استقال هيغل... حان الوقت لتوحيد المواقف

الاثنين 2014/12/01
هنالك إجماع على أن هيغل لم يندمج جيدا مع طريقة إدارة أوباما في صنع السياسات

واشنطن – الجدل الذي تسببت فيه استقالة وزير الدفاع الأميركي تشاك هيغل مؤخرا، أنتج عدّة قراءات متضاربة لهذا القرار، بين من قرأها على أنها بداية تغيير جذري في سياسات أوباما، ومن وضعها في إطارها الواقعي البسيط الذي يفيد بأنها لا تعدو أن تكون سوى خطوة طبيعية ناتجة عن عدم تأقلم هيغل مع إدارة أوباما، وفق دراسة للباحث بنجامين فيشمان، صدرت عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية(iiss).

غطت استقالة وزير الدفاع الأميركي تشاك هيغل في الرابع والعشرين من نوفمبر على ما يفترض أن يكون أهم خبر في العلاقات الخارجية الأميركية مؤخرا، ألا وهي نتائج المفاوضات النووية الإيرانية في فيينا. وفي الحقيقة يرى مراقبون، أنّ المسألتين مترابطتان وتوحيان بأنه من غير المحتمل أن تقوم إدارة أوباما بتغييرات كبرى في سياساتها لمجرد أن الجمهوريين ربحوا الانتخابات النصفية أو لأنّ الرئيس قد يكون يبحث عن استعادة مكانه في عالم مليء بالأزمات.

وفي هذا الإطار يرى بنجامين فيشمان أنّ الاتفاق مع إيران على تمديد المحادثات النووية لمدة سبعة أشهر قادمة يدلّ على أنّ المقاربة الأساسية التي تنتهجها إدارة أوباما تجاه إحدى أولوياتها الكبرى، ستبقى هي نفسها على الأقل إلى منتصف سنة 2015. في الواقع مازالت الولايات المتحدة تراهن على قدرة العقوبات الجارية على تغيير السياسة الإيرانية.

وفي حالة انهيار المساعي الدبلوماسية، لن يتم استدعاء وزير الدفاع للعب دور أساسي في تنفيذ ضربة عسكرية (وهي إمكانية لا بد أنّ أوباما فكّر فيها عند تعيينه لهيغل قبل قرابة سنتين) إلاّ في أسوأ الظروف.

وعلى نحو مماثل يبدو أن أولويات الإدارة الأميركية في أفغانستان وآسيا هي استمرار لاستراتيجية طويلة المدى عوضا عن أن تكون تغييرا مفاجئا، فالقوات العسكرية الأميركية في أفغانستان ستؤدي دورا أكبر ممّا هو منتظر في سنة 2015 لكن ذلك لا يعود إلى تحسن العلاقات مع الرئيس الأفغاني الجديد أشرف غاني بقدر ما يعود أيضا إلى التوترات التي تسود البنتاغون والبيت الأبيض.

التغيير في السياسات الأميركية لم يكن يوما مرتبطا بالأشخاص

إلى جانب ذلك فقد أدت جولة الرئيس أوباما الأخيرة في آسيا إلى اتّخاذ إجراءين بارزين لبناء الثقة حول النشاط العسكري والبحري مع الصين، وهو ما يمكن اعتباره إنجازا مهما لما يسمّى “التحول” إلى آسيا.

ربما يكون لمغادرة هيغل أثر أكبر في خضم الأزمتين الحاليتين مع روسيا و”الدولة الإسلامية” في العراق وسوريا (داعش)، لكن هنا أيضا من المتوقع أن تفكر الإدارة الأميركية في عدة خيارات قبل اتّخاذ مواقف أكثر خطورة مثل استهداف نظام الأسد أو تركيز عدد محدود من الجنود في الأراضي العراقية من أجل تنفيذ بعض المهام المحدّدة مسبقا.

ومن الواضح أن صوت وزير الدفاع في مثل هذه النقاشات يكون حاسما لكنه غير محدد، فمثلا نصح روبرت غيتس في السابق بعدم تنفيذ الغارة على بن لادن، في حين اختلف ليون بانتا مع البيت الأبيض حول أهمية تسليح المتمردين السوريين.

وبغض النظر عمّن سيخلف هيغل (قد يكون أشتون كارتر نائب وزير الدفاع السابق لدى أوباما مرشحا بارزا بعد انسحاب ميشال فلورنوي) سيكون مجهوده قد اختصر في إحراز ثقة الرئيس وتأكيد مكانه داخل عملية تحديد السياسات.

من جهة أخرى، من المحتمل جدا أنّ استقالة هيغل قد تمّت بدافع الإدراك المتبادل أنّه لم يكن شريكا مناسبا داخل فريق أوباما للأمن الوطني. وهذه الحادثة تذكرنا باستقالة الجنرال جيمس جونس من خطة أول مستشار أمن وطني لأوباما، بعد أقل من سنتين من أداء مهامه، حيث تشاجر جونس–وهو جنرال بحري متقاعد يتمتع بسمعة طيبة- مع المستشارين المقرّبين لأوباما ولم يندمج جيدا مع طريقة صنع السياسات التي تتبعها الإدارة. ويبدو أنّ هيغل عانى من مشاكل مشابهة يضاف إليها أداؤه الضعيف على المنابر العامّة بداية من جلسة الاستماع لتأكيد تعيينه في يناير 2013.

في سياق متّصل، يخلص الباحث إلى أنّه ما زال غير واضح ما إذا كان أوباما ينوي القيام بتغييرات إضافية في فريق الأمن القومي الخاص به، وأحد الأدوار الأساسية هو إيجاد معوّض لنائب مستشار الأمن القومي طوني بلينكن، المرشح حاليا لمنصب نائب وزير الدفاع. لكن في الوقت الحاضر على الخبراء الذين يسعون إلى تضخيم استقالة هيغل على أنّها إشارة إلى تغييرات أكثر أهمية في السياسات الأميركية، أن يتراجعوا خطوة إلى الوراء وأن يدركوا أنّ هذا الرئيس كان دائما منهجيا ومُحترما للقانون. وما يُمكن استنتاجه هو أنّ التغييرات في السياسات ترتكز على ما هو أكثر من تغيير في الأشخاص مهما كانت درجة تأثيرهم.

7