استقالة نيكي هايلي: هل انفرط عقد "العقلاء" في الإدارة الأميركية

رجة في صفوف الجمهوريين قبيل انتخابات التجديد النصفي، والأزمات الداخلية تدفع ترامب للتركيز على السياسة الخارجية.
الخميس 2018/10/11
هايلي كانت من بين النخبة التي تتمتع بالنضج في إدارة ترامب

أثارت استقالة نيكي هايلي من منصبها كمندوبة أميركية دائمة في الأمم المتحدة، الكثير من ردود الأفعال في الولايات المتحدة وفي المجتمع الدولي، خصوصا لما أحدثته خطوة النجمة الصاعدة في سماء السياسة الأميركية من رجة أو صدمة داخل البيت الأبيض الذي عاش في أقل من عامين على وقع موجة استقالات لكبار مسؤولي إدارة ترامب، ليتعقد وضع إدارة ترامب أكثر فأكثر باستقالة هايلي إحدى أشرس المدافعات عن تصوراته، في ما يتعلق بإيران وكوريا، لكن تختلف معه بالنسبة لروسيا، قبيل شهر من ذهاب الأميركيين إلى صناديق الاقتراع لانتخاب الكونغرس الجديد.

واشنطن - هل يمكن أن تكون نيكي هايلي هي الكاتب المجهول للمقال الذي نشر في صحيفة نيويورك تايمز وينتقد أسلوب ترامب بشدة ونسب إلى مسؤول رفيع في إدارة ترمب؟ سؤال تبادر إلى الأذهان مع إعلان المندوبة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة استقالتها من الإدارة الأميركية، التي انفرط عقد “العقلاء” فيها، ولم يبق غير وزير الدفاع المخضرم جايمس ماتيس.

وذهب في سياق هذا الطرح دانيال بيبتريس، المحلل في صحيفة واشنطن اكزامينار، الذي كتب ساخرا “سيمر اليومان القادمان على الخبراء وهم يتساءلون: لماذا قررت الاستقالة؟ هل وقعت في مشاكل مع الرئيس ترامب؟ أم هل حدث شيء مثير وراء الكواليس لم يتم الكشف عنه بعد؟ ربما حقا هي من كتبت المقالة المجهولة التي نُشرت في نيويورك تايمز تصف ترامب بأنه غبي طائش ومتعجرف يقف ببلاده على حافة الهاوية؟”.

وأضاف بيبتريس أن استقالة نيكي هايلي كسفيرة للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة محيّرة بقدر ما كان تعيينها مفاجئا، خاصة أنه لم يكن هناك في الأساس أي إشعار مسبق بأن حاكمة ولاية كارولينا الجنوبية الجمهورية السابقة كانت تفكر في ترك منصبها، ناهيك عن الإعلان عنه قبل أقل من شهر من ذهاب الأميركيين إلى صناديق الاقتراع لانتخاب التجديد النصفي للكونغرس.

نفت نيكي هايلي أنها كاتبة المقال، إلا أن الجدل حول استقالتها، التي ولئن بدت مفاجئة بالنسبة للكثيرين، والتوقف عند مواقفها منذ أن عيّنت في منصبها قبل عامين يشيران إلى أنها تأخرت، خاصة وأن البعض طرح السؤال حول بقاء نيكي هايلي في الإدارة الأميركية منذ أبريل الماضي، حين انتقدت البيت الأبيض بسبب تصريحات متضاربة حول عقوبات مفروضة على روسيا.

في أبريل 2018، أعلنت هايلي، وهي من أبرز المنتقدين لروسيا، أن الولايات المتحدة تعد لعقوبات جديدة على شركات روسية. لكن البيت الأبيض قال لاحقا إنه لم يتم اتخاذ قرار بمثل هذه العقوبات. وأغضب التصريح ترامب، حسبما نقلت صحيفة نيويورك تايمز.

وأصبح الخلاف علنيا، عندما حاول المستشار الاقتصادي للرئاسة لاري كودلو توضيح موقف الإدارة الأميركية من العقوبات بقوله “اختلط عليها (هايلي) الأمر”، لترد هايلي في تصريح لتلفزيون فوكس نيوز بقولها “مع كل الاحترام اللازم، أنا لا أصاب بالبلبلة”.

هدأت الأمور بعد ذلك قليلا، خصوصا مع انغماس الإدارة الأميركية في الملف الإيراني، الذي كانت هايلي من مؤيدي ترامب بشأنه، فقد أيدته في الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، وأيضا دفعت بقوة من أجل فرض عقوبات على كوريا الشمالية، وكانت داعما قويا لحكومة إسرائيل.

لكن، يبدو أن هذه التوافقات لم تنجح في ردم الشرخ في الرؤى بخصوص قضايا أخرى على غرار التقارب مع روسيا، وموقف ترامب من التحالفات التقليدية.

خلافات لا تخفيها الابتسامات

تقارير أميركية تقول إنه من السهل تخيل خروج جايمس ماتيس وجون كيلي من الإدارة بعد انتخابات التجديد النصفي
"حدث جلل".. استقالة وسخرية في الأمم المتحدة

في تعليقه أثناء قبول الاستقالة قال ترامب، في مكتبه بالبيت الأبيض مرفوقا بالسفيرة المستقيلة، إن هايلي “قامت بعمل رائع”. كان لقاء قبول الاستقالة حافلا بالابتسامات من الطرفين، وتحدّثت هايلي بلغة متملقة للرئيس.

وقالت هايلي “أريد أن أشكر الرئيس على سماحه لي بالخروج والتحدث معكم بهذه الطريقة”. كما تقدّمت بالثناء للسيدة الأولى ميلانيا ترامب وإيفانكا ترامب وجاريد كوشنر، الذي خصّته بالقول “هو عبقري مخفي لا يفهمه أحد. انظروا إلى ما حدث خلال العامين الماضيين في سياسة الولايات المتحدة الخارجية. أستطيع أن أقول الآن أن الولايات المتحدة تحظى بالكثير من الاحترام”.

رغم ذلك، لم تنجح الدبلوماسية المتبادلة بين ترامب وهايلي في إخفاء عمق الخلافات بينهما. ويعلق ديفيد غراهام، المحلل في الشأن السياسي الأميركي بمجلة ذي أتلانتك، الأميركية، ساخرا من ثناء المسؤولة المستقيلة على السياسة الخارجية الأميركية بقوله “هايلي قالت هذه الجملة بعد مرور أسبوعين على سخرية الدبلوماسيين علانية من ترامب في الجمعية العامة للأمم المتحدة”.

ووصف غراهام استقالة هايلي بأنها “حدث جلل”، فالمندوبة الأميركية كانت من بين النخبة التي تتمتع بالنضج في إدارة ترامب، والتي لم يبق فيها من الحكماء غير وزير الدفاع المتحفظ جيمس ماتيس، ومدير المخابرات الوطنية دان كوتس.

تقارير أميركية تقول إنه من السهل تخيل خروج جايمس ماتيس وجون كيلي من الإدارة بعد انتخابات التجديد النصفي

جاءت استقالة هايلي، التي ستغادر الإدارة الأميركية نهاية العام، بعد فترة هدوء سبقتها موجة من استقالات عدد من كبار المسؤولين. وأشار تقرير صادر عن معهد بروكينغز الأميركي للأبحاث إلى أن نسبة 34 بالمئة من كبار المسؤولين استقالوا من مناصبهم في حكومة ترامب في غضون عام واحد.

ومن بين أبرز الاستقالات كانت استقالة مايكل فلين في فبراير 2016 بعد أقل من شهر من تعيينه مستشارا للأمن القومي للرئيس الأميركي. كما تعتبر إقالة ترامب لمستشاره الخاص ومدير حملته الانتخابية ستيف بانون من أبرز التغييرات في الإدارة الأميركية، وبالمثل إقالة وزير الخارجية ريكس تيلرسون والذي خلفه مايك بمبيو في مارس 2018.

وقبل إقالته، بدا ريكس تيلرسون، وكأنه ينسجم مع توجهات هايلي. ومن بين كل المسؤولين الكبار، “العقلاء” في الإدارة الأميركية بقي جايمس ماتيس في منصبه منذ أن اختاره ترامب لينضم إلى إدارته في سنة 2016.

ويعتبر ديفيد غراهام أن الأمر يعود أساسا إلى طبيعة الضابط السابق في سلاح مشاة البحرية الأميركية، ذي الخبرة الميدانية، حيث كان ماتيس يتجنب المشاكل ببساطة بالبقاء هادئا جدا، على الرغم من أنه قيل أيضا إنه تم تعليق مهامه.

سياسات متناقضة

هنا ضد إيران
هنا ضد إيران

خلافا لترامب، انتهجت نيكي هايلي خطا مغايرا رسمت من خلاله مسارها الخاص بها في السياسة الخارجية، وهو طريق يرى روسيا كعدو، ويرى أن دور الولايات المتحدة بطولي في تطبيق مبادئ حقوق الإنسان.

وعملت حاكمة ولاية كارولينا الجنوبية السابقة على بناء رصيد سياسي خاص بها يميزها عن الإدارة الأميركية، وتحديدا الرئيس ترامب. وفي العديد من الملفات المهمة الأخرى، تميل وجهات نظرها حول السياسة الخارجية أكثر تجاه آراء صقور الحزب الجمهوري، مثل عضو مجلس الشيوخ بوب كوركر، ورئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، وليندسي غراهام، ورئيس اللجنة الفرعية للاعتمادات التي تمول وزارة الخارجية والمنظمات الدولية، عن تلك الخاصة بالرئيس.

ودفع هذا التوجه المتابعين إلى التساؤل حول منافسة هايلي لترامب في الانتخابات التمهيدية لحزب الجمهوريين عام 2020. وردت هايلي على ذلك بقولها إنها غير مهتمة بالوصول إلى الرئاسة ووعدت بمساندة الرئيس في حملة إعادة انتخابه.

يتساءل المراقبون إن كان بإمكان المسؤولين الجدد الذين تم تعيينهم مكان المستقيلين، أو المقالين، سيقدرون على توجيه دفة الرئيس الأميركي إذا حادت عن مسارها، في ظل الفراغ الكبير الذي حصل في إدارة ترامب نتيجة الاستقالات.

وقدر تقرير صادر عن معهد بروكينغز الأميركي للأبحاث، نسبة كبار المسؤولين الذين استقالوا من مناصبهم في حكومة ترامب في غضون عام واحد بحوالي 34 بالمئة. وتشير ذي أتلانتيك إلى أن الإدارة الأميركية أثبتت أنها أكثر تشددا من الصورة التي تظهر عليها للجمهور، وهي علامة على أن مستشاري ترامب التقليديين نجحوا في منعه من الانسحاب من الناتو، وسحب الجنود الأميركيين من سوريا أو أفغانستان، بل وقصف سوريا ردا على ضربات الأسلحة الكيميائية.

لكن ترامب ما زال يعمل بثبات وبلا هوادة في أهداف مثل السياسة التجارية الحمائية، وعلاقاته مع الحلفاء لا تزال ضعيفة. والآن، وحتى إن كان لدى مسؤوليه تأثير كبير من خلال وجودهم حوله، لكن يبدو أن البعض منهم سيخرج قريبا، وفق ذي أتلانتيك، التي تقول إنه بعد استقالة هايلي، من السهل تخيل خروج كل من ماتيس وجون كيلي، كبير موظفي البيت الأبيض، من الإدارة بعد انتخابات التجديد النصفي، الأمر الذي يدفع ترامب نحو البحث عن تحقيق انجازات على مستوى السياسة الخارجية.

للمزيد:

7