استقالة ولد عباس تسهل طريق أويحيى لرئاسة الجزائر

الطبقة السياسية في الجزائر مازالت تتحفظ على تطورات الوضع في بيت الحزب الحاكم، بسبب الغموض الذي يكتنف وجهات الصراع بين أجنحة السلطة.
الجمعة 2018/11/16
ولد عباس يرفع راية الاستسلام

الجزائر- ألقت استقالة الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني الحاكم في الجزائر جمال ولد عباس بظلالها على المشهد السياسي في البلاد، خاصة ذلك المتصل بمصير التوازنات داخل السلطة، قبل خمسة أشهر من الانتخابات الرئاسية، الأمر الذي يعيد التكافؤ بين جميع الخيارات المطروحة، بعدما مالت الكفة خلال الأسابيع الأخيرة لصالح الولاية الرئاسية الخامسة للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة.

وذكر وزير سابق وقيادي في الحزب الحاكم لـ”العرب”، أن “جبهة التحرير تلقت ضربة قاصمة ليس باستقالة أو إقالة جمال ولد عباس، وإنما بالخليفة الجديد له، الذي يعد ذراع رئيس الحزب الغريم  (التجمع الوطني الديمقراطي)”.

واعتبر أن “أحمد أويحيى تمكن بهذه المناورة من ترويض أعتى القوى السياسية المنافسة له، وسيحيده بشكل كامل خلال الاستحقاق الرئاسي، لتخلو له الساحة من الحواجز التي كانت تعترض طموحه السياسي في اعتلاء قصر المرادية”.

ورفض جمال ولد عباس التعليق على الأبعاد والخلفيات السياسية لما سمي بقرار “الاستقالة” من قيادة الحزب الحاكم في البلاد، واكتفى بالقول في تصريح صحافي مقتضب “لا تكلموني عن السياسة أنا الآن متفرغ لأموري الصحية”.

وذكرت مصادر متطابقة أن “جمال ولد عباس، الذي أبلغ عن طريق اتصال هاتفي عن قرار الاستغناء عن خدماته في ليل الأربعاء/ الخميس، لم يستوعب الأمر وأصيب بأزمة قلبية حمل على إثرها إلى مستشفى عين النعجة العسكري بالعاصمة لتلقي الإسعافات الأولية”.

وأضافت “الوعكة الصحية والإجازة المرضية الطويلة الأمد (45 يوما)، التي قدمها ولدعباس لقيادة الحزب لتبرير ما أسماه بقرار  الاستقالة، جاءتا في أعقاب اطلاعه على خيار السلطة لإنهاء مهامه، وليس قبل ذلك”، مما يفيد بأن ولد عباس أبعد من قيادة الحزب، ولم يستقل بمحض إرادته.

ومازالت الطبقة السياسية تتحفظ على تطورات الوضع في بيت الحزب الحاكم، بسبب الغموض الذي يكتنف وجهات الصراع بين أجنحة السلطة. وباستثناء رئيسة حزب العمال اليساري لويزة حنون، التي استبقت الاستقالة بتحذير شديد اللهجة من “سيناريو الاستمرار وتداعياته على استقرار الوضع العام في البلاد”، في إشارة إلى ما باتت تصفه المعارضة بـ”المغامرة المجهولة العواقب التي تمهد لها أحزاب الموالاة”، فإن أغلبية التيارات تلتزم الصمت لحد الآن.

تعيين رئيس البرلمان معاذ بوشارب المقرب من أحمد أويحيى خلفا لولد عباس يتنافى مع النصوص الداخلية للحزب

ووصف رئيس حركة مجتمع السلم الإخوانية عبدالرزاق مقري المسألة بـ”اللاحدث”، واعتبر استقالة وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان من الحكومة الإسرائيلية أهم من استقالة ولد عباس.

واكتفى الناطق الرسمي لحزب التجمع الوطني الديمقراطي شهاب صديق، في اتصال لـ”العرب”، بالقول “ذلك شأن داخلي يهم جبهة التحرير الوطني”. وباستقالة جمال ولد عباس من قيادة الحزب الحاكم، يكون مشروع الولاية الرئاسية الخامسة هو المتضرر الأول، باعتباره عراب المشروع، والقاطرة التي قادت الخطوات الأولى للحشد السياسي المتخندق وراء التجديد لبوتفليقة، الأمر الذي يوحي بحدة الأزمة الداخلية التي تعيشها السلطة لحد الآن، بسبب المرشح الذي تخوض به غمار الاستحقاق القادم.

وشدد المحلل السياسي عبدالعالي رواقي على أن “العهدة الخامسة لبوتفليقة لن تتحقق، بسبب دخول النفوذ الفرنسي والأميركي على الخط”. ولفت إلى أن “الجدل المثار حول تنازلات تاريخية من الطرف الجزائري، والتمهيد لتطبيع من هذا القبيل، يندرجان في سياق صفقة تطبخ بين إدارة الإليزيه وشريكها السياسي في البلاد رئيس الوزراء الحالي أحمد أويحيى، من أجل تنصيب جيل جديد في السلطة ينهي جدل الحقبة الاستعمارية والذاكرة الجماعية، مقابل حصوله على الدعم والتزكية من باريس”.

وكان أحمد أويحيى قد وجه رسائل التناغم حول التوجه المذكور، في الخطاب الذي أدلى به مؤخرا في فرنسا، بمناسبة احتفالية مرور قرن على نهاية الحرب العالمية الأولى، لما أدخل مفردات جديدة في مبادئ الدبلوماسية الجزائرية، حيث وصف من كانوا يعرفون بـ”الشهداء” بـ”القتلى”، وما كان يعرف بـ”الثورة” بـ”الحرب”.

واللافت في التطورات السياسية الأخيرة في الجزائر، هو الخرق والتنافي مع النصوص والقوانين الناظمة، حيث أسقط رئيس البرلمان السابق سعيد بوحجة، رغم عدم شرعية ودستورية حملة سحب الثقة، وبمبرر سياسة الأمر الواقع، واستقال ولد عباس، واستخلف برئيس البرلمان الحالي معاذ بوشارب، رغم تنافي ذلك مع النصوص الداخلية للحزب.

ويذكر البند الثالث والثلاثون من القانون الداخلي للحزب بأن “استقالة الأمين العام للحزب تقدم لهيئة اللجنة المركزية، ويتم اختيار النائب الأكبر سنا لقيادة مرحلة انتقالية لا تتعدى شهرا واحدا، يتم خلالها عقد دورة استثنائية لانتخاب أمين عام جديد، ويبلغ رئيس الحزب بذلك”.

ولا يملك الأمين العام المؤقت معاذ بوشارب أي صفة أو شرط من الشروط المذكورة، فهو لا يملك صفة العضوية لا في اللجنة المركزية ولا في المكتب السياسي، وهو من أصغر الأعضاء سنا. ويهدد ذلك بإدخال الحزب في أزمة معقدة خلال الأيام المقبلة، بسبب الرفض المنتظر مما يعرف بـ”الحرس القديم” والأجنحة المتمردة، في صورة قياديين سابقين، كعبدالعزيز بلخادم، عبدالرحمن بلعياط، صالح قوجيل وعبدالكريم عبادة.

4