استقرار ليبيا مرهون بإنهاء النفوذ التركي القطري على طرابلس

غياب الاستقرار واستمرار الانقسام في ليبيا يمنحان زخماً لمخطط تركي قطري معروف، تسعى من خلاله الدوحة وأنقرة إلى استبدال الدولة والجيوش النظامية والاستقرار، لتضع مكانها أتباعها الذين يقودون مجموعات متطرفة.
الاثنين 2019/04/08
قطر وتركيا مستفيدتان من فوضى الميليشيات في ليبيا

كان مشروع “الربيع العربي” منذ البداية فرصة ذهبية لقطر وتركيا، لأنه مثّل للدوحة وأنقرة مدخلاً لدعم تنظيمات الإخوان وتحالفاتها المتطرفة مع بقية الجماعات الإرهابية، التي تعمل من أجل مشروع الخلافة الغامض، والذي ظهرت مؤشراته العنيفة والمتوحشة على يد تنظيم داعش في العراق وسوريا. ثم احتفظت تركيا وقطر ببذرة المشروع لإعادة زراعته وحمايته في العاصمة الليبية طرابلس وما حولها. لأن مشروع دولة ميليشياوية متطرفة في ليبيا يجعل منها بشكل آلي ذراعاً في خدمة الممول القطري والحليف التركي، والطرف الأخير يسيل لعابه للسيطرة على الثروات في ليبيا، وكان يخطط لشرعنة سيطرته ونفوذه عبر اتفاقيات وبروتوكولات تعاون وهمية.

في كل الأحوال يمنح غياب الاستقرار واستمرار الانقسام في ليبيا زخماً لمخطط تركي قطري معروف، تسعى من خلاله الدوحة وأنقرة إلى استبدال الدولة الحديثة والجيوش النظامية والأمن والاستقرار الطبيعي، لتضع مكانها أتباعها الذين يقودون مجموعات متطرفة ليحلوا بهياكلهم الإرهابية كبديل للمؤسسات والأجهزة النظامية، والهدف النهائي لهم وضع مشروع الدولة المرتقبة رهينة بيد عصابات ومجموعات إرهابية، تتخذ من المؤسسات السيادية واجهة لتنفيذ أجندات ومشروعات تدمير ممنهج، بهدف توطين الفوضى وجعلها تسود المشهد، لتمهيد الطريق وتهيئة المجتمعات للقبول بحلول الإسلام السياسي في نهاية المطاف، لتسهيل إقامة خلافة إخوانية، مدعومة من قبل العثمانيين الجدد، بطموحات أردوغانية سلطانية، لم تعد تخفى على أي عاقل.

هذا ما يريدونه لليبيا بعد أن فشل مشروعهم في مصر وفي أماكن أخرى. ومن الواضح أن الوضع الليبي الراهن يشهد منذ فترة نوعاً من الاحتلال القطري – التركي للعاصمة طرابلس، من خلال دعم تحركات أذرع ميليشياوية إخوانية وجهادية وقاعدية، توحدت مصالحها رغم خلافاتها العقائدية الشكلية، لأن الممول القطري يقف داعماً للمخطط التركي، وكلا الطرفين يريدان للفوضى في ليبيا أن تستمر. ولم يعد المال القطري والنفوذ التركي يدعمان من وراء ستار وبصمت وخجل، بل أصبحت التصريحات والحرب الإعلامية ضد رغبة الليبيين في استعادة عاصمتهم تنطلقان من الدوحة ومن إسطنبول، سواء على لسان رموز الإرهاب الذين يقيمون في قطر وتركيا، أو من خلال الإعلام القطري الذي يتحكم تنظيم الإخوان بكل خيوطه، على مستوى الكوادر والبرامج ومطبخ الأخبار والتقارير الموجهة.

لكل ما سبق، كانت قراءة المتابع العربي دقيقة، عندما كشف مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي بسهولة أسباب الصراخ والعويل في قطر، بعد أن أصبحت طرابلس على وشك أن تتحرر، وأن تفلت من قبضة العصابات الإرهابية التي تمثل النفوذ القطري والتركي، وتحقق استقرار الشعب الليبي، الذي سئم الازدواجية والتطفل على مستقبل الليبيين، سواء باسم الكتائب والمجموعات التي تتستر وراء المسميات الثورية والعسكرية، أو باسم الازدواجية السياسية وارتماء بعض السياسيين في أحضان قطر وتركيا. بينما يتسترون على قادة كتائب لديهم مرجعيات متطرفة معادية لبناء دولة حديثة تخدم مصالح الشعب الليبي، الذي حُرم طويلاً من قيام دولة مؤسسات، في عهد نظام معمر القذافي وفي عهد شبه الاحتلال التركي لعاصمتهم بأدوات محلية متشددة تدين بالولاء والطاعة لمن يحركها من خارج ليبيا.

واتضح أن الصراخ في قطر على قدر انهيار مشروع الفوضى واقتراب نهاية تسلط المجموعات الإرهابية في طرابلس. وكذلك كانت الصدمة في تركيا لأنها كانت تبني أحلامها بالسيطرة والنفوذ والحصول على نصيب كبير من مشروعات إعادة الإعمار، ولكن في ظل سيطرة عصابات موالية تهيمن عليها تركيا بدعم قطري. ورغم أن الصراعات المسلحة والحلول العسكرية لا تكون مرغوبة، إلا أن الليبيين بعد أن طالت فترة الفوضى أصبحوا يؤيدون تحرير أرضهم من وضع أشبه ما يكون بالاحتلال الصامت للعاصمة من قبل تركيا تحديداً، عبر وكلاء محليين، ودعم مالي وإعلامي يظهر هذه الأيام على شكل ردود أفعال متوترة ومرتبكة، تجاه تقدم الجيش الوطني الليبي نحو تحرير طرابلس، واستعادتها كشرط طبيعي وضروري لتوحيد القوى الليبية، وإنهاء سيطرة الكتائب التي أسسها متطرفون، ويريدون اختراق المؤسسات العسكرية من خلالها.

ومن لم يكن متواجداً ضمن الإرهابيين الذين ينفذون الأجندة القطرية التركية من داخل العاصمة الليبية المخطوفة، فإنه يرسل صرخات العويل من قطر أو من تركيا، ويعمل كل من الطرف القطري والتركي على تحفيز العصابات الموالية لهما لمواصلة القتال واختطاف العاصمة الليبية، لصالح أجندة تركية بشعة واستغلالية. أما الداعم القطري فهو مجرد حقيبة نقود مفتوحة كالعادة لتمويل المارقين والإرهابيين، حسب توجيهات التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، الذي يواصل رسم مخططاته من تركيا، برعاية الحالم بالخلافة الرئيس رجب طيب أردوغان، رغم انكساره جزئياً من خلال الصفعة التي تلقاها في أكبر المدن التركية، التي لم تصوت لحزبه في الانتخابات المحلية التركية الأخيرة، لذلك يريد تعويض الخسائر الداخلية بإثبات الحضور خارج حدود تركيا.

لقد وجد التطفل التركي في الساحة الليبية مساحة متميزة لجس النبض واختبار القدرة على حماية النفوذ. وساعده على ذلك تعدد إشكاليات المنطقة، ودخول أكثر من رقعة جغرافية عربية في بؤرة النزاعات والنقاط الساخنة، التي تؤدي إلى انشغال كل دولة بمعالجة أوضاعها. لكن الليبيين ضاقوا ذرعاً بمعادلة الفراغ السياسي والانقسام وغياب الاستقرار، رغم ما لديهم من ثروات تكفل لهم العيش في حياة مزدهرة.

أما بالنسبة إلى القوى الدولية الكبرى، فمن المعروف أنها تتنافس في ليبيا على إيجاد موطئ قدم قبل أن يتوطد الاستقرار النهائي، في صراع محموم تبرره مشروعات إعادة الإعمار المتوقعة، في ظل امتلاك ليبيا ثروة نفطية وعائدات تضمن سداد فاتورة الإعمار، ويريد الطرف التركي أن يتصدر الأطراف الدولية، ولكن بخلفية سياسية غير بريئة، لأنها تمتزج بالتعاون مع التطرف وذيوله وتنظيماته المشبوهة، ويوفر الدعم القطري سيولة مالية لترسيخ هذا التوجه، لكن توجه الجيش الليبي نحو تحرير طرابلس يقضي على العبث الثنائي الذي تمارسه قطر وتركيا في المشهد الليبي.

ورغم انفضاح الدور الخبيث لقطر وتركيا في الساحة الليبية، إلا أن الإعلام القطري – الإخواني يتهرب من هذه الحقيقة، ويتجه بدلاً من ذلك نحو الترويج لأوهام وأكاذيب عن تدخلات مزعومة للإمارات في الشأن الجزائري. وهذه عادة قطرية متكررة عندما يتم فضح سلوك الدوحة، لا تجد طريقة للرد على ألاعيبها، سوى اتهام الآخرين والتطاول عليهم، وهذا الأسلوب يؤكد أن من يدير الإعلام القطري لا يمثل دولة بقدر ما يمثل عصابة أو تنظيما.

8