فرض أمر واقع في لبنان بقوة سلاحه الذي يزعم أنه سلاح مقاومة وهو الموجه إلى صدور إخواننا السوريين واليمنيين فضلا عن اللبنانيين”.

عودة الحريري

يعد سعد الحريري الوريث السياسي لرئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري. وسطع نجمه السياسي في العام 2005، بعدما قاد فريق قوى 14 آذار إلى فوز كبير في البرلمان بعد اغتيال رفيق الحريري في تفجير مروع في وسط بيروت، والضغط الشعبي الذي تلاه وساهم في إخراج الجيش السوري من لبنان بعد نحو ثلاثين سنة من تواجده فيه.

وقد أحدث ذلك في حينه انقلابا في المشهد السياسي اللبناني الذي كانت دمشق اللاعب الأكثر نفوذا فيه على مدى عقود. وفي 3 نوفمبر 2016 تولّى الحريري رئاسة الحكومة اللبنانية للمرة الثانية.

وكانت المرة الأولى بين 2009 و2011 حين ترأس حكومة وحدة وطنية ضمت معظم الأطراف اللبنانيين، وأسقطها حزب الله وحلفاؤه وعلى رأسهم ميشال عون بسحب وزرائهم منها.

في المرة الثانية عاد الحريري بناء على تسوية اتفق عليها مع ميشال عون الذي انتخب رئيسا للجمهورية في أكتوبر العام 2016 بعد عامين ونصف العام من الفراغ الرئاسي. وبعد سنة على تكليفه برئاسة الحكومة التي شكلها في أواخر العام 2016، أعلن الحريري من الرياض استقالته من منصبه في خطاب هاجم فيه إيران وحزب الله.

وقال الحريري إن إيران “ما تحلّ في مكان إلا وتزرع فيه الفتن والدمار والخراب، ويشهد على ذلك تدخلاتها في الشؤون الداخلية للبلدان العربية في لبنان وسوريا والعراق واليمن”.

لم يعمل سعد الحريري في السياسة خلال حياة والده. وسمّته العائلة لخلافته في العمل السياسي بسبب “دبلوماسيته”، بحسب مقربين.

وتتسم إطلالات الحريري الإعلامية غالبا بالهدوء. إلا أنه تعلم كذلك على مدى السنوات الماضية كيف يصبح خطيبا يحرك الحماسة بين أنصاره، بعدما انتقده معارضوه كثيرا لعدم قدرته على التعبير بشكل جيد باللغة العربية.

وبالرغم من القاعدة الشعبية العريضة التي انطلق منها لم يحقق الكثير في مشواره السياسي بسبب عمق الانقسامات في لبنان، بل اتسمت مسيرته بكثير من التنازلات وخصوصا خلال مواجهات سياسية عديدة مع خصمه الأبرز حزب الله، في محاولات للخروج بلبنان من مربع الأزمات.

واتهم سعد الحريري النظام السوري بالوقوف وراء اغتيال والده، لكنه اضطر بعد تسلمه رئاسة الحكومة في 2009 وتحت وطأة الضغوط السياسية إلى القيام بزيارات عدة إلى دمشق، وصولا إلى إعلانه في أغسطس 2011 أن اتهامه لسوريا كان “سياسيا”.

كما أعلن مرارا أنه لن يقبل بحكومات وفاق وطني يعرقل فيها حزب الله اتخاذ القرارات، قبل أن يشارك تيار المستقبل الذي يتزعمه في الحكومات المتتالية.

ورفض الحريري وصول ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية بشدة على مدى سنوات، قبل أن يعمد إلى ترشيحه بنفسه في 20 أكتوبر 2016، ضامنا له أكثرية نيابية أوصلته إلى الرئاسة. لكن الحريري نجح في التغلب على حزب الله مرة ثانية في الانتخابات النيابية في 2009، ولم تجر انتخابات منذ ذلك الوقت.

ولم يخضع للضغوط التي تعرض لها من الحزب الشيعي خلال ترؤسه الحكومة، للتنصل من المحكمة الدولية المكلفة بالنظر في اغتيال والده والتي وجهت اتهامات إلى خمسة عناصر من حزب الله.

وعاش سعد الحريري بين عامي 2005 و2007 لفترات طويلة خارج لبنان في مرحلة كانت تشهد اغتيالات استهدفت شخصيات سياسية وإعلامية مؤيدة لخطه السياسي.

وبعد إسقاط حكومته في 2011 تصاعد التوتر بينه وبين حزب الله على خلفية تدخل الأخير في سوريا وقتاله إلى جانب نظام الرئيس بشار الأسد. وأمضى الحريري مجددا معظم السنوات الماضية خارج البلاد “لأسباب أمنية”.

4