استقبال اللاجئين.. الورقة المؤثرة في الانتخابات الألمانية

السبت 2017/09/23

نتائج استطلاعات الرأي للانتخابات الألمانية تهيئ لنا الأجوبة المتصلة بأسئلة متعلقة بما سيجري في 24 سبتمبر أثناء اختيار البرلمان التاسع عشر لألمانيا. نسبة كبيرة من التوقعات ترشح فوز حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي بقيادة أنجيلا ميركل، ومعه حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي في بافاريا الذي يطلق عليه الأخ الأصغر في أسرة اليمين المحافظ ونعني به حزب ميركل المستقر في الوسط بثلاث دورات انتخابية بالتتابع وهو مرشح بقوة لدورة رابعة.

الحزب المنافس هو الحزب الديمقراطي الاشتراكي الألماني بقيادة مارتن شولتس، وهناك أحزاب أخرى في أطراف اليسار أو اليمين أو أحزاب البيئة وحزب الخضر، حيث اختار زهرة الشمس الصفراء رمزا له وتعبيرا عن تقاليده في الدفاع عن اللون الأخضر بما يمثله من مشكلة عالمية تعاني منها مناطق جغرافية زحف عليها الجفاف وقلة المياه وارتفاع درجات الحرارة، وهو حزب يُعنى السلام والتعاون بين البشر وتصاهر الثقافات على الأرض الألمانية.

وللعراق صلة بموجة تشكيل الأحزاب والتيارات بعد الاحتلال في أبريل 2003 والتي تجاوزت 350 تنظيما كان من بينها حزب مماثل لحزب الخضر الألماني لكنه لم يلق أي اهتمام يذكر، ولم يحظ بالدعم المالي أو المعنوي رغم مخاطر البيئة وتهديدها لركائز أساسية في الحياة الاقتصادية وما تؤثر به على مصير التجمعات السكانية.

ألمانيا بديمقراطيتها الراسخة تعتمد التوافقات السياسية في تشكيل الائتلاف الحكومي بطيف واسع وبسند دستوري يجنب الأحزاب الكبيرة والصغيرة القطيعة في ما بينها، أي إنها بلا أوهام صراع الأحزاب التقليدية في هواجس الوصول إلى السلطة. لكن مع ذلك فإن المشاكل قائمة في الانتخابات الألمانية وأهمها مشكلة اللاجئين وتدفقهم في سنة 2015 وازدياد الهجمات الإرهابية.

ألمانيا تعتبر مركزا رئيسيا لاستقرار الاتحاد الأوروبي اقتصاديا وماليا بما ينعكس على الواقع السياسي لدول الاتحاد. لكن لماذا الاتحاد الأوروبي ليس سوبر ماركت نتسوق منه ما نشاء؟ إنها مقولة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الموجهة إلى دول الاتحاد التي تتعامل بانتقائية وتبضع خاص لمكاسب الانضمام إلى الاتحاد مع رفض الواجبات الملقاة عليها.

الرئيس إيمانويل ماكرون الذي التقى في اليوم التالي لمراسيم تنصيبه رئيسا لفرنسا المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل في زيارة كانت بحد ذاتها رسالة إلى من اهتزت قناعاتهم بالاتحاد الأوروبي وقوته وفاعلية دوله الأعضاء في الثبات والتماسك بعد نتائج الاستفتاء البريطاني في الخروج من الاتحاد.

زيارة متسرعة ومقصودة رغم الانتقادات اللاذعة المسبقة إلا أنها وضعت دعامة مهمة للاستقرار وتحفيز دول الاتحاد لتقاسم الأعباء تحت سقف مبادئ التضامن في أداء الواجبات كما في المنافع والمزايا الاقتصادية.

قرابة مليون لاجئ استقبلتهم ألمانيا بعد عبورهم بحر إيجة وغرق آلاف الضحايا. كان قرار السماح لهم بمغادرة تركيا صدمة كبيرة لأوروبا ودول الاستقبال الأولى كاليونان بما تعانيه من أزمة اقتصادية ساحقة.

ألمانيا وفرنسا ودول أخرى تطالب بتقسيم حصص اللاجئين على 28 دولة يتكون منها الاتحاد. بولندا وهنغاريا ترفضان تماما الفكرة لأسباب مجتمعية أكثر منها مالية، لأن الاتحاد الأوروبي يساهم في تمويل المشاريع للدول الأعضاء، وبالذات دول أوروبا الشرقية، لتسريع نمو وإحداث طفرات في التنمية المستدامة وبإمكان الاتحاد مساعدة تلك الدول بإعانات مالية مخصصة للاجئين.

مليون لاجئ في ألمانيا، كانت لهذا الرقم تداعيات سياسية مع موجة أعمال العنف والإرهاب التي هزت أوروبا ومنها ألمانيا. تم استغلالها من قبل حزب البديل من أجل ألمانيا الذي استطاع الترويج لبرنامجه المعادي للمهاجرين واللاجئين.

استطلاعات الرأي تؤكد حصول اليمين المتطرف على نسبة الـ9 بالمئة بما يؤهله لدخول البرلمان لأول مرة في تاريخه، لأن العتبة الانتخابية تتطلب حصوله على 5 بالمئة من أصوات الناخبين.

الاستطلاعات أثبتت أنها ليست حاسمة، والانتخابات الرئاسية الأميركية حاضرة دائما في أذهاننا عندما فاز المرشح الجمهوري دونالد ترامب خلافا لكل الاستطلاعات. فمن الخطأ التأكيد على الاستطلاعات كحقائق انتخابية موثوق بها لأنها ستؤدي إلى ردة فعل غير ديمقراطية كما حصل في الانتخابات الأميركية.

صعود حزب البديل من أجل ألمانيا لن يكون له التأثير الكبير في عمل البرلمان، إلا أنه حتما سيحدث تغييرا ما خاصة في حالة ائتلاف بعض الأحزاب الصغيرة معه. في الاتجاه الآخر يرى بعض القادة في الأحزاب الكبيرة أن لجوء قرابة مليون لاجئ إلى ألمانيا هو شهادة لصلابة القيم الأوروبية والألمانية، حيث يسعى مواطنو الدول غير المستقرة سياسيا واقتصاديا إلى طلب الحماية وتدعيم كرامتهم وحاجاتهم الإنسانية بما يقدم مثالا تقتدي به الدول في شجاعة الإيواء والتسامح ورفض استخدام الثروات وقوة الاقتصاد لأغراض التعالي والهيمنة، وفرض وقائع بديلة غير إنسانية. تجربة النازية في ألمانيا مثال لسلبية التفكير في توجيه المعرفة والثروات.

هناك مطالبات منطقية وواقعية في تشريع قانون اللجوء والهجرة الشرعية وبإشراف المنظمات الدولية وبالتعاون مع الدول الأكثر استقطابا والتي تحولت إلى مراكز دولية للاتجار بالبشر كنشاط اقتصادي بما فيه من موت وانتهاكات لحقوق الإنسان.

اليمين المتطرف يبدو حالة مشتركة في انتخابات الدول الأوروبية كنتائج الجبهة الوطنية في الانتخابات الفرنسية، أو توريط الناخب البريطاني في تسريبات اليمين المتطرف أثناء الاستفتاء على البريكست وغيرها من أمثلة ارتفعت فيها أصوات اليمين الشعبوي الذي يستدر ويستميل الناخبين إليه بركوب موجة أخطاء الأحزاب الكبيرة في قرارات معينة من تجربة الحكم أو التشهير بأقوال زعمائها كأوراق ضغط على توجهات الأصوات المتأرجحة بمداعبة مشاعرهم الغاضبة أحيانا.

الناخب الألماني يوصف بأنه قصير النفس في متطلباته السياسية، ومدة 4 سنوات انتخابية بالنسبة إليه مدة تتناسب مع احتياجات حياته الخاصة واهتماماته في العيش بضمان موارده وتأمين مستلزماته في التعليم والصحة والتقاعد والعمل. بمعنى أنه لا يخطط لمستقبل بلاده السياسي لأكثر من دورة، وذلك لغياب الأيديولوجيات من فكره الإنساني ولثقته باستمرارية حكومته على نهجها، ولذلك غالبية شعارات الأحزاب تتناغم مع الثقة والفخر بألمانيا.

تراهن ألمانيا على الدورة المالية للاتحاد الأوروبي في العام القادم وهي دورة لـ7 سنوات تنتهي في 2024 وهي فرصة لمناقشة إسهامات ألمانيا المالية في الجزء الأكبر منها، حيث تصل ميزانية الاتحاد إلى حدود 950 مليار يورو يتوقع أن ترتبط بتنفيذ مبادئ الاتحاد الأوروبي والامتثال لقرارات محكمة العدل الأوروبية المُلزِمة لكل الأطراف، وذلك ما يرنو إليه الرئيس الفرنسي ماكرون بإلغاء سياسة انتقاء تنفيذ قرارات الاتحاد الأوروبي لأي دولة من الدول الأعضاء.

الأحزاب الألمانية لا تقدم وعودا بنهاية موجات الهجرة واللجوء أو نهايات الإرهاب، لكنها لا تتنصل عن مسؤولياتها تجاه مواطنيها ولا تتخلى عن قيمها الإنسانية أو دورها في النهوض بالاتحاد الأوروبي كقوة اقتصادية أو سياسية بإمكانها أن تصنع الفارق في التوازن الدولي، وتوجه من بعيد أو قريب سياسة التنافس تحت سقف المصالح العالمية المشتركة والإبقاء على الحوار كوسيلة لحل النزاعات العالقة.

مزاج الناخب الألماني خضع أيضا لعدم تبويب السياسة في يسار ويمين ووسط. ومن يتابع الحملات الانتخابية للأحزاب سيكتشف أن الانتخابات سوق رائجة للدعابة والمرح أيضا، وأن لا متغيرات جوهرية في سوق انتقالات السلطة. الانتخابات الألمانية من دون دراما رغم الجدل حول مستقبل العلاقة مع بعض الدول أو نسبة الإقبال على الانتخابات أو تقييمات استطلاعات الرأي.

كاتب عراقي

8