استقالة معالي الوزير

الأربعاء 2015/05/13

استقال معالي الوزير بعد أن سحبه لسانه إلى معركة خاسرة، وكان لابد من أن يستقيل لأن بقاءه في منصبه كان سيجعله عرضة لحرج الإقالة، والاستقالة أفضل من الإقالة بخاصة إذا كان المسؤول أخطأ خطأ فادحا كذلك الذي ارتكبه وزير العدل المصري عندما اعتبر أن ابن عامل التنظيف فاقد للوجاهة الاجتماعية التي تؤهله للعمل في مجال القضاء.

قبل ذلك تم رفض عشرات المترشحين للنيابة العامة لأن أباءهم لا يحملون شهائد جامعية. الشارع المصري يقول أن والد الرئيس محمد نجيب كان مزارعا، ووالد الرئيس جمال عبد الناصر كان عاملا بمصلحة البريد، ووالد الرئيس محمد أنور السادات كان كاتبا بالمستشفى العسكري، فيما عمل والد الرئيس حسني مبارك، حاجبا بالمحكمة وكان والد الرئيس عبد الفتاح السيسي صاحب محل بقالة في الجمالية.

وهذا يعني أن رؤساء مصر منذ ثورة يوليو 1952 جاؤوا من عامة الشعب ومن طبقات اجتماعية متواضعة، وأباؤهم لم يدخلوا الجامعات، ولم يدرسوا في الغرب، رغم أن رئيس الدولة هو القاضي الأول في البلاد، وهو الذي يصادق على الأحكام، وبيده نفاذها أو إلغاؤها.

سير الزعماء والقادة والعلماء وصانعي التاريخ تشير إلى أن أغلبهم منحدر من أوساط فقيرة ومحرومة وربما منبوذة، فالمعاناة تصنع القدرة على التحدي والفقر قد يتحول إلى قوة دفع إيجابية، والمصعد الاجتماعي يمكن أن ينطلق من كهف الحاجة إلى نور الاكتفاء، ومن أقرب النماذج إلينا الرجل الذي حوّل البرازيل إلى قوة اقتصادية عالمية وجعلها نمرا من نمور البريكس، أعني سيلفا لولا الذي لم يتجاوز تحصيله العلمي الخامسة من التعليم الأساسي بسبب الفقر والفاقة، فعمل ماسحا للأحذية لفترة طويلة في ضواحي ساوباولو، ثم عمل بمحطة بنزين، ثم خراطا، وميكانيكي سيارات، وبائع خضار، لينتهي به هذا الحال كمتخصص في التعدين، بعد التحاقه بمعمل “فيس ماترا” وحصوله على دورة لمدة ثلاث سنوات. وفي سن الـتاسعة عشرة خسر لولا أصبعه الصغير في يده اليسرى في حادث أثناء العمل في مصنع قطع غيار للسيارات.

سيلفا قال “لقد علمتني أمي كيف أمشي مرفوع الرأس وكيف أحترم نفسي حتى يحترمني الآخرون”، وهذا يشير إلى أن والدته كانت حكيمة بما يكفي لتؤثر في مصير ابنها وبلادها رغم فقرها وأميتها وعدم وجاهتها الاجتماعية، وربما كان سيلفا أوعى منّا بجوهر ما قاله الشاعر العربي “لا بقَوْمي شَرُفْتُ بل شَرُفُوا بي، وَبنَفْسِي فَخَرْتُ لا بجُدودِي” وما قاله شاعر آخر “كن ابن من شئت واكتسب أدبا، يغنيك محموده عن النسب، إن الفتى من يقول ها أنذا، ليس الفتى من يقول كان أبي”.

ليت الوزير يكون وحده صاحب القناعة التي عبر عنها فاضطرته للاستقالة، ليته لا يكون مجرد ناطق عابر باسم فئة كبرى لاتزال تجعل من مسألة الوجاهة الاجتماعية غطاء لتوريث بعض المهن ومنها القضاء.

24