استقالة عادل عبدالمهدي تهدّد النظام العراقي بمفعول الدومينو

تململ في صفوف القوات المسلحة بسبب التضحية بضباطها وتبرئة الميليشيات من قضية قتل المتظاهرين.
الاثنين 2019/12/02
غضب داخل المؤسسة الأمنية

التضحية برئيس الوزراء العراقي وبعدد من القادة الأمنيين، تبدو أبعد ما تكون عن إنهاء أزمة النظام الحادّة بسبب إصرار المحتجّين على إسقاطه برمّته، وهو تحديدا ما أثار المخاوف بين أركانه من أن تكون لاستقالة عادل عبدالمهدي نتائج عكسية وأن تزيد في تأجيج غضب الشارع بدل إخماده، وهو أمر بصدد التحقّق على أرض الواقع من خلال تواصل الاحتجاجات وتوسّعها جغرافيّا.

بغداد – صوّت مجلس النواب العراقي بسرعة وسلاسة غير معهودتين على قبول استقالة رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي، الأمر الذي عكس رغبة عامّة لدى القوى السياسية والأطراف المشاركة في السلطة، في التخلّص من الرّجل وتحميله مسؤولية تفجّر الأوضاع في البلد ومقتل وجرح المئات من المحتجّين، وذلك أملا في إنقاذ النظام المهدّد بالسقوط عن طريق الاكتفاء بالتضحية بالحكومة.

وعلى الأرض بدت حقيقة الشارع مخالفة تماما لحسابات السياسيين، حيث تواصلت الاحتجاجات في العاصمة بغداد ومحافظات الجنوب، وبدأت تأثيراتها تمتدّ لأوّل مرّة باتّجاه محافظات شمال وغرب البلاد التي شهدت وقفات ومسيرات تضامن مع قتلى ذي قار والنجف.

وتخشى الشخصيات السياسية القليلة التي اعترضت على استقالة عبدالمهدي أن تأتي بنتائج عكسية تماما، وأن يكون لها مفعول الدومينو على مختلف أركان النظام.

وبالتوازي مع التضحية بالحكومة، دفعت شخصيات نافذة باتجاه التضحية بعدد من القادة العسكريين دون المساس بقادة الحشد الشعبي ومقاتليه المشاركين بشكل رئيسي في قمع المحتجّين وقتلهم، الأمر الذي تقول المصادر إنّه يثير غضبا وتململا في صفوف المؤسسة الأمنية والعسكرية الرسمية التي يعتبر قادتها إنّهم مجرّد منفّذين لأوامر القادة السياسيين.

وتمّ، الأحد، لأوّل مرّة منذ بدء الاحتجاجات في العراق إصدار حكم قضائي بإعدام رائد في الشرطة شنقا، وسجن آخر برتبة مقدم مدّة سبع سنوات، بناء على دعوى مقدمة من عائلتي متظاهرين قتلا برصاص الأمن.

لكنّ المفارقة أنّ قتل المحتجّين تواصل في يوم صدور الحكم ذاته، حيث سقط الأحد متظاهر واحد على الأقلّ بالرصاص في وسط بغداد، إلى جانب عدد من الجرحى.

وقال نائب بالبرلمان تغيّب عن جلسة الأحد بسبب تحفّظه على استقالة رئيس الوزراء “إنّ إزاحة عبدالمهدي من المشهد خطأ جسيم ولن يزيد إلاّ في فتح شهيّة المحتجين على تصعيد احتجاجاتهم والمطالبة بما هو أكثر من إقالة الحكومة ورئيسها”.

تنازل سائرون عن تشكيل الحكومة الجديدة هروب من تحمّل مسؤولية الحكم الذي تحوّل إلى جمرة تحرق أكفّ الممسكين بها

وأضاف ذات النائب طالبا عدم التصريح بهويته، تأكيده “أنّ المراهنة على تهدئة الشارع بإزاحة هذا الشخص أو ذاك، مجرّد وهم”، متسائلا “من سيشكّل الحكومة القادمة وكيف سيتوافق الأفرقاء على رئيسها وأعضائها، وهل لديهم استعداد للتضحية بمكاسبهم، وفي الأخير هل سيقبل بها المحتجّون الذين عبّروا بوضوح شديد على موقفهم الرافض للنظام برمّته وليس للحكومة فقط”.

ودعا رئيس البرلمان محمد الحلبوسي خلال الجلسة الطارئة، الأحد، رئيس الجمهورية لتكليف مرشح الكتلة البرلمانية الأكبر لتشكيل حكومة جديدة بموجب المادة 76 من الدستور العراقي.

وتنص المادة المذكورة على أن يكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددا بتشكيل مجلس الوزراء، خلال مدة 15 يوما. وكذلك تنص على أن يتولى رئيس مجلس الوزراء المكلّف تسمية أعضاء وزارته، خلال مدة أقصاها ثلاثون يوما من تاريخ التكليف.

ووفق نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة عام 2018، فإن تحالف سائرون المدعوم من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، هو الكتلة البرلمانية الأكبر، حيث تصدّر الانتخابات بـ54 مقعدا. لكن يمكن أن تتحالف كتل برلمانية في ما بينها وتشكل الكتلة الأكبر.

وأعلنت كتلة سائرون، الأحد، في بيان “تنازلها عن حقها في ترشيح رئيس الوزراء باعتبارها الكتلة الأكبر وموافقتها على المرشح الذي سيختاره الشعب”.

و‌من جهته قال رئيس الكتلة النائب نبيل الطرفي في مؤتمر صحافي إنّ “تحالف سائرون بما أنّه يمثّل الكتلة الأكبر بناء على الانتخابات وانطلاقا من توجيهات السيد مقتدى الصدر بإنهاء المحاصصة الحزبية والطائفية يعلن تنازله عن هذا الحق للمتظاهرين”.

Thumbnail

وتعليقا على موقف سائرون قال أحد المتابعين للشأن العراقي “إنّ التنازل عن تشكيل الحكومة قد لا يعكس بالضرورة رغبة في الاستجابة لمطالب الشارع بقدر ما هو هروب من تحمّل مسؤولية في غاية الصعوبة، بعد أنّ تحوّلت مسؤولية الحكم إلى جمرة تحرق أكفّ الممسكين بها”.

ولم تشهد جلسة التصويت على قبول استقالة عبدالمهدي، الصخب المألوف في البرلمان العراقي، والذي يأتي دائما كصدى للتنافس الشديد بين الأفرقاء السياسيين وتسابقهم لصياغة القرارات والقوانين وفق مصالحهم وأهوائهم. ونقلت وكالة الأناضول عن مصدر قوله إنّ رئيس البرلمان محمد الحلبوسي قرأ كتاب الاستقالة المقدّم من رئيس الحكومة على أعضاء البرلمان ومن ثم طرح الموضوع على التصويت.

وأضاف ذات المصدر أن غالبية الأعضاء الحاضرين وعددهم 241 نائبا من أصل 329 صوتوا لصالح قبول الاستقالة. وكان عبدالمهدي قد قال في وقت سابق خلال جلسة طارئة لحكومته إنّه قدم استقالته إلى البرلمان لنزع فتيل أزمة الاحتجاجات التي تجتاح البلاد منذ شهرين.

وأعرب عن أمله في أن لا يطول وضع تصريف الأعمال بعد الاستقالة رسميا، منوّها إلى أن حكومته تشكّلت في ظل ظروف صعبة نتيجة لتراكم المشاكل من الحكومات السابقة.

وجاء إعلان رئيس الحكومة استقالته عقب دعوة وجهها المرجع الشيعي الأعلى في العراق علي السيستاني، الجمعة، إلى البرلمان للسعي إلى سحب الثقة من الحكومة.

كما جاء الإعلان تحت وطأة ضغوط تزايد أعمال العنف الدموية التي سقط فيها آخر الأسبوع الماضي المئات من القتلى والجرحى برصاص القوات الأمنية والميليشيات الرديفة لها.

3