استقبال فاتر في موسكو يذكر قطر بأن قضيتها تبقى "صغيرة"

موسكو تسعى للخروج من المقاطعة الغربية قبل أن تفكر في إخراج قطر من المقاطعة الخليجية، والدوحة تريد استمالة روسيا في محاولة لاستعادة نفوذها الضائع في الشرق الأوسط.
الأربعاء 2018/03/28
آخر ما يهم بوتين الغارق إيجاد مخرج لقطر من أزمتها

موسكو – لم يحالف أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني الحظ في زيارة متعجلة قام بها إلى موسكو بحثا عن دعم روسي في الأزمة الخليجية، إذ كان في انتظاره استقبال فاتر، وانشغال روسي بعزلة سياسية تحاول دول غربية فرضها على الرئيس فلاديمير بوتين.

تبدو الدوحة على عجل من أمرها لإحراز أي تقدم سياسي يذكر، يعيد القضية، التي تسببت في اختناق جيوسياسي لقطر، إلى أولويات الساحة الدولية مرة أخرى، وتراجع شهية واضح في واشنطن تجاه الاتساق مع مواقف قطر المتناقضة.

مأزق كبير

تسبب خروج وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون، وتعيين بدلا منه مدير وكالات المخابرات المركزية (سي آي ايه) مايك بومبيو في أن تصبح كل أوراق قطر، التي عملت عليها مع تيلرسون طوال شهور، فارغة من أي مضمون فجأة. ووضع ذلك قطر في مأزق كبير.

ويقول دبلوماسيون في أوروبا إن تحركات وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، الذي كان يملك أجندة مزدحمة حتى نهاية العام الماضي، تراجعت كثيرا بعدما اكتشفت قطر أن اتجاه العواصم الأوروبية، من لندن وباريس إلى برلين، لم يعد مرنا تجاهها.

 

صورة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وهو شارد الذهن خلال لقائه بأمير قطر الشيخ تميم بن جمد آل الثاني نسفت كل ما روجت له البيانات والتقارير الرسمية التي استبقت زيارة الشيخ تميم إلى روسيا وروّجت للصفقات “الضخمة” بين الطرفين. جاءت الزيارة عكس ما تشتهيه سفن الدوحة الغارقة بعد أن أحرق الرئيس الأميركي دونالد ترامب أوراقها بتعيين مايك بومبيو مكان وزير الخارجية ريكس تيلرسون، كما أن الوضع في موسكو لا يبدو مبشّرا، فالرئيس الروسي المشغول بتطورات المواجهة مع الغرب آخر ما يهمه في هذه المرحلة إيجاد مخرج لقطر من أزمتها

وخلال زيارة طويلة يقوم بها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، لم يجد الشيخ تميم مخرجا لعزلة دولية تنزلق إليها قطر شيئا فشيئا، سوى ترتيب زيارة على عجل لروسيا، التي لا تملك رصيدا يذكر في الأزمة، التي اندلعت في 5 يونيو 2017.

وأثناء اجتماع مع بوتين مساء الإثنين، قال الشيخ تميم "أود أن أؤكد أن روسيا تلعب دورا هاما في حل المشكلات التي تشهدها بعض دول المنطقة".

 لكن مازالت روسيا تمثل أهمية قصوى بالنسبة لقطر، التي تراجع نفوذها كثيرا بفعل الأزمة الخليجية. ولم يعد لقطر أي دور يذكر في ملف المصالحة الفلسطينية الذي كان حكرا عليها في السابق، كما يشهد نفوذها تراجعا حادا في الأزمة الليبية، بعدما قررت السعودية استبعاد قطر من المشاركة في التحالف العربي الذي يشنّ حربا على الحوثيين في اليمن، وفقدت أيضا معظم أوراقها في سوريا.

ويقول ثيودور كراسيك، المحلل المتخصّص في شؤون الخليج، إن “قطر تقوم باستعراض قوتها المالية من أجل استمالة روسيا في محاولة لاستعادة النفوذ السياسي الضائع في سوريا ومنطقة الشرق الأوسط".

ويضيف "إدراكا لأهمية روسيا المتنامية في المنطقة، يحاول القطريون توسيع نفوذهم على موسكو، حيث تعتبر قطر شريكا مفيدا لروسيا في ما يتعلق بالمصادر البديلة للتمويل والاستثمار، وقد استخدمت قطر صندوق الثروة السيادية للتعزيز من نفوذها السياسي من خلال الاستثمار في روسيا”.

لكن يبدو أن الشيخ تميم اختار توقيتا ملتبسا في محاولته لدفع روسيا للعب دور في الأزمة الخليجية. بينما كانت طائرة أمير قطر تدخل الأجواء الروسية، قررت اكثر من عشرين دولة بينها عدد كبير من دول الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الاطلسي، بالإضافة إلى الولايات المتحدة وكندا وأستراليا، طرد نحو 120 دبلوماسيا روسيا على الاقل من أراضيها، تضامنا مع بريطانيا، التي تقول إن روسيا متورطة في تسميم العميل الروسي السابق سيرغي سكريبال وابنته يوليا باستخدام غاز أعصاب في مدينة سالسبري جنوب إنكلترا بداية الشهر الجاري.

ولعب روسيا أي دور دبلوماسي في منطقة الخليج يتطلب أولا توافقا مع دول غربية تتمتع بنفوذ تاريخي في المنطقة، لكنها باتت تتعاطى مؤخرا بريبة متزايدة مع السلوك العدائي الروسي، منذ استيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم عام 2014، واستخدام غاز أعصاب في استهداف سكريبال على أراض أوروبية لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية.

وعزلة روسيا، الأولى من نوعها منذ صعود بوتين إلى الحكم نهاية عام 1999، انتصار دبلوماسي مدوّ لبريطانيا، التي تعاني في مفاوضات شاقة للخروج من الاتحاد الأوروبي.

وقال دبلوماسي غربي لـ"العرب" إن "روسيا عليها أولا أن تخرج نفسها من المقاطعة الغربية، قبل أن تفكر في إخراج قطر من المقاطعة الخليجية".

وعقب اللقاء، جرى توقيع اتفاقية تعاون في مجال العلوم والتربية بين شركة النفط الروسية "روسنفط"، ومؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، وهي اتفاقية كان يكفي توقيعها من قبل مسؤولين صغار في خارجية البلدين، لكن سفر أمير قطر بنفسه للمشاركة في توقيع مثل هذه الاتفاقية له معان أخرى.

يأس قطري

روسيا تفكر في إخراج نفسها من المقاطعة الغربية أولا
روسيا تفكر في إخراج نفسها من المقاطعة الغربية أولا

تعيش قطر يأسا يتزايد مع الوقت بعد زيارتين ناجحتين لولي عهد السعودية إلى لندن وباريس، ومع استعداد ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان للقيام بزيارة مماثلة إلى واشنطن الصيف المقبل.

تمثل هذا اليأس في تصعيد خطير قامت به طائرات مقاتلة قطرية اعترضت، مساء الإثنين، طائرتين مدنيتين مسجلتين في الإمارات فوق أجواء البحرين، مهددة بذلك حركة الملاحة الجوية في منطقة الخليج، التي تحظى بمكانة استراتيجية فريدة في نظر الغرب. وكاد هذا الاحتكاك في التسبب في وقوع كارثة على حياة المدنيين الذين يستقلون الطائرتين.

وكانت هذه الحادثة محاولة من قبل قطر لإلقاء حجر في مياه تشعر أنها باتت راكدة، وسباق مع الوقت الذي تحول مؤخرا إلى السلاح الأكثر فتكا في مواجهة مساعي قطر للوصول إلى تسوية حفظ ماء الوجه.

وكما كان الرئيس الروسي منشغلا بالأزمة الدبلوماسية مع الغرب خلال نقاشاته الوجيزة مع الشيخ تميم، يدرك المسؤولون القطريون اقتراب استحقاقات حاسمة على الساحة الدولية، خصوصا في شهر مايو المقبل.

ومن المتوقع أن يشهد شهر مايو المقبل قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتمديد رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران وفقا لرؤيته لتمديد بقاء الولايات المتحدة كجزء من الاتفاق النووي الموقع عام 2015، أو الانسحاب منه.

 ويتوقع خبراء أميركيون كثر أن التغييرات الكبرى التي تشهدها الإدارة الأميركية، خصوصا بعد تعيين جون بولتون مستشارا للأمن القومي، ستقود حتما إلى "تمزيق" ترامب للاتفاق.

وسيؤدي هذا الموقف الأميركي على الأرجح إلى انهيار الاتفاق، وهو ما تكافح دول أوروبية عدة موقعة عليه للوقوف حائلا أمام حدوثه. كما سيشهد نفس الشهر نقل السفارة الأميركية في إسرائيل إلى مدينة القدس المحتلة، وهو ما من شأنه أن يقلب العالم العربي رأسا على عقب، ويعقد جهود الوساطة الأميركية في عملية السلام، وينهي “صفقة القرن”، التي يعمل عليه كبير مستشاري الرئيس وصهره جاريد كوشنر ومساعده جيسون غرينبلات، من قبل أن تبدأ.

تحركات وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني تراجعت كثيرا بعدما اكتشفت قطر أن اتجاه العواصم الأوروبية لم يعد مرنا

ومن المتوقع أن يلتقي ترامب بالزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون أيضا في نفس الشهر. ويقول محللون أميركيون إن جانبا من التغييرات في صفوف الإدارة جاءت تحضيرا لهذا اللقاء، الذي يريد ترامب من خلاله وضع الشروط الأميركية لمستقبل برنامج كوريا الشمالية النووي، ومن ثم احتواؤه.

كما سيشهد شهر أكتوبر المقبل انتهاء مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وعرض الاتفاق النهائي للخروج على البرلمان البريطاني والبرلمانات الأوروبي من أجل إقراره، بعد أكثر من عامين من المفاوضات الصعبة بين الجانبين.

وستتسبب كل هذه القضايا على الأرجح في تجميد الأزمة الخليجية حتى نهاية العام الجاري. ويقول دبلوماسيون في المنطقة إن قطر تريد تفادي هذا السيناريو بأي ثمن، حيث سيعني ذلك حرفيا تحول الأزمة إلى “قضية صغيرة جدا” بالنسبة للغرب أيضا.

وسيؤثر ذلك على انعقاد قمة خليجية أميركية كان من المقرر أن تقام في صيف العام الجاري، وكانت قطر تعوّل عليها كثيرا لحل الأزمة. لكن مع صعود مسؤولين مصنفين كصقور في الولايات المتحدة، ويعادون تيارات الإسلام السياسي التي تحظى بدعم سياسي ومالي قطري، يتوارى تدريجيا تعويل الدوحة القوي على مساعدة واشنطن في تحقيق “نصر معنوي” في الأزمة.

وكما لجأت قطر إلى التماهي مع رؤية إيران في المنطقة، وسمحت لتركيا بارسال قوات عسكرية وإقامة قاعدة دائمة على أراضيها، في مسعاها لكي تثبت للدول الخليجية أن لديها بدائل استراتيجية، تحاول اليوم المناورة عبر نفس المسار مع الوجه الجديد للإدارة الأميركية.

وتحمل زيارة الشيخ تميم بن حمد لموسكو رسالة ضمنية بأن روسيا قد تصبح البديل عن النفوذ الأميركي التقليدي في الخليج. ويقول ثيودور كراسيك “في الصورة الجيوسياسية الكبرى، تسعى قطر إلى تحويط رهاناتها، في وقت بات فيه المسؤولون في الدوحة غير متأكدين من علاقتهم بالبيت الأبيض”.

لكنه أكد أن “روسيا لازالت تنظر بحذر لدعم قطر للإسلاميين، إذ تعتقد موسكو بأن الدوحة دعمت في السابق الإرهابيين الجهاديين الشيشان خلال التسعينات من القرن الماضي. لذلك، من غير المرجّح أن يجد القطريون الكرملين أكثر تعاطفا مع الدعم الذي يقدمونه للإخوان المسلمين من إدارة ترامب".

6